تاريخ النشر: 2026-10-15 | 15:25
تاريخ النشر: 2026-10-15 | 15:25
تطرح التنافسات الانتخابية داخل المشهد الإسرائيلي سؤالاً يتجاوز حدود الحراك الحزبي في تل أبيب: إلى أي مدى أضحى المستقبل السياسي الفلسطيني، ولا سيما المقومات السياسية والإدارية لقطاع غزة، مرتهناً للحسابات التكتيكية والاستراتيجية للقوى الإسرائيلية؟ ففي الوقت الذي تخوض فيه الأحزاب الإسرائيلية صراعاً محموماً لتشكيل الائتلافات الحاكمة وصياغة العقائد الأمنية والسياسية، تظل المؤسسة السياسية الفلسطينية مكبلة بأزمة تجديد شرعيتها، وعاجزة عن توحيد أطرها التمثيلية واستعادة المبادرة السيادية، وتكمن المفارقة التحليلية في أن النظام السياسي الإسرائيلي- على الرغم من تشظيه وانقساماته البنيوية- يستغل آلية الانتخابات لإعادة ترتيب أولوياته وتحديث شرعية قيادته، بينما يستمر النظام السياسي الفلسطيني في ترحيل استحقاقاته الديمقراطية، وهنا تتجلى معضلة "ارتهان الذات للآخر"؛ إذ تتحول القرارات السياسية الوطنية إلى مجرد ردود أفعال ارتدادية لخيارات الاحتلال، بدلاً من أن تصدر عن مشروع وطني كلي يفرض أجندته ويحدد أدواته بمعزل عن تقلبات الخصم.
ولا تتوقف الأبعاد التحليلية للانتخابات الإسرائيلية عند التغير في هوية رئيس الوزراء أو التحالف الحاكم، بل تتجاوز ذلك لتحدد المسارات العريضة للسياسات الاستعمارية تجاه قطاع غزة؛ بدءاً من ترتيبات الحوكمة والأمن، وليس انتهاءً بملفات المعابر، وإعادة الإعمار، واليوم التالي للحرب. وإن كانت صناديق الاقتراع الإسرائيلية تُعيد توزيع أوراق النفوذ الداخلي، فإنها لا تُنتج بالضرورة تحولاً جذرياً ونوعياً نحو إنهاء الاحتلال أو الاعتراف بالحقوق السياسية الشاملة للشعب الفلسطيني، ومن هنا، فإن النظر إلى نتائج الصندوق الإسرائيلي بوصفها المتغير المستقل الوحيد الذي يرسم مستقبل غزة يمثل اختزالاً تبسيطياً للمشهد؛ فالسياسات الإسرائيلية، وإن تأثرت بالتنافس الحزبي، تخضع لمحددات بنيوية راسخة تتصل بالمؤسسة الأمنية، وموازين القوة الإقليمية والدولية، والواقع الميداني الذي تفرضه الحرب. ومع ذلك، تظل التغيرات السياسية في تل أبيب ذات أثر مباشر في إيقاع القرارات المتعلقة بغزة، وتقتضي العقلانية السياسية قراءة هذه التغيرات بواقعية منهجية، دون الوقوع في فخ "الانتظار السلبي" الذي يُعطل الفاعلية الوطنية ويؤجل بناء الموقف الموحد.
تتكثف هذه المعضلة مع قرار تأجيل الانتخابات الفلسطينية التي كان مُزمعاً إجراؤها في نوفمبر 2026 إلى سبتمبر 2027؛ حيث أُعيد إنتاج الذرائع ذاتها والمتعلقة بالتعقيدات الأمنية والعراقيل الإسرائيلية التي تحول دون إجرائها، لا سيما في القدس الشرقية وقطاع غزة. إن التسليم بوجود العائق الإسرائيلي المباشر وتأثيره المعطل للحياة السياسية الفلسطينية لا يمنح القيادة السياسية والفصائل صك براءة من مسؤولية الابتكار المؤسسي؛ إذ ينبغي البحث عن بدائل سياسية ووطنية خلاقة تمنع تحول القيود الاستعمارية إلى شماعة دائمة لتجميد تجديد الشرعيات، فالمشكلة ليست في تأثر النظام الفلسطيني بقرارات الاحتلال—فهذا واقع تفرضه موازين القوة القائمة—بل في تحول هذه القرارات إلى المكرّس الوحيد لزمنية القرار الفلسطيني، إن صندوق الاقتراع ليس مجرد إجراء إداري شكلي يُرحَّل كلما تعقدت الظروف، بل هو الركيزة الأساسية للعقد الاجتماعي؛ وكل تأجيل ممتد دون ضمانات إنفاذ حاسمة يُوسع فجوة الثقة الشعبية ويُكرس واقع السلطوية بلا تفويض.
