تغييب "المؤسسة الوطنية" الممنهج..خطر يجب وقفه!
كتب حسن عصفور/ تتحدث القوى الفلسطينية كافة، فصائل ومؤسسات ومنظمات مجتمع مدني، الى جانب غالبية الشعب الفلسطيني، عن أن المؤسسة الرسمية لم تعد حاضرة في مسار الأحداث التي تعيشها القضية الفلسطينية، ما يمثل خطرا سياسيا يهدد مستقبلها، بل والمشروع الوطني بكامل أركانه..
جسدت الثورة الفلسطينية المعاصرة، بحضورها الإطاري نموذجا خاصا في العلاقة الداخلية بين مختلف مكوناتها، ورسخت تلك العلاقة في إطار منظمة التحرير الفلسطينية، بعد أن باتت قوى الثورة العمود الفقري للمنظمة بعد عام 1969، لتتحول من ممثل الشعب الى الممثل الشرعي والوحيد، وكانت هذه واحدة من "المعارك الكبرى" التي خاضتها الثورة - المنظمة في مواجهة حصر التمثيل الوطني في "منظمة التحرير الممثل الشرعي دون الوحيد"..
ولم يكن النصر حليفا لقوى الثورة - المنظمة دون وحدة قوية داخلية، رسمت بدقة، في سياق معادلة سياسية معقدة، كانت حركة فتح بقيادة الخالد أبو عمار تعلم كيف تديرها بما يحافظ عليها في أصعب الظروف وأدقها، خاصة وأن المؤامرات لضرب "وحدانية التمثيل" كانت تبحث عن "ثغرات النسيج الداخلي"..
ومع نجاح البعض الرسمي العربي في نيل بعضا منها، خلال منعطفات سياسية حرجة جدا، خاصة بعد العدوان الأمريكي - الاسرائيلي على لبنان، وضرب قواعد الثورة وفرض رحيل قيادة المنظمة - الثورة، لكن "عبقرية الخالد"، قلبت كثيرا من أوجه "التآمر على الشرعية"، وحاصر من حاصره ليحمي "الشرعية الوطنية الفلسطينية" في واحدة من أحلك الظروف التآمرية على المشروع الوطني، عبر تمزيق أداته الكفاحية وإطاره التمثيلي..
لم يكن ترسيخ مفهوم "القيادة الفلسطينية" من قبل الخالد ياسر عرفات، ومعه رفاق التأسيس الكفاحي، من قادة فتح وقوى الثورة والشعب، شكلا مظهريا، بل جاء "سلاحا وطنيا" لمواجهة المؤامرات التي لم تكف لضرب "الكيانية التمثيلية"، وباتت "القيادة الفلسطينية" هي الإطار الأوسع تمثيلا لصناعة القرارات المصيرية، ومنها ما يعلن مباشرة ليصبح قرارا، ومنها ما يذهب الى إطر منظمة التحرير الفلسطينية، للإقرار الشرعي..
وبعد العودة الى أرض الوطن، اتخذت أشكال العمل القيادي مظاهر مختلفة، "اطار يجمع بين اللجنة التنفيذية ومجلس الوزراء"، و"أطار للجنة المفاوضات الموسعة" و"المجلس العسكري الأعلى"، و"القيادة الفلسطينية" التي تضم قوى وشخصيات بعيدا عن أي موقع رسمي..وكان مجموع الإطر يناقش ما يجب مناقشته، وبمجموعها العام كانت تمثل "المطبخ السياسي" الذي منه تتبلور "القرارات المصيرية"..
لم يعتمد الخالد ياسر عرفات على دوره التاريخي ومكانته كزعيم من طراز خاص للشعب الفلسطيني، رغم كل ما قيل عن "نهجه الفردي" من فصائل في حينه، لكنه أدرك القيمة السياسية - التاريخية لعمل "المؤسسة القيادية"، تعامل معها بحساسية عالية، لم تغييب عن أي قرار، ولا قرار دونها، مهما كان الاسلوب الذي يتعامل به الزعيم الخالد..لكن المؤسسة حاضرة لتحمي المشروع والقضية..
وكان تغييب الخالد بقرار أمريكي - إسرائيلي للبدء في المرحلة الجديدة من تنفيذ المشروع المعادي، مشروع تهويد الضفة والقدس، وتقسيم "بقايا الوطن"، وكسر الوحدة السياسية - الكيانية للشعب الفلسطيني، التي فشلت طوال وجود الخالد..
وجاءت الانتخابات 2006 نذيرا بما سيكون، خاصة في ظل "هشاشة الكيانية الفلسطينية"، وعدم حماية "النظام القائم" بـ"إطار قانوني" يكون عاملا لوقف أي تدهور أو انهيار، ولمنع حدوث حالة من مظاهر "إزدواجية السلطة" بين رئيس ببرنامج وحكومة ببرنامج، كما حدث مع انتخاب حركة حماس، ما فتح لاحقا الباب مشرعا لحدوث أخطر أزمة سياسية على "وحدانية التمثيل الشرعي الوطني"..
وساعد تفاقم تلك الأزمة السياسية - الكيانية، ونجاح الانقلاب الذي قاد الى "فصل غزة" عمليا عن "القرار الوطني العام، هو ضعف المؤسسة الرسمية، لم تكن لها قوة لتكون "الجدار الواقي" لمواجهة محاولة "خطف الشرعية"..
وخلال السنوات الـ11 الماضية، بات "الانقسام الوطني" هو الحاضر الدائم، وغابت الحالة الاطارية الوحدوية، بكل مظاهرها عن المشهد الفلسطيني، ولم تكن فاعلة أو مؤثرة في مواجهة أحد أخطر فصول التآمر على فلسطين قضية ووطنا وشعبا..
وبدلا من تعزيز "الإطار القيادي الرسمي" لمواجهة مؤامرة الانقسام، اتجه الرئيس محمود عباس الى غير ذلك، فغابت "القيادة الرسمية" وتحولت من قوة فعل الى مظهر شكلي، لا يحترم أي من قراراتها، ولم تعد حاضرة الا عند البحث عن "عملية مكياج" لتمرير مسألة خارج النص، أو لاحتواء حالة غضب قد يكون لها ما لها..
عمليا تحول دور "القيادة الفلسطينية" من "مطبخ القرار الوطني"، الى "إطار تجميلي" بلا أي فعالية تذكر..وهو ما كرس نهج فردي مطلق، غير مسبوق في الحياة السياسية الفلسطينية مستخدما حالة "الانقسام" كسلاح لتمرير "الحكم الفردي"، والغاء الدور القيادي العام..
ولذا بات من الضرورة الوطنية، التفكير العملي لمواجهة خطر الانقسام - التفرد العملي، والبحث عن سبل التصدي له ومخاطره الكارثية، لأن استمراره دون المواجهة والتصدي يساهم موضوعيا وعمليا بتمرير المشروع التهويدي بكل مظاهره، في الضفة عبرنة وفي القدس تهويدا وفي قطاع غزة انفصالا..
دقت ساعة العمل لمواجهة الخطر..دقت ساعة العمل لحماية المشروع الوطني..دقت ساعة العمل لكسر كل أشكال التآمر على القضية الوطنية..دقت ساعة العمل لحماية الكيانية الفلسطينية ولتجسيدها واقعا لمنع التهويد والعبرنة..
ملاحظة: لو صح القول أن إقالة وزير العدل سليم السقا بسبب رسالة استفسارية للشقيقة مصر حول مصير "مخطوفين"، فتلك اساءة لمصر أولا وعاشرا..وتزلف مكشوف للشقيقة الكبرى..من يبحث احترام مصر كان عليه أن يحترم رئيسها فيما هو أكثر قيمة وأهمية..للنفاق مظاهر بعضها غاية في "السذاجة"!
تنويه خاص: صمت الوزير الشاعر الشاب ايهاب بسيسو على مهزلة مرسوم اقصاء مجلس أمناء مؤسسة محمود درويش سيصبح وصمة عار عليه لو لم يقلها..تذكر مقولة الشاعر العظيم معين بسيسو وأنت من شممت رائحة طريقه الثوري: قلها ومت..وأنت قلها واستقل!
