مجلس السلام تحول إلى مجلس لديمومة احتلال قطاع غزة..بدلا من العمل نحو تعافي قطاع غزة المبكر

نتنياهو لا يبحث عن نهاية الحرب.. بل عن الرواية التي ستنهيها..!

نتنياهو لا يبحث عن نهاية الحرب.. بل عن الرواية التي ستنهيها..!

تاريخ النشر: 2026-08-18 | 11:43

د. طلال أبو ركبة
د. طلال أبو ركبة

على طريقة (اليوم بنحكي، وبكرة بنضرب)، يبدو أن بنيامين نتنياهو يتعامل مع زيارة جاريد كوشنر لا باعتبارها لحظة تفاوضية تستدعي تقديم تنازلات، بل باعتبارها مسرحًا آخر لإعادة توزيع الأدوار في معادلة القوة، فالرجل لا يقرأ السياسة بوصفها سلسلة من المواقف المنفصلة، وإنما بوصفها لعبة طويلة النفس، قوامها الأساسي شراء الوقت، واستنزاف الخصوم، وتحويل الضغوط إلى أوراق تخدم بقاءه السياسي.

بهذا المعنى، أفرغ نتنياهو زيارة كوشنر من دلالتها الأصلية: بدل أن تظهر الزيارة باعتبارها تعبيرًا عن ضغط أمريكي أو اختلاف مع الإدارة الأمريكية حول الالتزامات الإسرائيلية بمراحل خطة السلام، ليعيد تقديمها للجمهور الإسرائيلي بوصفها تفهّمًا أمريكيًا لحاجاته السياسية والأمنية، ونجح مرة أخرى في نقل مركز النقاش من سؤال: ماذا تريد واشنطن من نتنياهو؟، إلى سؤال ماذا يحتاج نتنياهو لكي يحقق النصر؟؛ وهذه واحدة من أكثر سمات شخصيته السياسية وضوحًا: تحويل الضغط الخارجي إلى شرعية داخلية، وتحويل الخلاف مع الحليف إلى شهادة على قدرته على المناورة.

نتنياهو لا يخوض الحرب في غزة على المستوى العسكري وحده؛ إنه يخوض بالتوازي حربًا على الوعي الإسرائيلي. وهو يدرك أن غزة، بالنسبة إلى قطاعات واسعة من الجمهور الإسرائيلي، ليست مجرد ملف سياسي أو أمني، بل ملف نفسي شديد الحساسية، تتداخل فيه صورة الردع، واستعادة الهيبة، والثأر، والخوف من تكرار السابع من أكتوبر؛ لذلك فإن أي صورة مرتبطة بـنزع سلاح غزة يمكن أن تكون، في حساباته، أكثر قيمة انتخابية من عشرات البيانات السياسية.

ومن هنا يمكن فهم إصراره على إبقاء السيطرة الإسرائيلية على نحو واسع من أراضي غزة، بالتوازي مع تحديد سقف زمني قريب نسبيًا للانتقال إلى مرحلة تفكيك السلاح، فالمعادلة التي يسعى إلى تثبيتها تبدو شديدة الوضوح: لا يخرج من الحرب قبل أن يمتلك شيئًا يمكن عرضه على الإسرائيليين باعتباره إنجازًا، ولا يسمح في الوقت نفسه لأي تسوية بأن تنتزع منه السيطرة على ميدان يمكن أن يتحول لاحقًا إلى ورقة تفاوضية أو انتخابية.

وهنا تظهر إحدى السمات المركزية في التفكير السياسي لنتنياهو: هو لا يبحث بالضرورة عن نهاية للحرب بقدر ما يبحث عن نهاية يمكنه هو أن يرويها، فالنصر، في حساباته، ليس مجرد نتيجة عسكرية؛ إنه سردية سياسية قابلة للاستهلاك الداخلي، ولذلك فإن صورة الجنود، ومشاهد السيطرة على الأرض، ثم صور تفكيك السلاح، قد تصبح جميعها أجزاء من فيلم انتخابي واحد، يُعرض على الناخب الإسرائيلي في اللحظة التي يحتاج فيها نتنياهو إلى تحويل الحرب من عبء سياسي إلى رصيد انتخابي.

وهذا ما يجعل المقارنة مع تعامله مع إدارة بايدن عشية احتلال رفح في أيار 2025 ذات دلالة، ففي كل مرة يقترب فيها الضغط الأمريكي من التحول إلى قيد فعلي على حركته، يسعى نتنياهو إلى إعادة تعريف حدود الضغط، لا إلى مواجهته بصورة مباشرة، يمنح الحليف ما يكفي كي لا ينفجر الخلاف، ويحجب عنه ما يكفي كي لا يتحول الاتفاق إلى قيد على خياراته، إنه يمارس سياسة "الامتثال الجزئي": يقدم تنازلًا تكتيكيًا، لكنه يحافظ على جوهر حرية الحركة الاستراتيجية.

إن نتنياهو، في جوهره، سياسي شديد الحساسية تجاه مسألة الضعف، وربما لهذا السبب يحرص بصورة متكررة على ألا يظهر أمام خصومه أو جمهوره باعتباره الطرف الذي أُجبر على التراجع، حتى عندما يتراجع، يحاول أن يعيد صياغة التراجع باعتباره قرارًا اختاره هو، أو مناورة تكتيكية، أو استجابة لمقتضيات الأمن الإسرائيلي، فالمشكلة بالنسبة إليه ليست فقط في خسارة ورقة سياسية؛ المشكلة في أن تبدو الخسارة هزيمة.

ولهذا فهو لا يكتفي بإدارة خصومه؛ بل يدير صورتهم أيضًا. إظهار الخصم الأمريكي وكأنه تفهّم لمواقفه، وإظهار الخصوم الفلسطينيين وهم يتلقون شروطًا تتعلق بالسلاح والسيطرة، وإبقاء القوات الإسرائيلية في مواقع استراتيجية، كلها عناصر تخدم هدفًا واحدًا: إنتاج صورة نتنياهو باعتباره «سيد اللعبة»، حتى عندما تكون اللعبة نفسها مكلفة ومفتوحة على احتمالات غير محسومة.

وإذا صح أن عملية نزع السلاح ستدخل في توقيت قريب بما يتقاطع مع المرحلة الأخيرة من المعركة الانتخابية، فإن نتنياهو سيكون أمام فرصة سياسية نادرة: أن يحوّل الحرب من ملف يُحاسَب عليه إلى مادة انتخابية يستثمرها. عندها لن تكون صور نزع السلاح مجرد مشاهد أمنية؛ ستصبح، في الوعي الذي يريد إنتاجه، صورًا لاستعادة الردع الإسرائيلي، واستعادة السيطرة، وتصحيح صورة السابع من أكتوبر.

وهنا تكمن خطورة حسابه السياسي: نتنياهو لا يحتاج بالضرورة إلى أن تنتهي الحرب لكي يستفيد منها انتخابيًا؛ يكفيه أن يصل إلى اللحظة الانتخابية وهو قادر على تعريفها باعتبارها حربًا حققت ما لم يستطع الآخرون تحقيقه.

لذلك فإن الرهان الحقيقي في سلوك نتنياهو ليس فقط على ما سيحدث في غزة، بل على من سيمتلك حق كتابة رواية ما حدث؛ فإذا استطاع أن يحتفظ بالأرض، ويؤجل التسوية النهائية، ويُبقي ملف السلاح مفتوحًا، ثم يقدم أي تقدم في تفكيكه باعتباره نتيجة مباشرة لسياساته، فإنه يكون قد حقق ما يريده سياسيًا حتى من دون تحقيق "نصر كامل" بالمعنى العسكري.

هذه هي عقلية نتنياهو: لا تحسم المعركة إذا كان استمرارها يمنحك أوراقًا أكثر؛ لا ترفض الضغوط إذا كان بإمكانك إعادة استخدامها؛ ولا تتنازل عن الأرض إذا كان بإمكانك تحويلها إلى رصيد تفاوضي وانتخابي؛ إنه لا يتعامل مع الزمن باعتباره عاملًا ضاغطًا، بل باعتباره موردًا سياسيًا، وكل يوم إضافي لا يفرض عليه خسارة استراتيجية يمكن أن يصبح يومًا إضافيًا في خدمة بقائه.

