النظام العالمي والشرق الأوسط الجديدين معطيات وتوقعات - دراسة تحليلية

تابعنا على:   18:06 2026-06-21

نبيل معروف

أمد/ تمهيد 

إثر تفكك الاتحاد السوفييتي، سقط القطب الشرقي في قيادة النظام العالمي وبقي القطب الغربي ممثلا بالولايات المتحدة الأميركية، قطبا وحيدا في إدارة الصراعات العالمية، ومن البديهي القول ان هذه الإدارة تعمل لاستمرار النظام العالمي بقيادة قطب واحد، والحيلولة دون تمكين قوى دولية أخرى من كسر هذه المعادلة، لكن هناك قوى دولية وإقليمية وازنة، عززت وجودها الدولي من خلال تعزيز قوتها الاقتصادية والعسكرية وحضورها السياسي  علي الساحة الدولية، معلنة بان الوقت قد حان لتغيير النظام العالمي بما يحفظ التوازن الدولي وينهي الهيمنة الغربية على هذه النظام. وقد عبرت عن ذلك من خلال مجموعة من الاجراءات التي تم اتخاذها تمهيدا لذلك.  

ومن الجدير بالذكر انه إثر سقوط الاتحاد السوفييتي، استقلت معظم الدول التي كانت جزء منه، ومنها اوكرانيا التي كان يتواجد فيها أسلحة نووية سوفيتية، وقد تم الاتفاق ضمن التسويات التي حصلت نقل هذه الأسلحة الى دولة روسيا الاتحادية والتي ستشغل موقع الاتحاد السوفييتي كدولة نووية ودولة عضو في مجلس الامن، من ضمن ما تم الاتفاق عليه وقتها، التزام حلف الناتو بعدم التوسع شرقا، خاصة وانه ترتب على انهيار الاتحاد السوفييتي حل حلف وارسو. 

ولما لم يلتزم حلف الناتو بذلك، وبدأ نقاش منح العضوية في حلف الناتو لأوكرانيا، قامت روسيا بإعلان الحرب على اوكرانيا، والتي ما زالت مستمرة منذ أكثر من أربع سنوات، والتي تعتبر خطوة عملية لتغيير النظام العالمي. 

وبينما الحرب في اوكرانيا مستمرة، أعلنت إسرائيل الحرب على غزة إثر احداث السابع من أكتوبر، والتي اعقبها حروب ما زالت مستمرة طالت لبنان واليمن وإيران، وقد شاركت الولايات المتحدة في الحروب التي استهدفت اليمن وإيران. وبطبيعة الحال فان هذه الحروب، واستنادا الى نتائجها ستفرض تغييرات سياسية على الشرق الأوسط، ربما تُحدث ولأول مرة تعديلات على الحدود التي رسمتها اتفاقية سايكس – بيكو. 

وهكذا نرى ان الحروب المستمرة في اوكرانيا، وتلك التي تجري في الشرق الأوسط بين الولايات المتحدة الامريكية وإسرائيل من جهة وإيران والمقاومة الإسلامية في فلسطين ولبنان من جهة أخرى، سينتج عنها حتما، وعندما تضع اوزارها، واستنادا الى نتائجها، استحداث نظام عالمي وشرق أوسط جديدين.  فما هي المعطيات التي توشر الى حدوث هذه التغييرات؟ 

    

المعطيات الحالية وتحديات المستقبل 

أولا: الاجراءات التي اتخذت لتغيير النظام العالمي واهمها: 

  

 ١-التكتلات الدولية تمهيدا لصعود الجنوب العالمي، حيث برزت خلال العقد الأخير تكتلات دولية تسعى إلى كسر مركزية الغرب في السياسة والاقتصاد العالميين: 

البريكس التي توسعت مؤخرا بضم دول عربية وإسلامية وإفريقية، لتصبح منصة لمراجعة النظام المالي العالمي. 

منظمة شنغهاي للتعاون التي تجمع روسيا والصين والهند وآسيا الوسطى، وتعمل على تطوير منظومة أمنية واقتصادية بديلة. 

تحالفات الجنوب العالمي في أفريقيا وأمريكا اللاتينية التي بدأت تطالب بدور أكبر في صنع القرار الدولي. 

هذه التكتلات تعكس اتجاها صاعدا نحو بناء أقطاب جديدة تنافس الغرب في النفوذ والقرار. 

 

٢- تراجع الدولار وتعدد العملات  

الدولار الأميركي رغم احتفاظه بنسبة تفوق نصف الاحتياطي النقدي العالمي، بدأ يواجه تحديات متزايدة: 

روسيا والصين وإيران تسعي الي استبعاد الدولار من تجارتها البينية. 

الصين عززت مكانة الإيوان عبر اتفاقيات تبادل مع دول اسيوية وافريقية. 

دول البريكس تناقش انشاء نظام مدفوعات خاص بها يقلل من الاعتماد على المنظومة الغربية (سويفت الدولار) 

هذا الاتجاه لا يعني انهيارا وشيكا للدولار، لكنه يشير الى تآكل تدريجي لاحتكاره المالي. 

 

٣- صراع الممرات والطرق الدولية 

طرق التجارة الدولية باتت ساحة صراع جيوسياسي، وان الممرات لم تعد مشاريع اقتصادية فحسب، بل أدوات لإعادة توزيع النفوذ العالمي. 

 

مبادرة الحزام والطريق الصينية تربط اسيا بأوروبا وافريقيا بشبكة من الموانئ والسكك الحديدية. 

الممر الاقتصادي الهندي-الشرق اوسطي-الأوروبي (بدعم امريكي- أوروبي) كخيار متوازن للمشروع الصيني. 

الممر القطبي الشمالي الذي تروج له روسيا ليختصر زمن النقل بين اسيا وأوروبا. 

  

ثانيا: الحرب الأوكرانية الروسية، واجهة لصراع أعمق، وتهدف الى تغيير النظام العالمي من احادي القطبية الي متعدد الأقطاب.   

 

. تنظر روسيا الي ان استمرار النظام أحادي القطبية والذي فرض نفسه بعد انهيار الاتحاد السوفييتي يخل بالتوازن الدولي. وهو نفسه النظام الذي يشرف على توسع الناتو شرقا، وقد اعتبرت روسيا الاتحادية هذا التوسع تهديدا مباشرا لأمنها القومي، ومن هنا تخوض موسكو حربها في اوكرانيا باعتبارها مواجهة استراتيجية مع الغرب تهدف الى إعادة رسم قواعد اللعبة العالمية، وافساح المجال امام عالم متعدد الأقطاب. 

 

ومنذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية في فبراير عام ٢٠٢٢ انشغل العالم ليس فقط بمتابعة مجريات الميدان، بل أيضا بقراءة انعكاساتها على مستقبل النظام الدولي، فالحرب لم تعد مجرد نزاع جغرافي محدود، بل تحولت إلى حلقة في صراع عالمي أوسع بين قوي صاعدة تسعى إلى كسر الهيمنة الغربية وقوى تقليدية تتمسك بمكانتها في قيادة العالم.  

 وهكذا نرى ان معركة تغيير النظام العالمي الى متعدد الأقطاب، بدأت بتوافق بين قوى دولية وإقليمية وازنة، ويترافق معها معركة عسكرية تخوضها روسيا على تخوم حدودها مع حلف الناتو.  

حروب الشرق الأوسط الاخيرة (٢٠٢٣-٢٠٢٦) ستؤدي أيضا الى تغييره. 

١-السابع من أكتوبر والحرب على غزة  

 الحرب على غزة (٢٠٢٣-٢٠٢٥) لم تكن كسابقاتها من الحروب الإسرائيلية في المنطقة، لمخالفتها كل التوقعات المبنية على الحروب السابقة، فكانت الأطول والأعنف الى درجة انها تحولت الى حرب إبادة وتجويع، حرب شارك فيها الغرب برئاسة الولايات المتحدة الأميركية دعما لإسرائيل بكل الإمكانيات المادية والعسكرية والحماية السياسية، وقد تمكنت فيها إسرائيل من تدمير أكثر من ٧٠ بالمئة من ابنية غزة بما فيها المستشفيات والجامعات والمدارس والمساجد والكنائس ومقار المنظمات الإنسانية العاملة في قطاع غزة، وقتلت وجرحت ما لا يقل عن مئتي ألف معظمهم من النساء والأطفال، ومع ذلك لم تستسلم غزة، ولم تحقق إسرائيل وداعميها أي من اهداف الحرب المعلنة.. 

٢- حرب الاسناد التي شنها حزب الله واليمن، والحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد ايران الاولي ثم الثانية.  

من تداعيات الحرب على غزة حربي الاسناد التي شنها حزب الله واليمن ضد إسرائيل دعما لغزة، ثم الحربين التي شنتهما إسرائيل والولايات المتحدة على إيران، في صيف ٢٠٢٥ وبداية ٢٠٢٦، والتي بحكم الجغرافيا أصبحت دول الخليج طرفا في هذه الحروب بسبب وجود قواعد أمريكية على أراضيها استعملتها أمريكا في حربها على إيران، وكذلك اعتداء إسرائيل علي قطر بحجة ضرب قيادات حماس المقيمين على ارضها، ويومها قالت اسرائيل بانها لم تعتد على سيادة قطر، الحجة نفسها التي استعملتها إيران عند استهدافها لدول الخليج.  

 وايضا رغم الدمار الذي اصاب لبنان واليمن وإيران، ورغم حجم الاغتيالات التي نجحت إسرائيل والولايات المتحدة في تنفيذها في صفوف القيادات الإيرانية وقيادات حزب الله وحماس، فلم تستطع الولايات المتحدة ومعها إسرائيل من تحقيق الأهداف التي أعلنتها عندما شنت حربها. لم يسقط النظام الإيراني، ولم تستسلم إيران، بل اغلقت مضيق هرمز الامر الذي إثر على أسواق الطاقة العالمية وتسبب في ازمة أدت الي ارتفاع أسعار النفط، وعلى امن أوروبا وعلى توازنات دول الخليج بهدف مضاعفة الضغط الدولي على أمريكا لإيقاف الحرب. وهكذا تحول المشروع الأميركي الإسرائيلي (اضعاف إيران وتغيير النظام فيها) الي تهديد بنيوي للنظام الدولي والإقليمي ككل. 

 وفي نهاية الامر اضطرت الولايات المتحدة الأميركية في حزيران ٢٠٢٦ الى توقيع مذكرة تفاهم مع إيران تقضي بإنهاء الحرب في الساحتين الإيرانية واللبنانية، وفتح مضيق هرمز، ورفع الحصار البحري عن الموانئ الإيرانية، وجدولة إعادة أموال إيران المجمدة في الخارج، وبدء مرحلة مفاوضات بين الجانبين لمعالجة الملف النووي. 

ومن المؤكد انه سيكون لهذه الحقائق والنتائج، وكذلك النتائج المتوقعة للحرب في اوكرانيا انعكاساتها على الساحة الدولية، وعلى التحالفات الإقليمية والدولية، وعلى مكانة كل من الولايات المتحدة وإسرائيل عالميا، الامر الذي يعزز احتمالات تغيير النظام العالمي، وكذلك تغيير الشرق الأوسط الي اخر جديد، فما هو المتوقع ان تْحدثه نتائج هذه الحرب  

مستقبلا، على المنطقة بشكل عام، وللتوصل الي نتائج منطقية لكل ذلك، لا بد من فكفكة المعادلة من خلال التعرف الي تفاصيل الأوضاع التي وصل اليها كل من أطراف هذه الحروب تبعا لما تم دفعه، ولما تم الحصول عليه في المحصلة النهائية. 

 

أولا: فلسطين 

 

