مجلس السلام تحول إلى مجلس لديمومة احتلال قطاع غزة..بدلا من العمل نحو تعافي قطاع غزة المبكر

وسط الخراب شيء ما يستعد للإنبات.. قصة بنك بذور غزة

وسط الخراب شيء ما يستعد للإنبات.. قصة بنك بذور غزة

تاريخ النشر: 2026-08-23 | 17:48

صفاء أبو شمسية
صفاء أبو شمسية

وسط سيل الأخبار القادمة من غزة، حيث تطغى مشاهد الدمار والجوع والنزوح على كل ما عداها، بدت قصة صغيرة عن بنك للبذور مختلفة بما يكفي لتلفت انتباه عدد من وسائل الإعلام الدولية التي تناقلتها خلال الأيام الماضية. القصة، التي تناولتها وكالة فرانس برس وأعادت نشرها صحف ومواقع عربية وغربية، تتحدث عن مشروع متواضع يحاول استعادة مخزون من البذور المحلية بعدما دمرت الحرب مقره، لكنه في جوهره يروي شيئاً أكبر بكثير من حكاية زراعية في قطاع يعيش واحدة من أكثر الكوارث الإنسانية تعقيداً في العالم.

في خيمة صغيرة أقيمت في دير البلح، يحاول فريق بنك بذور القرارة إعادة بناء ما يمكن إنقاذه من الأصناف الزراعية التقليدية التي كانت جزءاً من الحياة الزراعية في غزة قبل الحرب. صناديق بلاستيكية، وأكياس خيش، وبراميل، وعبوات مختلفة الأحجام تحولت إلى مستودع مؤقت لبذور القمح والشعير والسلق والسبانخ والبقدونس والكوسة والبامية وغيرها من الأصناف المحلية التي لا تبدو، في ظل حجم الخراب المحيط بها، ذات أهمية تذكر. لكن هذه النظرة تتغير عندما ندرك أن البذرة ليست مجرد مادة تُلقى في الأرض ثم تنتظر محصولاً؛ فهي في حالة غزة تحمل معها إمكانية إعادة تشغيل دورة زراعية كاملة تعطلت بفعل الحرب.

وهنا تكمن أهمية هذه القصة.

بنك بذور القرارة ليس مشروعاً وليد الحرب، بل يعود إلى عام 2017، حين أُطلق بدعم من اللجنة الدولية للصليب الأحمر بهدف المحافظة على الأصناف الزراعية المحلية ومساعدة المزارعين على الوصول إليها. وكان النظام الذي يعتمده البنك بسيطاً وعملياً في الوقت نفسه: يحصل المزارع على كمية من البذور لزراعتها، ثم يعيد جزءاً منها بعد انتهاء الموسم، بحيث تستمر البذور في التداول بين المزارعين ولا تتحول إلى مخزون جامد داخل مستودع.

هذا النوع من النماذج يكتسب أهمية خاصة في منطقة تعتمد بدرجات مختلفة على استيراد المدخلات الزراعية، لأن البذور التقليدية يمكن إعادة استخدامها وإكثارها من موسم إلى آخر، كما أنها تطورت أصلاً في بيئة محلية تجعلها أكثر ملاءمة لظروفها المناخية والزراعية من كثير من الأصناف التجارية التي تعتمد على شراء بذور جديدة بصورة متكررة.

تقول حنادي مهنا، التي تعمل إلى جانب والدها سالم مهنا، إن القتال دمر البنك وأدى إلى فقدان عدد كبير من الأصناف، بينما جعل النزوح المتكرر استعادة المشروع أكثر صعوبة. وبعد سلسلة من عمليات الانتقال، استقر الفريق في دير البلح، حيث أعيد تأسيس البنك داخل خيمة لا تكاد تشبه المنشأة التي كان يعمل فيها قبل الحرب.

المشهد بحد ذاته يلخص جانباً من حجم الانهيار الذي أصاب القطاع الزراعي في غزة: مشروع كان هدفه الحفاظ على الموارد الزراعية أصبح هو نفسه مضطراً إلى البحث عن مكان آمن، ثم إعادة ترتيب معداته ومخزونه في ظروف أقرب إلى الطوارئ منها إلى العمل الزراعي المنظم.

ربما يكون الخطأ الأكبر عند الحديث عن الضرر الذي أصاب الزراعة في غزة هو التعامل معه باعتباره خسارة في الأراضي والمحاصيل فقط. فالزراعة ليست الأرض وحدها، وإنما شبكة متكاملة من المياه والطاقة والأسمدة والبذور والآلات وطرق الوصول إلى الأسواق، وأي خلل واسع في هذه العناصر يمكن أن يحول الأرض الصالحة للزراعة إلى مساحة عاجزة عن الإنتاج.

فوفق البيانات التي أوردتها منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة، لم يعد سوى نحو 3% من الأراضي المزروعة متاحاً وغير متضرر، فيما أدت الحرب إلى أضرار واسعة في الأراضي الزراعية والبنية المرتبطة بالإنتاج الغذائي. وفي الوقت نفسه، أدت القيود على دخول المستلزمات الزراعية إلى زيادة صعوبة استئناف النشاط الزراعي حتى في المناطق التي يمكن الوصول إليها.

يقول سالم مهنا إن المزارعين يواجهون نقصاً في المياه والأسمدة والمواد الزراعية الأساسية، وهي مشكلة تجعل الحديث عن استعادة الزراعة أكثر تعقيداً من مجرد إعادة المزارعين إلى أراضيهم.

فحتى لو عادت الأرض غداً إلى أصحابها، ماذا سيزرعون فيها؟ ومن أين سيحصلون على المياه؟ وكيف سيشترون الأسمدة؟ وكيف ستصل إليهم الأدوات اللازمة؟ وماذا سيحدث إذا بقيت المعابر وسلاسل الإمداد مقيدة؟

هذه الأسئلة تجعل من بنك البذور أكثر من مجرد مشروع لحفظ أصناف قديمة؛ فهو يحاول، ضمن حدود إمكاناته الصغيرة، تقليل اعتماد المزارع على ما يأتي من الخارج في واحدة من أكثر البيئات هشاشة في المنطقة.

تزداد أهمية المسألة عندما نتذكر أن الزراعة في غزة لم تكن قبل الحرب نشاطاً هامشياً بالكامل. فالزراعة وصيد الأسماك كانا يمثلان نحو 10% من الاقتصاد، وكان القطاع قادراً على إنتاج كميات مهمة من الخضروات الطازجة، بل وتصدير جزء من إنتاجه إلى الأسواق الخارجية.

اليوم، أصبح الحفاظ على الحد الأدنى من القدرة الإنتاجية هدفاً بحد ذاته.

وربما لهذا السبب تحديداً استحقت هذه القصة أن تنتقل من خيمة صغيرة في دير البلح إلى صفحات وسائل إعلام في أماكن مختلفة من العالم. فوسط أخبار الحرب التي تتحدث باستمرار عن ما دُمر وما فُقد، تقدم قصة بنك القرارة زاوية مختلفة: الحديث عن شيء لم ينجُ فقط من الدمار، بل يحاول أصحابه أن يجعلوه قابلاً للإنبات مرة أخرى.

وفي غزة، حيث يبدو المستقبل الزراعي شديد الغموض، قد يكون الاحتفاظ ببذرة قابلة للزراعة واحداً من أبسط أشكال الإصرار على أن المستقبل، مهما بدا بعيداً، لا يزال ممكناً.

×
أخبار
استهداف قصر معاشيق الرئاسي في عدن بـ 4 صواريخ باليستية وتصاعد كثيف للدخان نتنياهو: أمليت موقفي على الشرع في مكالمة قصيرة وواضحة لوقف استهداف الدروز في خطوة تاريخية.. رابطة أمريكية للعلوم السياسية تصويت بالأغلبية لصالح المقاطعة الأكاديمية لإسرائيل السيسي: أمن السعودية ودول الخليج خط أحمر واستقرار غزة والسودان وليبيا من مقتضيات الأمن القومي العربي شبكة إعلانات إسرائيلية تتجسس على ملايين المستخدمين والمؤسسات الدولية لصالح شركات اختراق وتجسس تقرير حقوقي يكشف شهادات حول إطلاق حراس سجون الاحتلال النار على الأسرى الفلسطينيين داخل الزنازين نتنياهو يعلن إنشاء جدار أمني ضخم على الحدود الشرقية من اليرموك إلى إيلات ملادينوف يعلن تعليق تنسيق البضائع للقطاع الخاص بغزة ويدعو للإسراع بانتشار القوة الدولية الاتحاد الأوروبي ودول الخليج اتفقوا على تأجيل القمة المقرة بينهما في الرياض باكو: وفود عربية بيها فلسطين وتركيا وباكستان تغادر قاعة المؤتمر خلال كلمة هرتسوغ صندوق النقد الدولي يحذر من طول أمد الحرب والاضطرابات المتجددة كأكبر تهديد للشرق الأوسط الصحة: ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,396 شهيدا آيزنكوت يتعهّد بهزيمة "حماس" خلال 18 شهراً بعد قضية المسبحة.."استقالة" وزير الأوقاف الفلسطيني نتنياهو وسموتريتش يعتزمان نشر نحو ألفَي مراقب في صناديق الاقتراع بالبلدات العربية هجوم حوثي على مقر أرامكو بالظهران يدمر مكاتب الرئيس التنفيذي وكبار المسؤولين مجلس سلام ترامب لديمومة الموت في غزة! قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس: اقتحامات واعتقالات ومواجهات تحقيق جديد في الكونغرس حول تضارب مصالح كوشنر واستثماراته الإسرائيلية والخليجية سي إن إن: أمريكا تضع خططاً لاستخدام "أم القنابل" ضد إيران وثائق كتبها مساعدو نتنياهو تكشف مسؤوليته عن إخفاق 7 أكتوبر وتناقض روايته حول حماس الغارديان: إسرائيل تعرقل إنشاء قاعدة لمجلس السلام في غزة ترامب: كان ينبغي الإبقاء على قادة إيران السابقين لأنني لا أعرف مع من نتفاوض صفقة الديزل الروسي تثير الجدل.. ترامب يحمل زيلينسكي مسؤولية حرب الطاقة ويدعم موسكو تقرير: سياسات إيران ومحورها أضرت بالفلسطينيين وخدمت اليمين الإسرائيلي آيزنكوت يؤكد القدرة على هزيمة نتنياهو.. وينفي ادعاءاته بشأن عملية «البيجر» الأمم المتحدة ترصد غارات وقصفاً مكثفاً بجميع محافظات غزة وتطالب إسرائيل بوقف التضييق بالضفة باحث إسرائيلي: نتنياهو يصوغ «حقيقة بديلة» لهروب قيادته من مسؤولية إخفاق 7 أكتوبر السيسي يرد على سموتريتش برسالة إلى تل أبيب..ويؤكد موقف مصر مع فلسطين زيلنسكي: أشعر بالخيانة من قبل ترامب وهو لا يقف في الجانب الصحيح من التاريخ

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط