"الحريديم ضد الدولة: أزمة التجنيد تُشعل نار الانقسام"

تابعنا على:   14:37 2025-05-09

إسماعيل مسلماني

أمد/ يشكل التجنيد الإلزامي في إسرائيل إحدى القضايا الجوهرية التي تُعبر عن التوترات العميقة داخل المجتمع الإسرائيلي، لا سيما بين التيارات العلمانية والدينية. في هذا السياق، يبرز رفض التيار الحريدي، وهو تيار يهودي أرثوذكسي متشدد، لقانون التجنيد كعامل تفجيري سياسي قد يؤدي إلى سقوط الحكومة، ويعيد النقاش حول وحدة الدولة ومصيرها في ظل الاستقطاب المتزايد.

الخلفية القانونية والاجتماعية لقانون التجنيد:

يعود الجدل حول تجنيد الحريديم إلى قيام الدولة في عام 1948، حين مُنحت إعفاءات محدودة لطلاب المدارس الدينية (يشيفوت) بموجب اتفاق بين رئيس الوزراء ديفيد بن غوريون وقادة الحريديم. لكن مع تزايد عدد المعفيين، واحتدام النقاش حول المساواة في تحمل العبء، بدأ الضغط الشعبي والقضائي يتصاعد لإعادة النظر في هذه الإعفاءات.

في السنوات الأخيرة، أصدرت المحكمة العليا الإسرائيلية قرارات تلزم الحكومة بوضع قانون تجنيد يضمن عدالة أكبر بين الفئات المجتمعية. ومع ذلك، ظل تمرير قانون يُرضي كل الأطراف أمرًا عسيرًا بسبب التوازنات السياسية الدقيقة داخل الائتلافات الحكومية.

موقف الحريديم ورفض القانون:

يعتبر التيار الحريدي أن خدمة الشباب في الجيش تتعارض مع التزاماتهم الدينية، ويؤكد أن استمرار طلاب التوراة في الدراسة يمثل حماية روحية للدولة. ورفضهم المتكرر لقوانين التجنيد لا ينبع فقط من تحفظ ديني، بل أيضًا من مخاوف تتعلق بتذويب الهوية الثقافية والدينية في المؤسسة العسكرية التي تُعد علمانية الطابع.

موقف الأحزاب الحريدية من قانون التجنيد:

تُمثَّل التيارات الحريدية في الكنيست الإسرائيلي من خلال حزبيْن رئيسيين: شاس ويهدوت هتوراة.

حزب شاس، الذي يمثل الطائفة الحريدية السفاردية، يتمسك بموقف عقائدي رافض لتجنيد طلاب المدارس الدينية، ويؤمن بأن دراسة التوراة تُعدّ "حماية روحية" للدولة لا تقل أهمية عن الخدمة العسكرية.

أما حزب يهدوت هتوراة، وهو تحالف يضم حزبي "أغودات يسرائيل" و"ديغل هتوراه"، ويمثل الحريديم الأشكناز، فيتخذ موقفًا أكثر صرامة ضد أي محاولة لفرض الخدمة العسكرية على طلاب اليشيفوت، معتبرًا أن مثل هذه القوانين تمس بأسس الهوية اليهودية التقليدية.

كلا الحزبين يُعدّان شريكين دائمين في الائتلافات اليمينية، ويستخدمان ثقلهما البرلماني للضغط باتجاه الحفاظ على الإعفاءات التاريخية من الخدمة العسكرية. كما لوّحا مرارًا بالانسحاب من الحكومة في حال تمرير قانون يُجبر الحريديم على الخدمة، ما يهدد استقرار الائتلاف الحاكم ويزيد من حدة الأزمة السياسية.

وقرارات المحكمة العليا الأخيرة، وغياب توافق سياسي على قانون جديد، تهدد الأحزاب الحريدية بالانسحاب من الائتلاف الحاكم إذا فُرض عليهم التجنيد الإجباري، ما يضع الحكومة أمام خطر التفكك.

الأزمة السياسية الراهنة:

في ظل حكومة يقودها بنيامين نتنياهو، المدعومة من أحزاب يمينية ودينية، يشكل مطلب الحريديم خطًا أحمر، لكن في المقابل، تواجه الحكومة ضغوطًا من داخل الجيش ومن الشارع العلماني، تطالب بالمساواة في الخدمة. عدم التوصل إلى تسوية وسطية، قد يؤدي إلى إسقاط الحكومة أو إدخالها في شلل تشريعي دائم.