 من البديهي الإشارة الى ان السبب الرئيسي للصراع في الشرق الأوسط والمستمر منذ مطلع القرن العشرين، ومن ضمنه الحروب الأخيرة هو تعمد القوى الدولية عرقلة إيجاد حل عادل للقضية الفلسطينية وعدم تمكين الشعب الفلسطيني من ممارسة حقه في تقرير المصير، وإصرار الولايات المتحدة الامريكية على الاستمرار في إدارة الصراع مقرونا بحرصها على عدم السماح بحله او حسمه، وتوفير كل اشكال الدعم غير المحدود لإسرائيل وفي جميع المجالات بما فيها الحماية السياسية. وكخلاصة لهذه الهجمة الأخيرة من الحروب التي حصلت في الشرق الأوسط، واتي امتدت منذ أكتوبر ٢٠٢٣، وحتى منتصف عام ٢٠٢٦، لم تتمكن إسرائيل ومعها الولايات المتحدة من اجبار الفلسطينيين واللبنانيين والإيرانيين على الاستسلام، على الرغم من حرب الابادة والتجويع، والتدمير غير المسبوق، الذي تعرض لها قطاع غزة، والذي ترافق مع تهجير أهالي المخيمات في الضفة الغربية وتهجير اهاليها، وتنفيذ حملات   مكثفة للاستيطان التي ترافقت مع اعتداءات المستوطنين الممنهجة والمدعومة من الجيش الإسرائيلي. 

  

غير ان الانقسام الفلسطيني، والموقف الذي اتخذته القيادة الرسمية من احداث السابع من أكتوبر والذي ساهم في احداث شرخ كبير بين صفوف النخب الفلسطينية، أضعف الحضور الرسمي على طاولة الأطراف التي تعالج الموضوع الفلسطيني، وللأسف حصل غياب كبير للبعد السياسي الخاص بالحقوق الوطنية والسياسية للشعب الفلسطيني نتيجة القوة الإسرائيلية الأميركية الغاشمة التي استعملت ضد الشعب الفلسطيني، ونتيجة لتامر وتخاذل الإقليم وغياب القيادة الفلسطينية، ولذلك انحصرت النتائج بمعالجات إنسانية لم ترق الى مساعدة عشرة بالمئة من القضايا المطروحة. 

وعلى الرغم من ذلك، فان القتال الذي حدث في فلسطين بعد السابع من اكتوبر، وتفاصيل الحرب الإسرائيلية على غزة وطول المدة التي استغرقتها، غيّر نظرة العالم للصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وأصبحت إسرائيل دولة مارقة اخترقت علنا وبكل وقاحة كافة القوانين الدولية، وربحت الرواية الفلسطينية على الساحة العالمية. ولأول مرة تمتلك القضية الفلسطينية عدة أوراق لصالحا، وفي الحقيقة فان كل ذلك يحتاج الى إعادة ترتيب الساحة الداخلية الفلسطينية، وانهاء الانقسام وتصعيد قيادات فلسطينية من خارج دائرة الانقسام والفشل والفساد الذي كان عنوان المرحلة السابقة، قيادات من بحر التجارب الفلسطينية الناجحة في مختلف مدن وعواصم العالم. قيادات قادرة على استثمار كل المتغيرات التي حصلت بعد السابع من أكتوبر لصالح فلسطين على الساحة الدولية وخاصة الغربية منها. 

  

 ثانيا: إسرائيل تغير الوضع الإقليمي والتراجع في القوة 

اعتمدت إسرائيل منذ نشأتها وحتى السابع من أكتوبر، أسلوب الحروب الخاطفة التي كانت تؤمن لها انتصارا سريعا، بخسائر قليلة، لا يستهلك الكثير من قوتها واحتياطها، ويحافظ على معنويات جيشها، ويستعمل الاحتياط في جيشها ضمن مدد معقولة لا تؤثر على معنوياته، وبالتالي لا يؤثر سلبا على اقتصاد الدولة. لكنها في الحرب التي أعلنتها إسرائيل بعد السابع من أكتوبر ومن ضمنها الحرب على إيران ولبنان واليمن، كانت طويلة وبخسائر غير مسبوقة في الافراد والمعدات، واضطرت الى إبقاء الاحتياط مدد طويلة اثرت سلبا على الاقتصاد، واستنفذت احتياطها من الذخائر، واعتمدت على تعويض ذلك من الدعم الأمريكي، ومع ذلك لم تتمكن من اعلان انتصارها ولم تحقق الأهداف التي أعلنتها للحرب، وبالتالي لم تتمكن من الافراج عن اسراها في غزة الا بموجب اتفاقات. 

اثبتت الحرب حقيقة ان إسرائيل بدون الدعم المباشر للولايات المتحدة لا تتمكن من الصمود والبقاء في المنطقة، بمعني اخر ان حجم بقاء إسرائيل مرهون بحجم قوة ونفوذ الولايات المتحدة في المنطقة. 

