عن الطبيب الفلسطيني حسام أبو صفية* الوحيد مثل غزة..أتحدث..

تابعنا على:   17:53 2024-12-30

محمد المحسن

أمد/ لأنه جاسر،جسور مثل أجداده تماما،ملتصق بطين الأرض رغم الوحش المدجج بالكراهية والفولاذ،عاشق لعطر فلسطين..محب لإبتسامات الشهداء وهم يسيرون خببا في اتجاه المدافن..حامل لرسالته الطبية..يداوي جراحا لن تندمل أبدا..أعزل إلا من مئزره الأبيض،وبخطى ثابتة،جاسرة،صاعقة،شامخة ومربكة يمضي صوبهم..صوب حفاة الضمير..اختارته الأقدار أن يكون طبيبا على أرض ملتهبة.."تأكل بنيها"..

مرضاه وجرحاه،في عراء الخليقة الدّامي،تقذفهم الرّياح الكونية من زنزانة..إلى معتقل..إلى هواء يتهدّم..إلى أرض تنتفض..إلى عدالة عمياء..إلى قاض أخرس..إلى ضمير أعزل وكفيف..وإلى أمل يضيق ولا يتهدّم..وعلى شاشة الملأ الكوني،تترقرق الدّمعة الأكثر إيلاما وسطوعا في تاريخ صناعة العذاب،وتعلو صيحة الضمير الأعزل المعطوب،دون أن تُسمَع..!

ودائما:ثمة شهداء يسقطون..ودائما خلف القاتل،ثمة حلفاء وقضاة وجيوش..وخلف الضحية..العماء والصّمت..وخلف العماء والصّمت..شعب يقيم أعراسه على حواف المقابر:أعراس مجلّلة بالسواد ومبلّلة بالنحيب..أعراس دم..

لكن..

ثمة أمل ينبثق من دفقات الدّم ووضوح الموت..أمل يتمطى عبر التخوم.

إني أتحدث هنا عن الطبيب الفلسطيني حسام أبو صفية..

عنك أتحدث أيها الطبيب المفعم بالإنسانية في نخاع العظم..المترع بعشق غزة،المضمخ بطين الأرض..أرض فلسطين..

لتعلم-يا دكتورنا-: بصناعة الموت وحدها،لا تسطيع "القوّة العمياء" أن تسوّي حساباتها مع العالم،إذ لا يمكن،بالقوّة وحدها،أن تطمس (بضم التاء وفتح الميم) حسابات الموتى.

لذا فأبناء فلسطين،ومنذ عقود من الزمن،يعلمون علم اليقين أنّ هناك من عقد العزم على إبادة الحياة وعلى إفسادها وتحويل -غزة-إلى جحيم.وهم على يقين أيضا،بأنه يستدرج الحياة إلى الهاوية حيث لا شيء غير الموت وصرير الأسنان.وها هو -شبابك يا غزة-يتسابق إلى الموت لأنه مؤتمن على استمرار الحياة.

من هنا تستمدّ المواجهة على أرضك عنفها المدوّخ الضاري.

علّمنا التاريخ -يا دكتور-أنّه في أحيان كثيرة يمكن للأمل الأعزل أن ينتصرَ على جنون القوّة المدرّعة..!

 إذن على الشعوب العربية أن تأمل..!

القويّ يتكلّم بجنونه..والضعيف بأمله.أما العدالة فليست سوى كلمة يتلذّذ بمذاقها الشعراء والحمقى.العدالة الوحيدة الممكنة على الأرض هي سلطة القوّة والمال والسلاح.

لذا،ليس لدى اليائس إلا أن يأمل.الأمل ليس نقيض اليأس: الأمل مغزاه.الأمل معجزة اليائس.

لهذا-على هذه المبعدة الغامضة عن نجمة الحرية-يمكننا أن نرى، خلف دخان الجنون وجلبة القوّة،علم فلسطين وشمسها وأشجارها ومدارس أطفالها وحقولها و سماءها..وتحت سمائها تلألأ الرنّة السخيّة لفرح الإنسان.

أيها الطبيب الشامخ: أنا -كاتب هذه السطور- المقيم في الشمال الإفريقي..أنا الملتحف بمخمل الليل الجريح..أنا المتورّط بوجودي في زمن ملتهب..

أعرف أنّ الوجعَ في غزة ربانيّ،كما أعرف أيضا أنّ الصبر هناك رسوليّ،لكنّي لا أملك سوى الحبر،وما من حبر يرقى إلى منصة الدّم.وحتى حين يمور الدّم في جسدي باحثا عن مخرج،فإنّي لا أجد سوى الكتابة-الكتابة عن الشيء تعادل حضوره في الزمن، ووجوده واستمراره في الحياة.

ولأنّ الأمر كذلك فإنّي أصوغ هذه الكلمات علّها تصل أهلك وذويك وكل شرفاء فلسطين وأبطالها،عبر شيفرات الحرية،أو لعلّها تصل إلى كل زنزانة محكمة الإغلاق،وإلى كل معتقل عالي الأسوار،وإلى كل منفى داخل الوطن أو وراء البحار.

وما عليك -أيّها الفلسطيني الشامخ- إلا أن تحييّ الكلمة العربية التي ذُبحَت وجنّت وجاعت..ولم تنتحر بعد.

و..ثمة في الأخير فسحة من أمل في دياجير الليل العربي.

خطوة بإتجاه الطريق المؤدية،خطوة..خطوتان ومن حقنا جميعا أن نواصل الحلم. 

ولتحي الحياة.

*حسام أبو صفية طبيب فلسطيني ومدير مستشفى كمال عدوان الواقع شمال قطاع غزة،اعتقلته قوات الجيش الإسرائيلي يوم 27 ديسمبر/كانون الأول 2024،وهو حاصل على درجة الماجستير وشهادة البورد الفلسطيني في طب الأطفال وحديثي الولادة.وانتشرت له صورة قبل اعتقاله تظهره وهو يمشي وسط ركام المستشفى الذي أحرقه الجيش الإسرائيلي وفي وجهه دبابات الاحتلال.

واتهم المدير العام لوزارة الصحة الفلسطينية في القطاع منير البرش الاحتلال بخداع الطاقم الطبي الذي أوحى له أنه سيذهب إلى المستشفى الإندونيسي،لكنه أخذ أفراده إلى مكان آخر واعتقلهم جميعا،من بينهم حسام أبو صفية.

وأكد أن-أبو صفية-تعرّض لضرب مبرح بالهراوات والعصي من قوات الاحتلال الإسرائيلي التي أجبرته على خلع ملابسه وألبسته لباس المعتقلين،وأن الاحتلال اتخذه درعا بشرية،وفق من أُفرج عنهم لاحقا.

 

اخر الأخبار