جسر عبور "لمسار سياسي تاريخي"!
كتب حسن عصفور/ تفرض زيارة الملك السعودي سلمان بن عبد العزيز الى مصر، ذاتها، حدثا سياسيا يكتسب بعدا خاصا، وقد تدون في تاريخ المنطقة، وليس مصر والسعودية، كـ"نقطة فارقة" في المسار السياسي العام، من حيث إعادة تصويب العلاقات العربية العربية، لتكوين "قاعدة إنطلاق" للبناء "شراكة إيجابية" تعيد للمنطقة العربية، دولا وشعوبا مكانة دولية تستحقها..
زيارة الملك سلمان، تكسر كثيرا من التقاليد التي طبعت علاقات البلدين، رغم كل ما سبقها، من علاقات وصلت الى تفاهم كبير جدا، خلال سنوات الثورة المصرية الإولى بعد عام 1952، زمن الملك سعود ، ثم انقلابها الى "توتر حاد"، وعودة للدفء الآني..علاقات اتسمت بالصعود والهبوط والمراوحة وفقا للحال السياسي العام في المنطقة، وحركة محاور الكون العامة.
بلا أدنى شك، هذه الزيارة قد تكون" شاهدا ومفصلا" لترسيخ علاقات لا تكون عرضة لهبات رياح "خماسينية" في الرؤية والحراك السياسي، وبتدقيق أكثرن نجدها المرة الإولى التي تكون مدة زيارة ملك سعودي الى مصر مستمرة لخمس أيام كاملة، والمرة الإولى التي سيذهب فيها ملكا عربيا أو سعوديا ليخاطب الشعب المصري عبر برلمانه المنتخب بعد ثورة "إنقاذ مصر"، وبالتالي المنطقة من أحد اخطر مشاريع التقاسم والتقسيم التي رسمتها "الادارة المريكية" بأدوات فقيرة الرؤية والرؤى، ظلامية العقل والتفكير..
للمرة الإولى يتم توقيع اتفاقات بين دولتين عربيتين بحجم ما وقع بين مصر والسعودية، وعل واحدة من مفاتيح التي أدت لهذا "الانقلاب السياسي ايجابا" اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين البلدين، ترسيم كان ضرورة لازالة "عقبة" منها كانت تتسلل "جراثم تلويت ما بينهما".. اتفاقات تطوير وبناء وليس منح وهبات، ما يعكس أن البعد الانمائي والإستثماري هو قاعدة الانطلاق، وليس منحا يتم ضخها يتنهي أثرها مع آخر دولار يتم انفاقه بشراء بضائع تموين..
ويبقى اتفاق بناء جسر عابر للبحر الأحمر هو الشاهد الأبرز على عصر سياسي جديد، "جسر الملك سلمان"، كما اسماه الرئيس المصري، أول شريان حيوي بين عرب أسيا وعرب أفريقيا، وبابا جديدا ليس للمرور الاقتصادي بل وبوابة لبناء "عهد سياسي جديد" بين رحى المنطقة العربية..
جسر الملك سلمان، قد يكون العلامة الفارقة الأهم في تطور العلاقة المصرية السعودية، وليس قرار البناء لجسر عبر للبحر الأحمر حدثا عاديا، بل هو إنعكاس لثقافة رمي الاختلاف المنهك للإمة في مياه البحر الأحمر، دون أن تنتهي خلافات سياسية ورؤى فكرية - ثقافية متباينة، فتاريخ المنطقة كان شاهدا ان مركز الاختلافات العربية تنبت من اختلافات مصر والعربية السعودية..ولذا فالجسر الذي كانت كل الظروف ذاتها موجودة لبنائه، لم يقدم اي ملك سعودي عليه، لأن ظروف العلاقات لم تكن تجاوزت بعد "عقبات كامنة"..
التفاهم المصري السعودي التاريخي لن ينهي كل تباينات الرؤى والمواقف، وستبقى لكل منهما تقديره الخاص، ولكن الجديد أن وسائل البحث عما هو مشترك باتت حاضرة، دون منح "المتربصين" بالدخول لبناء "جسور" الخرب والتخريب..
ما سيكون من تطور العلاقات المصرية السعودية، لن يقف عند حدود البلدين، بل سيكون مظلة أكثر شمولية لكل ما في المنطقة ، وهي المرة الإولى في تاريخ المنطقة السياسي يتم وضع "إسس متفق عليها" بين عنصرين هما الأكثر تأثيرا على مسار المنطقة سلبا أو إيجابا..
وعل فلسطين أولى القضايا التي تستوجب أن تكون في قلب الجديد السياسي، لخلق معادلة تمنع محاولة البعض "خطفها" وابعادها عن مسارها بسلوك يبتعد عن "الصواب الوطني" واستكانة تساهم بتمرير مشروع التهويد للأرض والمقدس فيها..
ننتظر تطورا في العلاقة القادمة يحمل "خيرا سياسيا" يفرض فلسطين "حاضرا سياسيا" بحاضنة عربية دون تلاعب محور بآخر عبرها..
هل يمكن القول أن هناك "فصلا تاريخيا عربيا" تم البدء به..مؤشراته تلمع ..استمراره ضرورة ولا خيار لطرف على طرف الا بالتوافق العام دون فرض او هيمنة أو استعلاء..
جسر الملك سلمان ليس جسرا عابرا للبضائع والبشر فحسب، بل هو ملمح لجسر عابر من مرحلة الى مرحلة تاريخية ..تعيد للأمة ما سرق منها زمن التناقض المرسوم من قوى الشر الاستعماري!
ملاحظة: مجددا نطالب الرئيس محمود عباس احتراما لفلسطين أن يشكل "لجنة تحقيق خاصة" لفحص "اوراق فضيحة بنما" كي لا يقال أن لنا علاء وجمال في فلسطين..البيانات الصحفية لن تأت بأي أثر..الصمت إدانة!
تنويه خاص: تشهد غزة اليوم حركة انطلاقة شعبية "مواطنون لانهاء الانقسام"..فعل حقيقي وليس بلاغة كلامية من "مائدة هذه العاصمة أو تلك"..مسار التصحيح الوطني من هنا..ولنا تواصل سياسي لاحق لها!