وتتضاعف كلفة هذا الارتهان في قطاع غزة، حيث يتقاطع استحقاق الانتخابات الإسرائيلية مع أعقد ملفات الحرب، من وقف إطلاق النار، وإدارة القطاع، وإعادة الإعمار، إلى خطوط التماس الأمنية. وقد أثبتت التجربة الميدانية أن صياغة المبادرات الدولية والإغاثية بمعزل عن الإرادة الفلسطينية تجعل المقومات الحياتية للسكان رهينة الخلافات التكتيكية داخل الائتلافات الإسرائيلية الحاكمة، إن الخروج من هذه الوصاية يقتضي بلورة تصور وطني شامل ومستقل لإدارة القطاع وإعادة إعماره، يضمن المشاركة المباشرة لفعاليات القطاع ومجتمعه في تقرير أولوياته، ولا يمكن لهذا التصور أن يُبنى على الانتظار أو المراهنة الراهنة على تغيير الوجوه في الحكومة الإسرائيلية؛ فغياب المرجعية الوطنية الموحدة هو ما يتيح للأطراف الخارجية والاحتلال فرض خياراتهم وهندسة مستقبل القطاع بمعزل عن تطلعات أهله.
تقتضي المواجهة السياسية الواعية التمييز الدقيق بين الرصد التحليلي للتحولات الإسرائيلية والاستسلام لمخرجاتها، إن قراءة البيئة السياسية للخصم واجب تحليلي، غير أن تحويل هذه القراءة إلى محدد لمواعيد القرارات الوطنية هو استقالة سياسية، ويتطلب كسر حلقة الارتهان العمل وفق محددين رئيسيين: أحدهما، تأطير مسار زمني ملزم لتجديد الشرعية عبر إرساء خارطة طريق واضحة ومحددة بسقوف زمنية لإجراء الانتخابات الشاملة، مع إيجاد آليات بديلة ومبتكرة للتعامل مع العوائق الإسرائيلية. والآخر، صياغة استراتيجية وطنية موحدة لغزة تؤسس لشراكة فعلية وتضع أهالي القطاع في قلب عملية صنع القرار الوطني، بعيداً عن الصفقات المغلقة.
وفي هذا السياق، تُطالب حوارات القاهرة بالانتقال من مربع التفاهمات اللفظية وإعلانات النيات إلى اتفاقات تنفيذية ملزمة ومؤطرة بسقوف زمنية، تُعرض بشفافية على الرأي العام وتخضع لمساءلته؛ فالوحدة الوطنية لا تُقاس بعدد الجولات التفاوضية، بل بمدى قدرتها على إعادة الاعتبار للمؤسسات الوطنية وتجديد مشروعيتها الشعبية. وفي المحصلة، لا تكمن الأزمة في التأثير القائم للانتخابات الإسرائيلية على واقع غزة والضفة، فهذا قدر المواجهة مع الاحتلال؛ بل تكمن في عجز الأداة السياسية الفلسطينية عن بناء استراتيجية مواجهة مستقلة تُحيّد هذا التأثير. إن التحرر من ارتهان الذات يبدأ لحظة الانتقال من ترقب ما سيقرره الخصم إلى فرض ما يجب أن يقرره الشعب الفلسطيني؛ وغزة التي قدمت التضحيات الجسام تستحق أن تكون الفاعل الأساسي في رسم مستقبلها، لا مجرد ساحة تتقاطع فوقها حسابات الآخرين.