هل تنذر الأزمة بحرب أهلية؟

رغم أن الحديث عن "حرب أهلية" في إسرائيل لا يزال أقرب إلى المجاز السياسي، إلا أن التصعيد اللفظي، والاحتجاجات الجماهيرية، والانقسامات العميقة بين التيارات الدينية والعلمانية، تثير القلق بشأن تفكك العقد الاجتماعي. وقد زادت التوترات حدةً في أعقاب التعديلات القضائية المثيرة للجدل، والانقسامات داخل الجيش والمجتمع، ما يجعل من أزمة التجنيد الحالية حلقة في سلسلة من المواجهات التي تهدد وحدة الدولة ومؤسساتها.

السيناريوهات المحتملة التي قد يلجأ إليها نتنياهو في حال فشله في إقناع الحريديم بقبول صيغة لتجنيدهم:

1. تقديم قانون رمزي أو مخفف مع إعفاءات فعلية

الهدف: تمرير قانون يُرضي المحكمة العليا شكليًا، لكنه يتضمن بنودًا تعطي مرونة واسعة للحريديم، مثل تأجيل الخدمة أو إعفاء الغالبية فعليًا.

النتيجة المحتملة:

يُهدّئ الأحزاب الحريدية مؤقتًا،لكن من المرجح أن ترفضه المحكمة أو يعترض عليه المجتمع العلماني والجيش باعتباره "تحايلاً قانونيًا".

2. تمديد المهلة القانونية أو الطعن في صلاحية المحكمة العليا

الهدف: كسب الوقت عبر خطوات تشريعية لتأجيل تنفيذ قرار المحكمة، أو محاولة تقويض صلاحياتها كما حصل في أزمات التعديلات القضائية.

النتيجة المحتملة:

يرضي الحريديم والمحافظين،لكن سيؤدي لتصعيد جديد مع الشارع الإسرائيلي والقضاء، وربما يُعيد مشاهد الاحتجاجات الجماهيرية.

3. التضحية بالائتلاف الحالي والدعوة لانتخابات مبكرة

الهدف: إذا شعر نتنياهو أن المأزق غير قابل للحل، قد يفضل تفكيك الحكومة الحالية والذهاب لانتخابات جديدة، آملاً في الحصول على أغلبية أكثر مرونة.

النتيجة المحتملة:

مخاطرة عالية؛ لأنه لا ضمان أن يُعيد تشكيل ائتلاف مستقر، وقد تتحد المعارضة ضده بسبب إخفاقه في إدارة الأزمة.

4. تشكيل لجنة توافق وطني وتأجيل الحسم

الهدف: تشكيل لجنة من شخصيات دينية، عسكرية، وقضائية، لوضع صيغة توافقيّة طويلة الأجل.

النتيجة المحتملة:

يُظهر نتنياهو كمَن يبحث عن حل متوازن، لكن قد يُنظر إليه كتهرّب من القرار، خاصة من قِبل المحكمة.

السيناريو الأخطر: انفجار اجتماعي

إذا عجز نتنياهو عن التوفيق بين الأطراف، واستمرت المظاهرات أو تفاقمت التوترات بين الحريديم والعلمانيين، فقد تُفتح ثغرات في المؤسسة العسكرية، وتزداد الدعوات إلى عصيان مدني أو مواجهة أهلية.

في المحصلة، خيارات نتنياهو ضيقة، وأي سيناريو يحمل معه كلفة سياسية عالية. نجاحه سيعتمد على مدى قدرته على المناورة، وهو أمر أتقنه تاريخيًا، لكنه في هذه الحالة يواجه أزمة وجودية تمس توازن الدولة ذاته.

يمثل رفض الحريديم لقانون التجنيد تحديًا مزدوجًا للحكومة الإسرائيلية: فهو يعكس خللًا في التوازن بين الدين والدولة، ويضع النظام السياسي أمام معضلة ديمقراطية حادة. وفي حال استمرار العجز عن إيجاد تسوية شاملة، قد يتحول الصراع من نزاع سياسي إلى أزمة مجتمعية أعمق تهدد بتفكيك البنية المدنية لإسرائيل.

اخر الأخبار