وبذلك، فإن عبارة (اليوم بنحكي، وبكرة بنضرب) تلخص، بصورة ساخرة ولكن دقيقة، جوهر مقاربته: اللغة للتهدئة حين تكون ضرورية، والقوة حين تكون نافعة، والانتظار حين يكون أكثر فائدة من الاثنين، أما الهدف الأعمق، فيبقى ثابتًا: أن يدخل نتنياهو الانتخابات لا بوصفه الرجل الذي أنهكته حرب غزة، وإنما بوصفه الرجل الذي، رغم كل الضغوط، ظل ممسكًا بمفاتيحها حتى اللحظة الأخيرة.

×
أخبار
في خطوة تاريخية.. رابطة أمريكية للعلوم السياسية تصويت بالأغلبية لصالح المقاطعة الأكاديمية لإسرائيل السيسي: أمن السعودية ودول الخليج خط أحمر واستقرار غزة والسودان وليبيا من مقتضيات الأمن القومي العربي شبكة إعلانات إسرائيلية تتجسس على ملايين المستخدمين والمؤسسات الدولية لصالح شركات اختراق وتجسس تقرير حقوقي يكشف شهادات حول إطلاق حراس سجون الاحتلال النار على الأسرى الفلسطينيين داخل الزنازين نتنياهو يعلن إنشاء جدار أمني ضخم على الحدود الشرقية من اليرموك إلى إيلات ملادينوف يعلن تعليق تنسيق البضائع للقطاع الخاص بغزة ويدعو للإسراع بانتشار القوة الدولية الاتحاد الأوروبي ودول الخليج اتفقوا على تأجيل القمة المقرة بينهما في الرياض باكو: وفود عربية بيها فلسطين وتركيا وباكستان تغادر قاعة المؤتمر خلال كلمة هرتسوغ صندوق النقد الدولي يحذر من طول أمد الحرب والاضطرابات المتجددة كأكبر تهديد للشرق الأوسط الصحة: ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,396 شهيدا آيزنكوت يتعهّد بهزيمة "حماس" خلال 18 شهراً بعد قضية المسبحة.."استقالة" وزير الأوقاف الفلسطيني نتنياهو وسموتريتش يعتزمان نشر نحو ألفَي مراقب في صناديق الاقتراع بالبلدات العربية هجوم حوثي على مقر أرامكو بالظهران يدمر مكاتب الرئيس التنفيذي وكبار المسؤولين مجلس سلام ترامب لديمومة الموت في غزة! قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس: اقتحامات واعتقالات ومواجهات تحقيق جديد في الكونغرس حول تضارب مصالح كوشنر واستثماراته الإسرائيلية والخليجية سي إن إن: أمريكا تضع خططاً لاستخدام "أم القنابل" ضد إيران وثائق كتبها مساعدو نتنياهو تكشف مسؤوليته عن إخفاق 7 أكتوبر وتناقض روايته حول حماس الغارديان: إسرائيل تعرقل إنشاء قاعدة لمجلس السلام في غزة ترامب: كان ينبغي الإبقاء على قادة إيران السابقين لأنني لا أعرف مع من نتفاوض صفقة الديزل الروسي تثير الجدل.. ترامب يحمل زيلينسكي مسؤولية حرب الطاقة ويدعم موسكو تقرير: سياسات إيران ومحورها أضرت بالفلسطينيين وخدمت اليمين الإسرائيلي آيزنكوت يؤكد القدرة على هزيمة نتنياهو.. وينفي ادعاءاته بشأن عملية «البيجر» الأمم المتحدة ترصد غارات وقصفاً مكثفاً بجميع محافظات غزة وتطالب إسرائيل بوقف التضييق بالضفة باحث إسرائيلي: نتنياهو يصوغ «حقيقة بديلة» لهروب قيادته من مسؤولية إخفاق 7 أكتوبر السيسي يرد على سموتريتش برسالة إلى تل أبيب..ويؤكد موقف مصر مع فلسطين زيلنسكي: أشعر بالخيانة من قبل ترامب وهو لا يقف في الجانب الصحيح من التاريخ النقابة: جيش الاحتلال يشن حربا واسعة ضد الصحفيين الفلسطينيين لحجب جرائمها استطلاع عبري: قفزة في القوائم العربية وتقارب كبير بين المعارضة الصهيونية والتحالف الحاكم

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط