مسيرة بيت لاهيا قفز خارج المسار
صالح عوض
أمد/ هل هي صرخة جوعى منكوبين فقط ام أنه عمل سياسي مخطط ؟؟ بلا تردد نستطيع التاكيد انه مهما بلغ مستوى التشكيك في دوافع ما حصل والجهات التي تكون مشرفة على توجيهه إلا انه يمتلك من المبررات الموضوعية الحقيقية ما يكفي.. الا يستدعي ما يحصل في غزة خروج الناس الى بقية الشوارع يصرخون في وجه العالم ان كفى قتلا وتجويعا؟ الا يستدعي ما حل بغزة ان يعلو الصوت ويهز العالم؟ ان لم يتكلم الناس من تحت الأنقاض فمن ذا الذي له الحق ان يتكلم؟!!!
لا يمكن أن يمر الحدث بدون تعليق مع أني كالذي يمشي في بركة دم وجثث فالموت سيد المكان بل وهناك ما هو أصعب من الموت وفي حضرته ينبغي التخلص من كثير مما نضطر اليه مجاملة أو مداهنة او حسابات سياسية لانه بعد الموت والقهر لا مجال للمداراة.. انها غزة المذبحة انها غزة المأساة..إنها غزة التي ظلت تنادي 17 شهرا أمتها ولا مجيب الا القليل القليل .. انها غزة حيث يعوي الجوع بين أزقة مهشمة وبيوت سقطت أركانها وخيم تعصف بها ريح قاسية.. إنها غزة التي خذلها العرب والمسلمون واكتفى الطيبون منهم بالبكاء فزادوا وجعها وجعا وألمها عمقا.. الا يكفي هذا كله ان نتقدم خطوة نحو القول الاكثر وضوحا؟
قراءة في عناصر المشهد:
حتى نستطيع وضع ما حصل في سياقه الصحيح ينبغي أن نلقي الضوء بتكثيف على عناصر المشهد وتفاعلها في النتائج.. ففي الولايات المتحدة الامريكية حيث يبدو الرئيس ترمب في عجلة من امره لاعادة صياغة العالم بخرائطه ومصالحها.. وفي هذه العجلة تفقد الادارة كثير من اللياقة وتندفع بشراسة على أكثر من جبهة فيما يؤكد الخبراء ان عجزا رهيبا سيحيق بالاقتصاد الامريكي الامر الذي حول الرئيس الى جابي فوائد مهددا بالضم والعقوبات كما هو حاصل مع كندا والهند والمكسيك وفلندا.. اما الملف الصيني والملف النووي الايراني فهما يشغلانه تماما .. ان الادارة الجديدة تنوء بملفات ثقيلة لعل حجم الديون المتضخم يقف على رأسها مما يجعل ترمب يهرب الى اجراءات مستعجلة لانقاذ الاقتصاد الامريكي المهدد بالعجز الكبير ولكنها حتما ستقود الى تعميق الازمة كما اتضح في الشهر السابق حيث سجلت الحسابات المالية خسرات لعدة اشخاص بمئات المليارات.. وفي هذه المعارك الكبيرة التي يخوضها ترمب ينظر الى فلسطين القضية المستعصية من جهة والسهلة من جهة اخرى حيث اختار العرب موقف ارضاء الامريكان رغم ان الامريكان اعلنوا رسميا تدمير غزة وتهجير اهلها وقد تبجح ترمب بان طالب الدول العربية ببناء مساكن للفلسطينيين من اهل غزة.. هو في حقيقة أمره يريد التفرغ من الملف الفلسطيني على عجل وكيفما اتفق وبالمناسبة ينهي ملف سورية ولبنان ايضا الا انه يصطدم باصرار المقاومة الفلسطينية وان السوريين رغم ما يعيشونه من ضعف الا انهم لن يقبلوا بصفقات على حساب سورية والامر نفسه يندرج على لبنان.. وفي المقابل تصطدم رغبة ترمب بمخطط نتنياهو الاستراتيجي الذي يعمل حسب زعمه من اجل شرق اوسط جديد.
