غزة في اليوم التالي.. من الذي يقرره؟

تابعنا على:   16:09 2024-06-29

صالح عوض

أمد/ ماذا يريدون بالضبط؟ هذا سؤال وجيه وملح بعد انقضاء 8 أشهر على بدء العدوان على غزة.. ألم يشبعوا من لحم الأبرياء أو لم ينتهوا من إفراغ غريزتهم وسموم حقدهم؟ هل سيكتفوا فيما لو رفعت المقاومة الراية البيضاء؟ هل يكتفون بأن تتبخر المقاومة من غزة ويتم ترحيل مقاتليها الى الخارج ولعلهم فكروا بذلك؟ هل يقنعوا اذا تم تسليم الأسلحة والسيطرة على الأنفاق؟ هنا يبدأ التحليل في اتجاه آخر.. وهنا تحضر الذاكرة الجمعية الفلسطينية ماذا حصل لأهل المخيمات في صبرا وشاتيلا بعد رحيل المقاومة في صيف 1982؟ ثم هل ينسى العدو ان خروج المقاومة من لبنان لا يتساوق مع فرضية خروجها من فلسطين.. فماذا يريدون وهم يرون بأم العين معجزة فلسطينية عنيدة ذات بأس شديد تكبر كل يوم.. صخرة تتكسر عليها هجماتهم.
ماذا تريد امريكا والكيان الصهيوني:
تلعثم الخطاب الامريكي والصهيوني وعدم قدرته على ضبط عناصره وظهوره كأراقوز كاذب متردد يرجع لسبب رئيس وهو تفاجؤه من العقبات غير المتوقعة أمام سير العملية الإجرامية، وعدم قدرته على تحقيق أي من أهدافه من خلال المواجهات او الابادة الجنونية.. هل تعرفون؟ أكاد أقسم ان لا أحد كان يعرف مآلات 7 أكتوبر ولا يعرف ان كانت هذه الحرب ستأخذ اشكالها المتعددة الاستثنائية هذه ولا يعرف أحد على وجه الدقة الاجابة عن اسئلة يمكن تخيل الاجابة عليها في وقائع أخرى:هل تنتهي الحرب قريبا..؟ متى وفي أي ظرف يمكن أن يتوقف العدوان..؟ متى تقتنع أمريكا وأوروبا بأن العدوان يجب ان يتوقف؟ هل ينتظرون إبادة الشعب الفلسطيني في قطاع غزة كما حاولوا إبادة شعوب وأمم أخرى لكي يخرجوا بحل عبارة عن وثيقة الاستسلام أم إن هناك عوامل أخرى ستحسم نتيجة الملحمة؟ ان معظم التحليلات غفلت عن عنصرين أساسيين الأول هو: اللاعب الأساسي وأهدافه وإستراتيجيته وأدواته المحلية والإقليمية والدولية والعنصر الثاني هذا التجدد والتمدد في مقاومة الشعب الفلسطيني وتحرك الضمير الإنساني وتوسع جبهات المواجهة وان كانت حتى اللحظة في صورة محتشمة.. إن أي تحليل لا يأخذ في عين الاعتبار هذين العنصرين إنما هو خبط عشواء ويضطر الى ان يتخذ من المواقف السابقة مرجعية له.. ان هذا صحيح تماما وهو معضلة حقيقية أمام الفهم على ضفتي الصراع، انها أطول حرب يخوضها العدو توقع فيه هذا الحجم من الخسائر المعنوية والمادية والسياسية، وهي كذلك أقسى صمود ورباط يخوضه جزء من شعب فلسطين منذ النكبة.. فقبل أن نسارع الى الحديث عن اليوم التالي يكبر السؤال المرّ أمامنا: متى تنطفئ نار العدوان؟ أي مرحلة نحن في سياق العدوان.
الاستثنائية الصفة الأبرز:
في هذه الملحمة كل شيء استثنائي، فمقاومة الشعب الفلسطيني وبطولة مقاومته استثنائية ليس فقط على الصعيد الفلسطيني بل والعالمي فلقد قرأنا عن مقاومات كثيرة ولكن لم نتعرف على مثل هذا المقاومة، فكل مقاومة كانت تستند الى قوة دولية او قوى إقليمية مساندة وتتحرك بدعم خارجي عبر حدودها، وكل مقاومة كانت منفتحة على العالم للإمداد بالسلاح والإمكانات، وكل مقاومة كانت تشمل رقعة جغرافية متسعة لكل الشعب ولكننا هنا أمام مقاومة محاصرة من كل الجهات بجزء من الشعب في بقعة جغرافية صغيرة، وإمكانات محدودة.. ولقد سبق أن شاهدنا بطولات في شتى انواع المقاومات ولكن حضور البطولة والإقدام والفدائية يوميا في ساحات المواجهة في قطاع غزة لم نشهد له مثيلا.. وكذلك فإن صمود الشعب استثنائي وغير مسبوق فلطالما سمعنا عن جرائم يرتكبها المحتلون والغزاة حتى محاكم التفتيش والنازيين والمستعمرين بشتى ألوانهم عبر التاريخ.. انهم لم يهدموا مدرسة ولم يحطموا معبدا ولم يدمروا مستشفى ولم يتعمدوا قتل الأطفال والنساء وقتل الأسرى وتعذيبهم وتجويع من بقي حيا وان تم ذلك فهو غير منهجي وتحطيم المرافق العامة من أكثر من نصف آبار المياه إلى إخراج محطات الكهرباء عن الخدمة الى تعطل مضخات الصرف الصحي.. واغتيال وإعدام مئات الدكاترة والأطباء والكوادر الاجتماعية والسياسية فضلا عن 45 ألف شهيد و80 ألف جريح ..ورغم ذلك ورغم إبادة اسر كاملة فإن من ينجو من تحت الأنقاض مدما فاقدا أسرته او بعضها يهتف: كل شيء فداء المقاومة، لن نرحل.. ويواصل أكثر من مليون إنسان صمودهم في شمال قطاع غزة بالقرب من خرائب بيوتهم محاصرين بالرصاص والقنابل والصواريخ برا وبحرا وجوا والجوع والجراح والموت على مدار 8 أشهر يرفضون الرحيل..
إنها ملحمة الاستثنائية التي لم يتعرض فيها شعب لمثل هذا الخذلان من أمته فلم يكن المسلمون والعرب بمثل هذا الجبن والتردي والضعف من قبل ولم يكن النظام العربي بمثل هذا التواطؤ مع العدو ولا بمثل هذا الانفلات من القيم والغيرة والانتماء لدرجة ان تقوم دول عربية بمهمة تزويد الكيان الصهيوني بالغذاء والماء على مدار الساعة حتى ان هناك دولا مجاورة أصبحت تعاني من ندرة المواد الغذائية بفعل الضخ المتواصل للمنتوجات نحو الكيان الصهيوني.. في حين تغلق منافذها عن قطاع غزة، فهل معقول ان 22 دولة عربية تعجز عن معالجة جرحى غزة الثمانين ألفا، هل مقبول من دول عربية أن تحرك بواخرها وأساطيلها البرية في نقل كل أنواع المأكولات والاحتياجات إلى الكيان الصهيوني.. انها هنا لا تسعى لتوثيق التطبيع مع الكيان الصهيوني إنها تتجاوز ذلك إنها تنفذ التزامات علاقة الحلف مع الكيان الصهيوني ضد شعب فلسطين وهنا لا نتطرق إلى ما لا يراه الناس من تخادم امني ومعلوماتي بين كثير من أجهزة الأمن العربية والأجهزة الأمنية الصهيونية في ملاحقة المقاومين ومخابئهم.
وهي استثنائية كذلك في قدرتها على تحريك الضمير الإنساني فلم تبلغ مقاومة شعب ان جلبت الى ساحتها هذا الزخم الإنساني المتصاعد والذي يهز ضمائر في داخل مؤسسات رسمية فضلا عن الثورة الشبابية في الجامعات.. لقد أصبحت الملحمة الفلسطينية مفتاح السر لوعي طبقات واسعة من الشباب الأمريكي والأوربي الذي يفتح عينيه على مؤامرة عصابة تتحكم بمصير البشرية لا همّ لها إلا الربح المتوحش.. فعندما يصل الأمر بأن شبابا أمريكان يعرضون أنفسهم للموت حرقا او الطرد من وظائفهم وجامعاتهم وهم راضين بما يقومون به من التزام بالموقف الإنساني الأخلاقي مع غزة فان ذلك يعني بوضوح ان هؤلاء الشباب يرون في القضية الفلسطينية مفسرا دامغا لما يعانيه الإنسان من استغفال وتهميش واستعباد في امريكا وسواها من الدول المنخرطة في التبعية للعصابة الدولية..
انها ملحمة عربية استثنائية بلاشك عندما ينهض شعب اليمن ولبنان والعراق لأول مرة في تاريخ حركات التحرر العربية يتحطم قانون سايكس- بيكو وقيوده فيتحسس الناس عميق انتمائهم العقائدي والقومي والتاريخي فتصبح ساحة المعركة الملحمة أكبر من حيز قطاع غزة.. وهذه الخطوة الاستثنائية تعني بوضوح ان هناك فرزا استراتيجيا في الأمة وان هناك أفكارا تكبر واخرى تسقط فلم تعد الدولة القطرية في مجمل الصراع مع المشروع الغربي الا قيدا على طاقة الأحرار وعقبة أمام الاستقلال الحقيقي والكرامة والعزة، ففي ظل الحسابات السياسية الانتهازية تصبح الدولة جاهزة لبيع الكرامة والشرف والغيرة ونصرة الأهل والأمة وهذا يعني بوضوح ان الدولة ليس فقط استبدلت ثقافة الأمة وهويتها وفلسفتها ورسالتها وارتبطت بتبعية اقتصادية وسياسية للأجنبي إنما أيضا وهذا الأخطر إنها أصبحت ضد مشاعر الشعب وكرامته وقيدا أمام إرادته الحرة في نصرة فلسطين والأسوأ من ذلك ان تصبح الدولة لحسابات خاصة مصلحية حسب رؤيتها جاهزة في إنقاذ العدو وإمداده بكل ما يحتاجه.. نحن نكتشف ان الشعوب المنظمة والمدربة والمحررة من سطوة الدولة هي التي تستطيع نصرة فلسطين.. وهذه إضافة جديدة تأتي بها مقاومة غزة.. وحتى لا يذهب البعض لتأويلات ليست في قصد المقال فأن هذا لا يعني أن ينفلت أمر الناس بلا ضوابط ونظام وقانون بل يعني تماما العودة الى الشعب ومشاعره ووجدانه وضميره وتحريره من القهر والألم والبحث عن أفضل السبل لكي يكون له حضور في ما يتعلق بعقيدته وتاريخه ومصالحه الإستراتيجية.
حتى يتعب السيف:
بعد هذه الجولة الاستثنائية بوجهيها المأساة والمقاومة..بدأنا نتلمس بعضا من حكمة الله في قسوة هذه الملحمة.. اننا أمام درس متكامل الأركان يفتح صفحاته أمام الاحرار والمخلصين لشعوبهم وامتهم وانسانيتهم.. اننا نتحرر من انماط تفكير سطحي جعلنا ندور في حلقات مفرغة لنكتشف ان الاستقلال الوطني في بلاد العرب لم يكن سوى غطاء رقيق يخفي تحته كوارث الارتباط بمراكز القرار الدولي، تفكير صنع لنا عدوات غير حقيقية لدفعنا لتموضع تحالفي يخرجنا عن سياقنا التاريخي.. وهكذا تبدو قيمة الوعي بخريطة الجبهة والقوى الفاعلة فيها لاسيما تلك العصابة المتحكمة في القرار الدولي الخطوة الكبيرة والتي سيبنى عليها
فلعلها تكون بداية نهاية الكيان الصهيوني.. لان المشروع الصهيوني لم ير النور الا في ظل تدمير الوعي وصناعة مفاهيم وأوضاع مضلة ضالة فان الخطر الأكبر على المشروع الصهيوني يتمثل في انبعاث الوعي الحقيقي بطبيعة الكيان وسادته ومن يموّله ويزوده بالة البطش والتفوق.. وهذه المهمة قدمها 7 أكتوبر بجلاء.. صحيح نحن لا نعول على ذلك في إيجاد نتائج فورية سريعة ولكن سيكون للوعي هذا دوره في مراحل قادمة حتما لاسيما في الولايات المتحدة الأمريكية.. اما متى يتوقف العدوان فهو بلاشك قرار أمريكي صهيوني عندما يدرك العدو ان لا فائدة من استمرار جرائمه وان كل ما يرتكبه إنما هو عبث ومزيد من التهور وإضاعة فرص الاستقرار.. يكتشف العدو شيئا فشيئا ان سيفه قد تعب وان روحه أوغلت فيها الهزيمة الروحية وان عزيمته تبددت.. هذا ما يصرح به كثيرون في مواقع القرار في الكيان الصهيوني وهو ما يصرح به كثير من الكوادر والقيادات لأجهزة أمنية في الولايات المتحدة الأمريكية..
الحديث عن ارتدادات 7 اكتوبر في الكيان الصهيوني اكبر من ان يحيط بها مقال او دراسة فالأمر قد بلغ منتهاه في تعرية الكيان من كل طلاء زيفه في اعين الناس، انه كيان عنصري حتى داخل اليهود أنفسهم وهو كيان يعيش على الأمصال وهو كيان لا يمتلك أي صورة من صور الاكتفاء الذاتي وانه ليس مكان امن لاستثمارات التكنولوجيا وانه مهما حاول من جر النظام العربي لتبعيته الا ان الشعوب العربية في اليمن ولبنان والعراق التي بدأت تتحرك بفاعلية تنبئ عن مستقبل لن يكون سلاما للمخطط الصهيوني.. تراكم الخسارات المعنوية والمادية والسياسية يحاصر الكيان الصهيوني وما نتنياهو الا عامل أساسي في اشتداد الخناق إحكاما ولم تبق إلا ضربة أخيرة تحدث الفارق الاستراتيجي.. فمزيدا من صمود أهل غزة سيكون بمثابة تسريع لانهيار الوضع الصهيوني وسيكون بمثابة توسع لجبهات المعركة.. نقول هذا ونحن نعرف ان كل دقيقة تمر على أهل غزة تساوي شهداء وجرحى ودمار ولكن ليس هناك بديل عن مواصلة الطريق فأسوأ من الهزيمة أن يتوقف الثوار في نصف الطريق.. وكذلك فان استمرار المقاومة يعني انها من سيمتلك تقرير سمات اليوم التالي لوقف العدوان والله غالب على أمره.

اخر الأخبار