الدولة والسلطة والتسلّط
علي ابوحبله
أمد/ يأتي التدخل بين مفهومي السلطة والتسلط، ليأخذ طابع إشكالية معرفة تتميز بطابع الأهمية والخصوصية. وتتجسد أهمية هذه الإشكالية في الجهود التي بذلها المفكرون ويبذلها الباحثون في تحليل أبعاد هذه الظاهرة والكشف عن ماهيتها، حيث يجري الاعتقاد تأسيساً على هذه الجهود العلمية بأن الكشف عن الخط الفاصل بين مفهومي السلطة والتسلط، يشكل بدوره لكشف عن إشكالية الحد الفاصل بين مفهومي الحرية والعبودية، بين مفهومي العدالة والظلم، وبين مفهومي الخير والشر، وبين الحق والباطل.
لقد عرفت الإنسانية جهوداً سياسية وفكرية مستمرة للبحث عن سلطة لا تتحول إلى تسلط، وعن تنظيم إنساني واجتماعي يسعى إلى تحقيق العدالة، ولا يتحول إلى صورة من صور العبودية والقهر، وفي هذه الصيغة التي تحقق التوازن بين الإنسان الذي يمتلك الحرية، والدولة التي تمتلك السلطة، تبرز جهود: بن رشد والكواكبي وأفلاطون وجان جاك روسو وهوبس، وكوكبة من عمالقة المفكرين والمنظرين في تاريخ المعرفة والفلسفة الإنسانية.
يعرّف أهل العلم السياسي الدولة بأنها: مجموعة من السكان يعيشون في مساحة جغرافية ذات حدود معترف بها، وذات نظام سياسي يمارس سلطته القانونية لتنظيم حياة المواطنين.
ولكي تكون الدولة دولة فإنها تنطوي على جملة من المؤسسات والسلطات، أجملها المشرع بالسلطة التشريعية والسلطة التنفيذية والسلطة القضائية.
ووفق هذا المفهوم المتفق عليه ويعني أن السلطة جزء أساسي في الدولة، فلا دولة بلا سلطة معترف بها من مواطني الدولة. فالسلطة هي مجموعة المؤسسات التي تدير شؤون الدولة وتحافظ عليها، من الجيش والأمن والقضاء والوزارات.
والسؤال كيف تتحول سلطة الدولة من سلطة بوصفها ظاهرة اجتماعية – سياسية تقوم بإدارة شؤون المجتمع إلى سلطة تسلطية على المجتمع؟؟؟؟؟ الجواب هو ؟؟؟ عندما تحتكر جماعة ما ذات عصبية ضيقة القوة والسلطة وتعمل على إبقائها محتكرة في يدها فإن السلطة تصير سلطة عنف واستبداد مطلق وتتحول إلى أداة نفي للحق العام، ولماهية الدولة والقانون، واحتكار الحق والقوة والعنف. وإن جماعة تحتكر الحق والقوة وتنفيه عن الأكثرية جماعة تسلطية بالمطلق، ومع الأيام تتحول سياسة التسلط لدى الجماعة إلى ذهنية تسلطية، عقلية تسلطية تدميرية بامتياز، الجماعة التسلطية قد تكون طبقة أو طائفة أو حزباً أو فئة تتمتع بعصبية على أساس نوع الجماعة المتسلطة، وهذه العصبية المؤسسة للتسلط تزيف تسلطها بخطاب أيديولوجي يبرر ممارساتها التسلطية.
إذاً الجماعة التسلطية مكونة من فئة – أقلية – ومن عصبية، ومن خطاب. لكن هذه الجماعة التسلطية تفتقد إلى الاعتراف المجتمعي، وتكتفي باعتراف ضيق. ولأنها تعلم علم اليقين بأنها فاقدة للاعتراف من المجتمع، فإنه يتولد لها الخوف على مصيرها، ويقودها هذا الخوف إلى سياسة العنف والقمع اللاعقلاني للسكان، ولا تنظر إلى السكان من زاوية المواطنة والحق والولاء للدولة والوطن، بل تنظر إليهم من زاوية الرفض والقبول للسلطة التسلطية وكل هذا يكوّن مع الأيام الذهنية التسلطية وتحتكر – لكي تمارس التسلط – القوة والحق، كما يقول الكثيرين من المفكرين والمنظرين
وهنا لا بد من الإشارة والتأكيد أن الجماعة التسلطية – أي جماعة تسلطية – تمثل أقلية بالضرورة، سواء انتمت إلى أقلية طائفية أو إلى أكثرية، إذ لا يمكن للأكثرية أن يكون لها جماعة تسلطية تمثلها، وبالتالي فإن كل جماعة تسلطية تمارس تسلطها على الأكثرية. وتزيف خطابها للأكثرية، وتدعي بأنها تحمل هم الأكثرية: الوطن، الشعب، الأمة.
ما يميز السلطة التسلطية في كل مكان وجدت فيه هو التناقض بين الخطاب والممارسة، فيحمل الخطاب تناقضات لا قيمة لها، تتحدث عن الشعارات التي من شأنها خداع الناس، فيما الممارسة هي زيادة في التسلط الذي يخلق بالضرورة تفكك مجتمعي وفساداً بمختلف تسمياته
ان الوعي بماهية السلطة التسلطية وعي مهم للتمييز بين الدولة الطبيعية القائمة على العقد الاجتماعي والاعتراف، والدولة التسلطية القائمة على الغلبة بكل أنواعها.
بل إن هذا الوعي يحدد البديل الممكن، ولا يكون تغيراً إلا إذا كان ممكناً. ومن الخطورة بمكان أن تقاتل بعض الجماعات من أجل ما هو مستحيل تاريخياً. فالمستحيل لن يجد النور لا الآن ولا غداً لان الغلبة للفئة المسيطرة والمتسلطة ولا ينهي تلك الحال هالا الوعي والحرية والديموقراطيه والاحتكام للشرعية الشعبية عبر صندوق الاقتراع