وفي داخل الكيان الصهيوني لازالت الصدمة التاريخية 7 اكتوبر تهز اركانه النفسية وتتداعى الانشقاقات داخل المجتمعات الصهيونية وكما يبدو الانشطار الرأسي بين صهيونية علمانية وصهيونية دينية موغلة في التطرف ولكل تيار رؤيته وفلسفته في الحياة والادارة والانتماء ولقد بلغ الامر مداه وها هو التمزق يطال المؤسسات الصهيونية من القضاء والجيش والساسة.. و اصبح التخوف الصهيوني حاضرا بقوة حول الحرب الاهلية تحت وطأة الدعوات المتكررة من قادة الاحزاب ومنظمة العمل الهستدروت الى التحضير لشل المؤسسات الاقتصادية بعصيان مدني.. وكل هذا يأتي في ظل انهيار نفسي وسياسي في الجيش الصهيوني الذي تحول لعصابات مجرمة بحكم القانون الدولي وقد احبطت اكثر من 1ي مرة في مواجهة غزة.. وكل التهرب الذي يبديه نتنياهو من التوصل الى التزام باتفاقيات مع الفلسطينيين لا يجديه نفعا في ظل انعكاسات استمرار الحرب التي يفرضها على غزة والتي يخسر بموجبها مزيدا من الراي العام العالمي ومزيدا من سطوته وسلطته ولياقته السياسية حتى اصبح راي الاغلبية في الكيان الصهيوني يتجه الى اعتبار وجوده خطرا على استمرار الكيان الصهيوني.
في قطاع غزة مقاومة لم تنهزم ولم ترفع الراية بل لقد تجلت عن روح اسطورية بفئة من شباب فلسطين لم يجتمع مثلهم بحجمهم وقدراتهم وتصميمهم من قبل.. فهاهي المقاومة تمثل حضورا متجددا حسب رأي المراقبين والمحللين.. ولعل هذه الفئة القليلة هي المضاد العملي الوحيد في وجه مخطط الشرق الاوسط الجديد بل في مواجهة الارادة الامريكية واصدقائها من النظام العربي.
الا اننا يجب ان نفرق تماما بين فئتين في ساحة النضال الفلسطيني وهنا وجب رفع الصوت عاليا اما الفئة الاولى فهي فئة باعت لله ارواحها وكل ما تملك وكان سلوكها ولايزال اشبه ما يكون باولئك الصحابة الذين عاشوا مع رسول الله صلى الله عليه واله وسلم.. وهذه فئة اسطورية لها منطقها وطريقتها.. ولكن هناك فئة بالذات من المنشغلين بالتنظيم السياسي والدعوي والمالي والاجتماعي فهؤلاء لم تتمكن روح المقاومة كسر جمودهم وحزبيتهم فظلوا بكل تكلس النفس وهبوط الهمة يمارسون بحزبية رديئة في مرحلة تتطلب مزيدا من اصطفاف الجميع حول هدف واحد.. ومن هنا يأتي الخطر فلئن حصل فشل للمقاومة فان المسؤول المباشر هو الشق الاخر من الحركات الاسلامية الشق المنتفخ برغبات الدنيا ومصالحه الدون.. ان حصل انتصار فهو بفعل تلك الفئة المؤمنة التي كسرت الطابو الرديء.. وهنا تبدأ الحكاية التي لابد من الصدع بها.
حماس وادارة المجتمع:
بداية لا يمكن التهوين مما اصاب أهلنا في قطاع غزة والشمال بشكل خاص من أذى وقتل وتجويع وتدمير ولا يمكن اغفال سوء إدارة حماس للشأن الفلسطيني وتملك الحزبية منها وهي تتعامل مع الوان سياسية مختلفة بل ومع أنصار التلوين السياسي.. وللأسف لم تغير حركة حماس من اسلوبها الرديء في التعامل مع الشعب وظل سلوكها الحزبي نفسه تجاه الناس وبالذات تجاه من لا يكون على ولاء حزبي لها.. هذا الأمر لا يمكن أغفاله.. وهذا اكثر الأسباب إثارة لغضب الناس واحتجاجهم.
لا بد من التساؤل الاستنكاري الان بعد ان قدمنا كل التضحيات بانواعها وبعد ان قدم اهل غزة مهج ارواحهم وبيوتهم الى متى يظل سلوك حماس نحو الشعب بالطريقة الحزبية المقيتة؟ من جهة اخرى لابد من الانتباه إلى من سيستفيد من انقلابنا على المقاومة والضغط على المفاوض الفلسطيني.. ان اي ضعف للتفاوض والمقاومة سينتهي بكارثة فوق الكارثة..
