وفي ليل الجوع، قال يوسف: ماما... ادعيلي أحلم إني بآكل دجاج
نسرين موسى
أمد/ في قلب قطاع غزة المحاصر المُباد، حيث تنبت الحسرة في كل زاوية، يقف الطفل ( يوسف سامي عبد ربه) على أعتاب ليلة أخرى من ليالي الحرمان.
قبل أن تستكين روحه المعذبة إلى سبات مؤقت، يهمس بكلمات تزلزل أركان الوجدان، ينادي أمه بنداء يمزق حجاب الصمت الثقيل: "ماما... ادعيلي أحلم إني بآكل دجاج".
"أحلم"...كلمة تختزل قصة شعب بأكمله!
لم ينطق يوسف بطلب مباشر، لم يجرؤ لسانه الصغير على التفوّه بأمنية يعرف يقيناً أنها عصية على التحقيق في هذا السجن الكبير المسمى غزة.
لجأ إلى الحلم، إلى ملاذه الأخير، إلى تلك المساحة الشاسعة التي لا تعترف بجدران الحصار ولا بقسوة الواقع، ليطفئ نار جوعه المتأججة ولو في عالم الخيال.
أيّ ذنب اقترفه هذا البرعم الصغير ليُحرم من أبسط حقوقه، ليتحول طعم الدجاج في مخيلته إلى أسطورة بعيدة المنال؟
أيّ منطق يسمح بأن يصبح حلم طفل لم يتجاوز مرحلة الإبتدائية محصوراً في قطعة دجاج؟
المعابر، التي كانت من المفترض أن تكون شرايين حياة تتدفق بالغذاء والدواء، تحولت إلى مقصلة تقطع أوصال الحياة عن يوسف وأطفال غزة.
أشهر طويلة مرّت وهم يتجرعون مرارة الحرمان، لم يعرفوا فيها طعم الحلوى التي تبهج قلوب الصغار، ولم يذوقوا لذة الدجاج الذي يسيل له لعابهم.
"مللنا المعكرونة ومعلبات الفاصوليا"، كلمات تتردد على لسان يوسف الصغير كل يوم، صرخة احتجاج صامتة على قسوة الحياة. حتى الفاصوليا، التي كانت يوماً وجبة متواضعة، أصبحت تُقدم شحيحة في أوراق ملفوفة، يأكلها الأطفال كأنها ترمس تسالي .
ماذا نقول ليوسف الذي بدأ يستوعب بقلبه الصغير أن حتى حلمه المتواضع بأكل الدجاج بات ضرباً من ضروب المستحيل؟
أي ثمن باهظ يدفعه هذا الطفل البريء مقابل شوقه البريء لقطعة دجاج؟
لعنة الحصار الغاشم سرقت من طفولته كل ألوان الفرح، حوّلت أبسط أمانيه إلى سراب بعيد المنال.
يوسف ليس مجرد طفل يحلم بوجبة دجاج، بل هو رمز لأجيال كاملة في غزة، أجيال لم تعرف طعم الحياة الكريمة.
حلمه الصغير يعكس أمنيات الكبار المحاصَرين، الذين يتوقون إلى لقمة عيش هنية لأطفالهم.
غزة لا تُباد بالقنابل والصواريخ فحسب، بل تُباد بالجوع والمرض والحرمان، بغياب الغذاء الصحي الذي يغذي الأجساد ويُشبع الروح.
لا يصلنا إلا فتات معلبات، قد تحمل في طياتها ألواناً من السموم البطيئة.
من يملك الجرأة ليقنع يوسف بأن حلمه، الذي لا يعدو كونه حقاً أساسياً لأي طفل في هذا العالم، لم يعد من حقه؟ من يستطيع أن يطفئ الشرارة الأخيرة من الأمل في عينيه الصغيرتين ويقول له: حتى في عالم الأحلام، لا مكان للدجاج؟
