وشوشات المستقبل
هاني مصبح
أمد/ كم كنا ابرياء ونحن صغار، كنا نحلم كثيرا كنا نرى المستقبل بعيون جميلة ونناظر السماء ونتأمل بالأفق وحين نجدها زرقاء ووسطها غيمة بيضاء نظنها الإله ويلبس طاقية بيضاء ونرسل له الأمنيات مخاطبين بعقولنا البريئة كل شيء نراه عظيم نخبره عن أحلامنا وأمنياتنا
وكلما ذهبنا إلي شاطيء البحر برفقة العائلة نسير علي رمال الشاطيء باحثين عن بعض أنواع صدف البحر تارة نوشوش ونتكلم بداخل فوهة صدف البحر نخبره بجميل أمنياتنا وتارة نضعه علي أذاننا ننتظر سماع الاجابات
ونسبح في أمواج البحر ونبحث بين الصخور عن أشياء جميلة كنا نظن بأن الصخور تخبيء أشياء جميلة تكون جزء من الأمنيات ونمعن النظر في البحر علي امتداد البحر وعلي طول النظر نحو الجهة الأخري نظن بأن الطرف الآخر من البحر قريب ويمكننا رؤيته من المكان الذي نحن فيه ونتمني لو أننا نذهب إليهم أو يأتوا إلينا تلك هي براءة الطفولة ووقت المغيب نتابع الشمس وهي تختفي بالبحر فنظن بأن بيتها هناك داخل البحر وهي تنزل وتختفي ببطيء في اعماق البحار وأنها تسكن هناك بعيدا وكذلك القمر ننظر إليه ونخاطبه لعله يسمعنا ويستجب لمطالب طفولتنا وأحلامنا البسيطة، وفي البساتين نلاحق الفراشات من مكان إلي مكان تارة نمسكها ونداعبها لتطير بالهواء مجددا بعدما نغلق أيدينا عليها ونغلق أعيننا ونتمني بعض الأمنيات تم نتركها تطير بالهواء حامله أمنياتنا وتارة نبحث في بذور نبات الخبيزة ونأكلها بمذاقها الجميل وتارة تتبدل أسناننا وتسقط وحدها ونحن نلعب فنقوم بدفنها ونحن نغلق أعيننا ونتمني أن تتبدل بسن الغزال تلك هي براءة الطفولة.
أشياء كثيرة فعلناها ونحن صغار كانت أمنيات ننتظر تحقيقها
وحين نخلد إلي النوم نتأمل ونسرح ونتخيل حالنا عندما نكبر ولكل صغير منا طموح كثيرة منا من يحلم بان يصبح طبيب وآخر طيار وآخر مهندس وآخر يطمح بأن يكون لديه شركة وآخر يحلم بأن يصير ضابط شرطة والأحلام كثيرة ومتنوعة وكنا نشاهد من هم أكبر منا سنا ونتمني عندما نكبر نكون مثلهم خاصة من هم متميزين بالمجتمع نتخذهم قدوة لنا كنا نظن بأنه حين نكبر نصبح كما نريد دون جهد أو عناء وننظر بالمرآة كل يوم ونحدث أنفسنا ها نحن قد كبرنا قليلا وغداً سنكبر أكثر وأكثر ونفرح كثيرا ونحن نشاهد التغيرات في أنفسنا من مرحله الطفولة إلي مرحله البلوغ ويبدأ الشارب يخط سواداً والوجه مبعثر ببعض الشعيرات السوداء الناعمة تم نقوم بحلقها لتنبث من جديد وتزداد وتزداد كثافة وسواد ونزداد طولا وحين نلتقي مع الأقارب ونستمع إليهم وهم يتحدثون بالقول عنا لقد كبر وأصبح شابا فنفرح لسماع ذلك كثيرا وكذلك البنت الصغيرة عندما تكبر قليلاً تسمع النساء يخبرون أمها بأنها كبرت وصارت عروس حلوه وحين ننتقل من مرحله إلى أخرى في المدرسة نفرح كثيرا وتزداد ثقتنا بأنفسنا ونظن أننا بذلك نقترب من تحقيق أحلامنا أكثر فأكثر رغم ما كنا نواجه من صعاب نعتقد أن سببها الأهل وهي صعاب بسيطة وفجأة حين تنتهي من مرحلة المدرسة وتود الإنتقال إلى المرحلة الجامعية تكتشف الحقيقة الغائبة وتنصدم بواقع مرير حين يقول لك الأهل نأسف لا يمكننا دفع الرسوم الجامعية وما يلزم من مواصلات ونفقات اخري وكذلك الفتاة حين تكبر يخبرها الأهل بأنهم لا يستطيعون إرسالها للجامعة لأنهم لا يملكون النفقات المطلوبة وأنه من الأفضل لها الزواج لتكوين اسره، حينها تدرك حقائق كنت تجهلها وهي أنك تعيش في وطن مسلوب فيه كل طموحك وأحلامك وأمنياتك وطن محتل يعيق كل شيء ويسلب منك طفولتك وكل ما كنت تحلم فيه وأنت صغيرا ما هي إلا احلام بريئة فيصبح لدينا حلم حقيقي بل هو حق ولكنه سلب منا وهو العيش في وطن حر خالي من القتل والدمار .
تم تبدأ فصول من المعاناة صراع من اجل البقاء وصراع من أجل توفير أدني متطلبات الحياة والمسئوليات تكبر وتزداد كلما كبرنا ونكتشف حينها بأننا أخطأنا حين كنا نوشوش أنفسنا بأحلام ذهبت أدراج الرياح وتصبح لدينا أمنيات حقيقية ونحن كبار نتمني لو أننا بقينا صغاراً ولم نكبر فكم من وشوشه بريئة حدثنا أنفسنا بها ونحن صغار وبكينا عليها ونحن كبار حين نستذكر طفولتنا البريئة ورغم ما بلغنا من الكبر يبقي الطفل الصغير بكل أحلامة و أمنياته يعيش فينا فوشوشوا أنفسكم بكل ما تحبون لعلها ذات يوم تصبح حقيقة وواقع جميل لغد أجمل .