الحروب التي شنتها إسرائيل سواء كانت حرب الإبادة والتجويع والوحشية التي استعملتها إسرائيل في غزة، ولبنان والاعداد غير المسبوقة من الشهداء والجرحى والامعان في تدمير المنازل والمدارس والجامعات والمستشفيات ودور العبادة، وكذلك الاغتيالات، او تلك التي شنتها مع الولايات المتحدة على ايران، غيرت صورة إسرائيل في كل العواصم والمدن العالمية التي لم تبرح الجماهير شوارعها تأييدا لفلسطين وإدانة لإسرائيل التي أصبحت بنظر العالم وخاصة في الغرب دولة منبوذة، وكذلك فان الولايات المتحدة فشلت في اخضاع ايران واضطرت الى توقيع مذكرة تفاهم مع ايران، انهت الحرب وأكدت الربط بين الجبهتين اللبنانية والإيرانية على عكس ما ارادت إسرائيل، وتم توقيع هذه المذكرة بمعزل عن إسرائيل، الامر الذي احدث شرخا في العلاقات الأميركية الاسرائيلية وبدأ الصوت المطالب بالفصل بين المصالح الأميركية والإسرائيلية يبدو عاليا.  

هذه الحروب والتي استمرت متواصلة لما يقترب من ثلاث سنوات، اكدت نتائجها ان الجيش الإسرائيلي، اثبت بممارساته الوحشية وانتهاكه للقوانين الدولية هو جيش غير أخلاقي، ويمكن هزيمته رغم كل الدعم الذي يتلقاه، وان مكانة وسمعة إسرائيل ما قبل السابع من أكتوبر انتهت والى الابد في كل انحاء العالم وخاصة في الغرب الحليف الأساسي لدولة إسرائيل، ولم يعد أحد يقبل رواية إسرائيل بانها ضحية ومحاطة بالأعداء، بل كشفت عن حقيقتها بانها دولة فصل عنصري وتقتل الأطفال والنساء وترتكب المجازر والابادة البشرية والدمار ولا تتورع عن تدمير المستشفيات والمدارس والجامعات ودور العبادة. 

وقد اثبت مسار الاحداث وتفاعل المجتمع الدولي معها بانه، ولأول مرة منذ قيام دولة إسرائيل يبدأ الفكاك بين اليهود والصهيونية وإسرائيل، لان نسبة كبيرة من اليهود وقفوا ضد سياسة حكومة إسرائيل التي ترفض السلام والتي ترتكب المجازر والابادة ضد الشعب الفلسطيني ولأول مرة بدأ الفكاك بين اليهودية الدينية وبين المسيحية الصهيونية، وكذلك ظهر هذا الفكاك بين إسرائيل وأوروبا، وبدأت أوروبا تتمايز بموقفها حول الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي عن الموقف الرسمي الأميركي من هذا الصراع. ناهيك عن حقيقة ان الأجيال الشابة في العالم اجمع أصبحت أكثر تأييدا لفلسطين. 

العالم رفض صراحة العنجهية والصلف والوحشية الإسرائيلية، التي تمثلت بمواقف رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو الذي تصرف بعليائية مع معظم رؤساء العالم، وكذلك مواقف وزرائه المتطرفة. 

من المتوقع ونتيجة للاتفاق المعقود بين ايران والولايات المتحدة، ونتيجة للفشل الإسرائيلي في تحقيق اهداف الحروب التي شنتها ضد غزة ولبنان وايران،  ان نتنياهو واليمين المتطرف معه سيتم اسقاطهم في الانتخابات القدمة، وهذا يعني أيضا ان الاحداث اثبتت ان البرامج السياسية لليمين المتطرف قد أعطيت الفرصة الكاملة خلال السنوات الأربع الماضية لتنفيذ برامجها، ولكنها فشلت في ذلك، لا بل ان سياسته أدت الي خسارة إسرائيل على المستوي العالمي، من المتوقع أن يبرز تيار الاعتدال داخل إسرائيل، والذي قد يقر بضرورة حل القضية الفلسطينية كشرط أساسي للسلام الدائم. فمواصلة التمسك بالحلول العسكرية والتوسع الاستيطاني لن يؤدي إلا إلى مزيد من العزلة على الساحة الدولية. ستبرز للنقاش حقيقة ان كل هذه الحروب سببها عدم الاعتراف بالحقوق السياسية والإنسانية للشعب الفلسطيني، وهذا يعني ان النقاش سيتجه باتجاه ضرورة التعامل مع هذه الحقيقة وهو الذي سيفتح الباب مرة اخري امام حل الدولتين او دفعها باتجاه ممر اجباري وهو الدولة الواحدة بعد اسقاط نظام الفصل العنصري الإسرائيلي  

هذه التحولات المتوقعة تؤكد أن الصراع في الشرق الأوسط، على الرغم من تعقيداته المستمرة، يمر بمرحلة تحول قد تؤدي إلى إعادة تشكيل النظام الإقليمي. في ضوء هذه المعطيات، فمن المؤكد أن القوى الإقليمية ستعمل على تعديل استراتيجياتها بما يتماشى مع الواقع الدولي الجديد، الذي يفتح المجال لدور اقوى لقوى دولية مثل الصين وروسيا. 

ثالثا: الولايات المتحدة الأميركية  

 بعد أربعين يوما على بدء الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، تأكد اركان الإدارة الأميركية وعلى رأسهم الرئيس ترامب نفسه ان التقديرات التي على أساسها تم شن الحرب خاطئة، وانه ليس من السهل اسقاط النظام الإيراني، ولا يمكن ربح الحرب من خلال القصف الجوي، وانه لا نية للولايات المتحدة في التورط بريا في هذه الحرب، وكان من الطبيعي ان تُفَعل إيران كل الأوراق التي تمتلكها في مواجهة اعدائها، فتحركت الجبهة اللبنانية واغلق مضيق هرمز وهدد باستخدام الجبهة اليمنية ومضيق باب المندب، وكثر الحديث داخل اركان الإدارة الأميركية ان نتنياهو ورط الرئيس الأميركي وضلله على الرغم من ان بعض الدوائر الأمنية والعسكرية الأميركية قد حذرت بالفعل الرئيس الأميركي من صعوبة اسقاط النظام الإيراني، وبالتالي صعوبة كسب الحرب.  

الحقائق التي تزامن ظهورها مع هذه الحرب، واهمها ان الولايات المتحدة فشلت في انشاء تحالف دولي لحربها تجلى في رفض حلفائها مثل أوروبا وبريطانيا وأستراليا واليابان وكندا، وكذلك حلف الناتو من الاشتراك في حرب قررت شنها أمريكا وإسرائيل على إيران وحلفائها في المنطقة. 

 الحرب الأميركية على إيران اشعلت حوارا داخليا في الأوساط السياسية الأميركية تعرض لقضيتين أساسيتين: 

عدم الرغبة في تورط الولايات المتحدة في حروب خارجية، وتم استدعاء الحروب الأميركية في فيتنام وأفغانستان والعراق والتي كانت نتائجها معاكسة لما خططت له. 

التورط في هذه الحرب يعني خضوع الإدارة الأميركية لإرادة نتنياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي. 

لقد فشلت الولايات المتحدة في حسم الحرب ضد إيران وحزب الله، وكذلك فان دعمها غير المحدود لإسرائيل لم يمكن الأخيرة من تحقيق أهدافها في غزة. وهكذا، وجدت الولايات المتحدة نفسها مضطرة لإنهاء الحرب على الجبهتين اللبنانية والإيرانية كما جاء في مذكرة التفاهم التي وقعها الطرفان.   

عدم تمكن الولايات المتحدة من تحقيق أهدافها، وشيوع مقولة ان نتنياهو ضلل الرئيس ترامب،   أدى الى طرح الموضوع الأهم وهو التحدث وبصوت عالي ولأول مرة عن ضرورة الفصل بين المصالح الأميركية والإسرائيلية، وعلى الإدارة الأميركية ان تعطي الأولوية للمصالح الاميركية، بصرف النظر عن الاحتياجات الاسرائيلية. وهو ما يعني بداية تحول حقيقي في أولويات واشنطن. وقد شمل ذلك القاعدة الانتخابية للرئيس ترامب وهي جزء من الحزب الجمهوري، وكذلك شملت القواعد الحزبية للديموقراطيين ولبعض قادتهم. إضافة الي العديد من المشاهير السياسيين والإعلاميين. كل ذلك سيدفع بالتأكيد لإعادة تقييم العلاقات الأميركية الإسرائيلية تبعا للمتغيرات التي فرضتها الحرب على الأجيال الشابة وعلى العلاقات بين اليهود والصهيونية، وكذلك بين اليهودية الدينية والمسيحية الصهيونية،  

اتفاق التفاهم الموقع بين الولايات المتحدة وإيران، يعني اعترافا دوليا بالدور الإقليمي لإيران، وهذا سيفرض تغييرا او تعديلا على طبيعة العلاقات بين دول الخليج وكل من إيران والولايات المتحدة الأميركية، وقد يتأثر وضع القواعد الأميركية في الخليج لان الحرب الأخيرة اثبتت انها ليست لحماية الخليج وانما لحماية إسرائيل، وإذا ما أدخلنا في الحساب التحركات الدولية لتغيير النظام العالمي الى نظام متعدد الأقطاب، فمن المتوقع انحسار النفوذ الأميركي في الشرق الأوسط بحكم تغير الأولويات الاستراتيجية عالميا.   

حروب الشرق الأوسط ٢٠٢٣-٢٠٢٦ كسرت المحذور على الساحة الامريكية، وأصبحت مساحة التأييد لفلسطين أكبر من ذي قبل، وأصبحت أكثر جرأة، وهذا يعني بالضرورة ان مساحة الانتقاد لإسرائيل أيضا اتسعت وأصبحت أكثر جرأة، وكنتيجة لذلك فان الموقف الأميركي الرسمي من الصراع الفلسطيني الإسرائيلي سيتغير حتما في السنوات القليلة القادمة.  نتحدث هنا عن تغييرات كبيرة في الأولويات الأمريكية والتي ستفرض إعادة ترتيب التحالفات في المنطقة. بالإضافة إلى ذلك، يجب أن تأخذ القوى التي كانت طرفا في هذه الحروب مثل إيران ودول الخليج ولبنان وفلسطين في الحسبان المواقف الدولية المتغيرة، وخاصة من القوى الكبرى مثل الصين وروسيا، والتي قد تجد الفرصة مناسبة للعمل على تحجيم نفوذ الولايات المتحدة في المنطقة، وهذا يعني أن النزاع الإسرائيلي الفلسطيني قد يأخذ منحنى جديداً يتجاوز الحلول التقليدية. وفي هذا السياق، قد يصبح البحث عن حل تفاوضي طويل الأمد أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى، ليشمل جميع الأطراف الفاعلة في المنطقة. 

رابعا: إيران 

صمود إيران، وتماسك النظام، والتفاف الشعب حول قيادته في مواجهة الخطر الخارجي، إضافة الي الاستعمال الجيد لأوراق القوة التي يملكها النظام واهمها مضيق هرمز، والقواعد العسكرية الأميركية في المنطقة، كل ذلك اجبر الولايات المتحدة على توقيع مذكرة التفاهم التي انهت الحرب وفتحت مضيق هرمز وأنهت الحصار البحري على إيران وأوقفت الحرب في لبنان، والافراج عن بعض الأموال الإيرانية المجمدة، وفتح باب التفاوض حول الملف النووي ورفع العقوبات،  

   النتيجة الأهم لذلك هي الإقرار الإقليمي والدولي بالدور الإقليمي لإيران الامر الذي سيترتب عليه تغيير قواعد التعامل ونوعية العلاقة بين القوى الدولية والاقليم من جهة وبين القوى المحلية داخل الإقليم وإيران استنادا الي المتغيرات التي احدثتها الحرب. 

