مجلس السلام تحول إلى مجلس لديمومة احتلال قطاع غزة..بدلا من العمل نحو تعافي قطاع غزة المبكر

من يوميات آنا إلى استغاثة هند: الإنسانية غائبة والإبادة تتكرر

من يوميات آنا إلى استغاثة هند: الإنسانية غائبة والإبادة تتكرر

تاريخ النشر: 2025-09-11 | 05:40

في كلّ حرب كبرى تُختَزل آلاف الحيوات في خانة إحصائية باردة، لكنّ التاريخ لا يُحفظ بالأرقام. فالذاكرة البشرية لا تتعلّق بالكم، بل بالكيف؛ إنها تبحث عن قصة تلتصق بالوجدان، وما يرسّخ المأساة في وعي الإنسانية ليس عدد القتلى، بل حكاية طفلة واحدة تمنح الألم وجهاً وصوتاً في القرن العشرين ارتسم ذلك الوجه في ملامح آنا فرانك، الفتاة اليهودية التي كتبت يومياتها في مخبأ ضيّق بأمستردام قبل أن يبتلعها معسكر نازي.

وفي القرن الحادي والعشرين يتردّد صدى مشابه من غزة، حيث دوّى صوت هند رجب عبر الهاتف: "أنا خائفة.. تعالوا أنقذوني". لم يأتِ أحد، واستُشهدت مع عائلتها، لكنّ صوتها صار ذاكرة أبدية تتحدّى النسيان.

آنا فرانك تركت كلمات مكتوبة صارت من أكثر الكتب قراءة في العالم. كانت شهادتها خاصة، مكتوبة في سرية تامّة، ولم تكن معدّة للنشر، وهو ما منحها صدقاً مؤلمًا حين خرجت للعالم لاحقاً. هند رجب تركت أنيناً مرتجفاً سجّلته الأجهزة وأذاعته الشاشات. كانت شهادتها عامّة منذ اللحظة الأولى، استغاثة أُطلقت في الفضاء العامّ مباشرة، لتجعل كلّ من سمعها شاهداً على تخاذل العالم في الزمن الحقيقي. كلاهما لم يُكمل عقده الثاني، وكلاهما صار شاهداً على الإبادة. آنا خطّت أحلامها الصغيرة، وهند نطقت خوفها الأخير. وبين الورق والهواء، تتجسّد الحقيقة ذاتها: حين تُذبح الطفولة، لا يبقى سوى شهادة نقية تفضح قسوة العالم.

لم تُنقَذ آنا فرانك. تركها العالم تواجه قدرها، ثم عاد ليُشيّد لها متاحف ويحوّل يومياتها إلى مسرحيات وأفلام. واليوم يتكرّر المشهد مع غزة: عالم صامت متواطئ، بينما تتكفّل الثقافة بقول ما عجزت عنه السياسة. قصة هند رجب ألهمت وثائقيات، وصارت فيلماً روائياً وقّعته المخرجة كوثر بن هنية وحظي بتصفيق تاريخي في البندقية. بل وأُنشئت مؤسسة تحمل اسمها لملاحقة مجرمي الحرب.

وهنا يكمن دور الفن في تخليد المأساة؛ إنه ينتشلها من سياقها المحلي الفردي، ويمنحها لغة عالمية تتجاوز حدود الجغرافيا والثقافة، فتتحوّل قصة الطفلة إلى رمز للإنسانية الجريحة بأكملها. فالفن لا يكتفي بالتوثيق بعد وقوع المأساة، بل يصبح هو نفسه فعل مقاومة، يصرخ حين يُكمَّم فم السياسة، ويبني أرشيفاً للمستقبل لضمان عدم تزوير الحقيقة. الثقافة هنا ليست ترفاً، بل سلاح ذاكرة ومقاومة.

