لا بطولة في الحرب إذا كان الثمن هو الشعب كله.
علاء مطر
أمد/ أقولها بوضوح وبلا مواربة، ما سأكتبه اليوم قد لا يكون جديدًا في مضمونه، طالما تحدث الكثير نفس الشيء منذ اليوم الأول لمحرقة غزة، لكنه ضروري لأنه يبدو أن آذان أعضاء الوفد المفاوض وقيادة غزة قد أُغلِقت، أو أنها لا تريد أن تسمع ما لا يناسبها.
قد يعتبره البعض نوعاً من "خالف تُعرف"، أو تثبيطًا للعزائم وفق قاموس المزايدة السياسية لأنصار الحركة، لكن لا يعنيني لأن من يرى الحقيقة ويصمت هو شريك في الجريمة، ودماء غزة أثقل من أن تُغسَل بالخطب أو الشعارات.
لديّ شكٌّ كبير، بل قناعة شبه راسخة، بأن الفهم الاستراتيجي لدى الحركة غائب أو مشوّش، من أعلى قياداتها إلى أصغر عناصرها، حتى من يُفترض أنهم "خبراء عسكريون"، كمحللي قناة الجزيرة، على رأسهم اللواء الدويري، أو زياد سعيد (الذي بالمناسبة خريج تحاليل طبية من جامعة الأزهر ) باتوا أبواقًا تبريرية، يُغرقون المتابعين في تحليلات سطحية، تقتات على اللحظة الراهنة، دون أي استشراف للمدى البعيد، وكأنهم عاجزون عن رؤية الكارثة وهي تتدحرج.
هذا هو مأخذي الجوهري على حماس، غياب الرؤية بعيدة المدى، وعدم استيعاب قوانين الحرب الطويلة، فالمعركة الحالية لا يمكن أن تُخاض بنفس الأدوات والخيارات التي استخدمت في معارك سابقة، ولا يمكن لقوة محدودة محاصرة أن تواجه آلة عسكرية مدعومة من الغرب كله، وتعتمد فقط على الإيمان والحماسة.
المكابرة لا تُربح الحروب، والعناد لا يصنع النصر، ونحن لا نتحدث عن مواجهة عادلة، بل عن محرقة تُنفذ ببطء وبدم بارد أمام صمت العالم، وعن قيادة تبدو وكأنها عاجزة عن الخروج من عباءة العسكرة إلى أفق السياسة الواقعية.
فإنقاذ غزة لا يحتاج شعارات، بل يحتاج قرارات شجاعة ومؤلمة، منها:
أولا: على حماس أن تبادر فوراً بدعوة علنية "لا تحتمل التأويل" تطالب فيها بتدخل مصر وقطر، أو قوة عربية لحماية ما تبقى من القطاع وسكانه، لوقف الإبادة الجماعية والتهجير القسري، وهذه الدعوة يجب أن تكون صادرة عن قناعة تامة، لا من باب المناورة السياسية.
ثانيا: تسليم إدارة قطاع غزة فورا للسلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير، أو لقوات عربية، دون شروط أو تعقيدات أو لجان "إسناد" و"تنسيق"،فمن ينقذ شعبه لا يساوم على شيء.
ثالثا: ملف الرهائن يجب أن يُسلم لطرف ثالث – وساطة أممية أو عربية – مع شروط واضحة، لإظهار أن احتجازهم لم يكن غاية، بل وسيلة تفاوض، فهذه الخطوة ستنزع من إسرائيل سلاحا إعلاميا وسياسيا كبيرا.
وأخيرا يجب أن تعلن حماس للعالم أننا شعب يُباد، وتوضح أن غزة ليست قاعدة نووية، ولا قوة عسكرية خارقة، بل منطقة محاصرة تُسحق منذ سنوات، ولتتوقف أبواق التهويل عن ترويج خرافة "تسليم السلاح" وكأن في غزة صواريخ عابرة للقارات.
كفى مكابرة، كفى عناد، آن الأوان لقرارات حدية ووطنية، لأن ما نحن فيه ليس حربا، بل فناء.
لتتوقف هذه الحرب المجنونة فورا.
الزمن لا يرحم، والتاريخ لا يغفر، أوقفوا النزيف قبل أن تُهجر غزة أو يباد أهلها.