لا بد من الانتباه ان لا تتساوق شعاراتنا ومطالبنا مع مطالب العدو ضد بعضنا مهما كان الاختلاف الداخلي بل واجحاف بعضنا ضد بعضنا.. ولا بد أن نذكر ان العدو لا ينتظر مبررات للعدوان كما يفعل بالقدس والاقصى والخليل بل ورام الله الامنة المطمئنة.. ان العدو ينفذ مراحل المشروع الصهيوني ضد العرب والمسلمين.. وان العدو يستهدف الكل الفلسطيني والكل العربي والإسلامي سواء
لابد من التاكيد على مبدأ المقاومة وتاييد المقاومين مهما كان حجم الخلاف السياسي والايديولوجي.. وان المقاومة ضد الاحتلال مشروعة حسب كل المواثيق الدولية .. أما قرار المقاومة فهو ليس عملية تتخذ بالاغلبية فكل الثورات كانت من خلال قناعة مجموعة هكذا هي الثورات ومنها من نجح ومنها من اخفق
لابد من تحويل كل غضبنا وحقدنا ضد العدو المجرم الذي يقتل ويدمر وان ننتبه جيدا لما ينشأ عن خلافنا ونحن وسط المعركة..
هذا لا يغلق باب النصح والشورى والتحذير لكن إذا لم يفتح هاذ الباب بسبي تعسف بعضنا فليس بديلا عن ذلك تفجير الأوضاع الداخلية.. لان تفجير اوضاعنا الداخلية سيضعف الجميع وتغرق بنا السفينة جميعا.. ان أسوأ الخلافات تلك التي تكون في مرحلة المواجهة..
ومن الناحية الواقعية نحن ندرك ان اي محاولة لاعتراض علني في هذه الآونة لن يقابله الا القمع بقوة فحماس قوة ضاربة في المجتمع واستطاعت رغم كل ما لحق بها ان تثبت في الميدان عسكريا وسياسيا.. لهذا فإن طريق الخروج من المازق ليس معارضتها والاحتجاج الصارخ في هذه الظروف الصعبة بهذه الطريقة التي لا يمكن ان تكون حسب راي حماس بريئة واصابع الاتهام توجه لدول واجهزة وكذلك للعدو .. إنما بفتح باب الحوار الوطني للوصول إلى برنامج عمل وطني
الان في مواجهة العدو كل قتلانا شهداء والمقاتلين أبطال ولكن إذا تغير تجاه البوصلة فإن القاتل والمقتول خسارة كبيرة .. وسنكون على بعض قساة عتاة..
اتمنى ان لا يتوقف دفعنا لإصلاح الداخل ومؤسساتنا لكن دونما تهييج ضد بعضنا.. صوت العقلاء المسؤولين يجب ان يعلو
بعيدا عن الشعارات وبعيدا عن صراخ الصبية و المهرجين وكلام قادة جهلة نريد صوت العقل والحرص على تقوية الحاضنة الشعبية.. نحن في آخر ساعات المواجهة واي ارتباك في ساحتنا يعني اننا انقذنا اسرائيل وتركنا له فرصة الافلات من الانكسار واما نحن فسننكفيء عن المقاومة عشرات السنين تحت ضغط الإقليم وامريكا.. وقد تضيع فلسطين عمليا ولا احد من العرب سمنع ذلك.
حماس مدعوة لتحسين شروط التعامل مع الشعب المظوم الذي تحمل ما تعجز عنه الجبال وإيقاف التعامل الحزبي .. فالمساعدات التي دخلت كانت في معظمها تباع وقليل منها يذهب للانصار والموالين بينما لايصل للشعب المقهور والمظلوم والمضحي شيء ويتم ذلك بطريقة استفزازية وأما المعارضون فعليهم بالصبر والثبات وعدم إظهار تصديهم لان اي خلاف داخلي بطريقة قد تقود الى عنف وقتل سيستغله العدو في الترويج لنجاحه في هزم الفلسطينيين..
من حق الناس ان يعلنوا موقفهم من كل شيء ولكن ليس من حق احد ادانة المقاومة فليدينوا تصرفات حماس نحو المجتمع في المسائل الاجتماعية والادارية فهذا حقهم وواجب عليهم.. اما المقاومة ففمنوع ان يتصدى لها احد ا وان ينال منها بسوء مهما بلغت التضحيات والله غالب على أمره.