"إسرائيل" التي رفعت اسم آنا فرانك لتُبرّر وجودها، وقدّمت نفسها كملاذ من النازية، هي ذاتها التي تعيد إنتاج النازية على طفلة فلسطينية. المفارقة صارخة ومؤلمة نفسياً؛ فالأداة التي استخدمتها "إسرائيل" لكسب التعاطف العالمي -وهي صورة الضحية البريئة- هي نفسها الصورة التي تسحقها اليوم بآلتها العسكرية. "دولة" قامت على صورة الطفلة الضحية، تحوّلت إلى قاتلة طفلة أخرى.آنا كانت جسراً لتعاطف العالم مع اليهود، وهند تكشف اليوم الوجه الآخر لـ "إسرائيل": من ضحية مضطهَدة _ "اليهود"_ إلى جلّاد "الصهيونية" يعيد صناعة الألم الذي ادّعى أنه وُجد ليمنع تكراره.

كما صارت آنا فرانك رمزاً لفهم النازية في الأمس، تتحوّل هند رجب إلى رمز لفهم الصهيونية في الحاضر. الفن والأدب لا يغيّران نتائج المعارك، لكنهما يغيّران وعي الأجيال. إنهما يحوّلان المأساة من حدث عابر إلى ذاكرة طويلة المدى، عصيّة على الطمس والنسيان. فالعمل الفني يجرّد المأساة من خصوصيتها الضيّقة، ليجعلها ملكاً للوجدان العالمي، فيبكيها الياباني كما يبكيها البرازيلي، لأنها لم تعد قصة "هند" فقط، بل قصة "الطفولة" في مواجهة الوحشية. إنه الدور نفسه الذي أدّته لوحة "غرنيكا" لبيكاسو، التي حوّلت قصف قرية إسبانية إلى صرخة عالمية خالدة ضدّ وحشية الحرب، أو رواية "كوخ العم توم" التي كشفت فظاعة العبودية لجمهور لم يعشها.

وهنا تتجلّى سطوة الفنّ الأخلاقية. فالسياسة، بلغة مصالحها المعقّدة، تتقن فنّ التبرير وتستخدم مصطلحات باردة كـ"الأمن القومي" لتجريد أفعالها من إنسانيتها. أما الفن، فيتلقّف الحقيقة الخام - كاستغاثة طفلة على وشك الموت - وينسج منها شهادة خالدة. إنه لا يكتفي بعرض الأثر الصارخ للواقع، بل يعيد تشكيله في رؤية تتحدّى النسيان. فالفيلم الذي يضعنا في قلب لحظة هند الأخيرة، يحوّل صوتها من مجرّد دليل جنائي إلى ضمير يؤرق العالم. هكذا يهزم الفن تعقيدات السياسة؛ لأنه يخاطب ما هو أبدي فينا، إنسانيتنا المشتركة، ويجعل من المستحيل الاختباء خلف الأعذار الواهية. فلحظة فنية واحدة قادرة على فضح زيف ألف بيان سياسي، لأنها تراهن على الثابت في الروح، بينما تراهن السياسة على المتقلّب في المصالح.

إذا صارت آنا فرانك بعد عقود رمزاً عالمياً للضحايا، فإنّ هند رجب تصرخ في وجوهنا بأنّ العالم لم يتعلّم. ما زالت الطفولة تُباد، وما زال الصمت الدولي يتكرّر، وكأنّ ذاكرة الضحية أُفرغت من معناها.لكنّ صوت هند، والأفلام التي وثّقت استغاثتها، والدعاوى التي تحمل اسمها، كلّها تشي بأنّ الثقافة قد تسبق السياسة في كتابة الذاكرة، وربما في إعادة رسم مسار التاريخ. فحين تفشل الحكومات في تحقيق العدالة، قد تنجح قصيدة أو فيلم في إبقاء القضية حيّة في قلوب الملايين. العالم الذي بكى آنا فرانك لا يملك أن يصمت أمام هند رجب. وإلّا فإنّ الضحية التي تحوّلت إلى جلّاد ستبقى تكرّر الإبادة بلا عقاب، وسيظلّ الدرس المؤجّل يطرق أبواب الإنسانية المنهكة.

