ثورة في رأسي.. أم انكسار؟
مارسيل غطاس
أمد/ "لم أعد مقتنعاً بنضالي."
تنهّد داخلي يتردد في صدري كأنين لاجئ عجوز لم يعد يؤمن بالعودة.
هل هو تعب السنين؟ أم خيبة اللحظة؟ أم أن الحقيقة كانت تطرق بابي منذ زمن، وأنا الذي كنت أرفض أن أسمع؟
عملتُ لأكثر من عشرين عاماً في النضال الفلسطيني: سياسيّاً، ثقافيّاً، إغاثيّاً، فكريّاً ونقابياً.
كتبتُ، صمّمتُ، صِحتُ في المؤتمرات، دعوتُ للمقاومة السلمية، وغنّيت للعودة حتى بحّت حنجرتي.
ظننت أنني على الطريق، أن كلماتنا نبني بها وطناً مؤجلاً، نرصّف بها حجارة العودة في درب المستحيل.
لكنني الآن، وفي عزّ اللحظة، أجلس برأسي بين كفّيّ.. لا أسمع سوى ضجيج الانفجارات في داخلي.
كل ما ظننته إنجازاً، بات حطاماً من ورق.
كل شعار رفعته، وكل بيان وقّعته، وكل ندوة حضرتها.. تبدو لي الآن محاولات يائسة لتجميل القيد، لا كسره.
ربما هذه لحظة تهوّر، وربما صحوة.
لكنني أعترف: لم أعد أؤمن بنصف الحريّة، ولا بأنصاف الثورات.
لم أعد أؤمن بأن “المجتمع الدولي” سيُعيد لنا حجراً أو لاجئاً.
ولم أعد أصدّق من يتغنون بالمقاومة من خلف مكاتبهم المكيّفة، يتلقّون رواتبهم بالشيكل والدولار، ويساومون على دمائنا.
أنا اليوم أقتدي بكلمة واحدة، قالها شاعر فلسطيني عاش زمن الحصار:
“إن ألفي قذيفةٍ من كلامٍ، لا تساوي قذيفة من حديد” – أحمد فرح عقيلان.
نعم، ما عاد الكلام يكفي.
ما عاد النضال بالبوستات والمنشورات والصور المؤطرة كافياً.
وما عادت الفصائلُ، كلّ الفصائل، تُشبه الشعب الذي تُتاجر باسمه.
أنا مع المقاومة.
لكن لا تلك التي تحكم، ولا تلك التي تُراكم المال والسلاح بانتظار “التوقيت الإقليمي المناسب”.
أنا مع المقاومة الشعبية الصادقة، تلك التي تنبع من الأرض، من وجع المخيم، من شرف الجوع، من رصاصات الحناجر الغاضبة.
مقاومة لا ترتبط بحسابات الأنظمة، ولا ترتهن للممولين، ولا تختبئ خلف شعارات خالية من الروح.
مقاومة ترى الطفل حين يُقتل، فترد.
ترى البيت يُهدم، فتغضب.
ترى الأم تُسحق على الحاجز، فتنتفض.
مقاومة لا تنتظر التعليمات.. بل تصرخ لأن الصمت موت.
أنا الآن، في ثورتي الداخلية هذه، لم أعد أبحث عن النصر السريع.
بل عن المعنى.
عن الكرامة.
عن مقاومة لا تشبه العروش، بل تشبه البيوت الطينية في المخيم.
تشبه الشهداء الذين لم تلتقط صورهم أي كاميرا.. ولم يحضر جنازاتهم أي قائد.
ربما هذا انكسار.. أو بداية وعي جديد.
لكنه حتماً صرخة في وجه الذات، في وجهنا جميعاً.
الحرية لا تُستجدى، ولا تُفاوض، ولا تُسوّق.
الحرية تُنتزع.
ومن لا يملك شجاعة القتال، فليملك على الأقل شجاعة الصدق.