من المؤكد ان الحرب ونتائجها اقنعت دول الخليج بإعادة النظر في علاقاتها مع الولايات المتحدة التي ثبت ان قواعدها العسكرية غير قادرة على حمايتها، وان الاستقرار في منطقة الخليج أساسه علاقات تبادل مصالح واحترام متبادل بين إيران وجيرانها، وهذا يفرض على الطرفين في الخليج تعديل مفاهيم العلاقات التي كانت سائدة قبل هذه الحرب. ولو تحولت إيران الى دولة قومية بصرف النظر عن المذهب التي تؤمن به، ولو احترمت بقية الدول كامل حقوق مواطنيها بصرف النظر عن تعدد المذاهب، فسيتم إرساء الاستقرار وستنتفي مبررات التدخل في شؤون الاخرين. وقد يصبح ضروريا ان تقوم الدول الإقليمية في المنطقة تركيا، إيران، مصر، السعودية، وربما باكستان، على تأسيس تحالف بينهما، ينهي الهيمنة الغربية، ويحمي المصالح الاستراتيجية لشعوب المنطقة، ومن الطبيعي بعدها ان ينتصر الحق والعدل في فلسطين. 

   خامسا: دول الخليج دور الخليج وإيران: إعادة رسم التحالفات الإقليمية 

بالنسبة للدول الخليجية، فإن التجربة الأخيرة مع القواعد العسكرية الأمريكية قد كشفت بالفعل ان إقامة هذه القواعد كان أصلا لحماية إسرائيل وليس لحماية دول الخليج كما كان يعتقد قادة الخليج، وان الولايات المتحدة نفسها عجزت عن حماية هذه القواعد عندما قررت إيران ضرب هذه القواعد باعتبارها أمريكية بصرف النظر عن جغرافيا المكان.   

  ومن الطبيعي، وعلى ضوء تجربة الحرب الأخيرة ان تعيد دول الخليج النظر في تحالفاتها استنادا الي مجموعة الحقائق التي افرزتها الحرب، والبحث عن حلول أكثر استقلالية في إدارة شؤون المنطقة، وتكون الأولوية فيها الى علاقات صداقة واخوة بين الدول المتجاورة مبنية على أساس تبادل المصالح والاحترام الكامل لسيادة الدول، والتعاون المتبادل بعيداً عن الهيمنة الأمريكية. وان تحرص هذه الدول على عدم التحالف مع قوى دولية تضمر الشر للجارة الكبرى. 

وكما ذكرنا، فان على إيران في المقابل، إعادة التفكير في سياستها الخارجية، وخاصة في علاقتها مع جيرانها، مع الالتزام النهائي بسيادة دول الخليج على أراضيها، ربما يكون الوقت قد حان بالنسبة لإيران لإعلان تحولها إلى دولة وطنية بشكل أكبر، بعيداً عن أيديولوجيتها الدينية، ما سيسهم في تخفيف التوترات مع دول الخليج. 

سادسا: لبنان وحزب الله 

من الواضح ان الطرف الإيراني نجح في فرض وقف إطلاق النار في لبنان على وثيقة التفاهم الموقعة لإنهاء الحرب بين إيران وأميركا، ومن الواضح ان إسرائيل تعترض على ذلك وتحاول الفصل ببن الجبهتين الايرانية واللبنانية، ولكن من غير المسموح للرفض الإسرائيلي ان يعطل تنفيذ وثيقة التفاهم لآنها أولوية للولايات المتحدة. وإيران من ناحيتها ستتمسك بإنهاء الحرب في لبنان وانسحاب القوات الإسرائيلية الى الحدود الدولية وإعادة اعمار الجنوب وإعادة السكان الى قراهم. وذلك حماية للطائفة الشيعية، ولضمان استمرارها كقوة فاعلة واساسية في الحياة السياسية اللبنانية. 

والمتوقع في حال نجاح المفاوضات الإيرانية الأميركية، ان يتواصل الضغط الأمريكي علي إسرائيل لتنفيذ ما هو مطلوب منها على الجبهة اللبنانية، وهنا قد تربط ايران الموافقة على سحب السلاح من حزب الله بالانسحاب الإسرائيلي الكامل من الأراضي اللبنانية، وأخيرا اخراج  لبنان من الصراع في المنطقة باتفاقية سلام، وضمان بقاء الحزب كقوة سياسية فاعلة في المعادلة اللبنانية.  

اخر الأخبار