×
أخبار
تقرير حقوقي يكشف شهادات حول إطلاق حراس سجون الاحتلال النار على الأسرى الفلسطينيين داخل الزنازين نتنياهو يعلن إنشاء جدار أمني ضخم على الحدود الشرقية من اليرموك إلى إيلات ملادينوف يعلن تعليق تنسيق البضائع للقطاع الخاص بغزة ويدعو للإسراع بانتشار القوة الدولية الاتحاد الأوروبي ودول الخليج اتفقوا على تأجيل القمة المقرة بينهما في الرياض باكو: وفود عربية بيها فلسطين وتركيا وباكستان تغادر قاعة المؤتمر خلال كلمة هرتسوغ صندوق النقد الدولي يحذر من طول أمد الحرب والاضطرابات المتجددة كأكبر تهديد للشرق الأوسط الصحة: ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,396 شهيدا آيزنكوت يتعهّد بهزيمة "حماس" خلال 18 شهراً بعد قضية المسبحة.."استقالة" وزير الأوقاف الفلسطيني نتنياهو وسموتريتش يعتزمان نشر نحو ألفَي مراقب في صناديق الاقتراع بالبلدات العربية هجوم حوثي على مقر أرامكو بالظهران يدمر مكاتب الرئيس التنفيذي وكبار المسؤولين مجلس سلام ترامب لديمومة الموت في غزة! قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس: اقتحامات واعتقالات ومواجهات تحقيق جديد في الكونغرس حول تضارب مصالح كوشنر واستثماراته الإسرائيلية والخليجية سي إن إن: أمريكا تضع خططاً لاستخدام "أم القنابل" ضد إيران وثائق كتبها مساعدو نتنياهو تكشف مسؤوليته عن إخفاق 7 أكتوبر وتناقض روايته حول حماس الغارديان: إسرائيل تعرقل إنشاء قاعدة لمجلس السلام في غزة ترامب: كان ينبغي الإبقاء على قادة إيران السابقين لأنني لا أعرف مع من نتفاوض صفقة الديزل الروسي تثير الجدل.. ترامب يحمل زيلينسكي مسؤولية حرب الطاقة ويدعم موسكو تقرير: سياسات إيران ومحورها أضرت بالفلسطينيين وخدمت اليمين الإسرائيلي آيزنكوت يؤكد القدرة على هزيمة نتنياهو.. وينفي ادعاءاته بشأن عملية «البيجر» الأمم المتحدة ترصد غارات وقصفاً مكثفاً بجميع محافظات غزة وتطالب إسرائيل بوقف التضييق بالضفة باحث إسرائيلي: نتنياهو يصوغ «حقيقة بديلة» لهروب قيادته من مسؤولية إخفاق 7 أكتوبر السيسي يرد على سموتريتش برسالة إلى تل أبيب..ويؤكد موقف مصر مع فلسطين زيلنسكي: أشعر بالخيانة من قبل ترامب وهو لا يقف في الجانب الصحيح من التاريخ النقابة: جيش الاحتلال يشن حربا واسعة ضد الصحفيين الفلسطينيين لحجب جرائمها استطلاع عبري: قفزة في القوائم العربية وتقارب كبير بين المعارضة الصهيونية والتحالف الحاكم عشرات آلاف يتظاهرون في كولومبيا ضدّ الرئيس الجديد احتجاجا على سياستة الاجتماعية بيلاي: عقوبات ترامب على الجنائية الدولية غير قانونية..ربما رد فعل على خسارته نوبل أوباما: حكومة نتنياهو فقدت المبادئ الأخلاقية بتجاهلها حقوق الشعب الفلسطيني

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط