تاريخ النشر: 2026-10-09 | 16:23
تاريخ النشر: 2026-10-09 | 16:23
ليست أزمة القنصلية البريطانية في القدس الشرقية مجرد خلاف دبلوماسي، بل نافذة تكشف امتداد صراع بدأ منذ بدايات القرن العشرين ولا يزال الفلسطينيون يدفعون ثمنه. فالمسؤولية البريطانية لا يمكن تمييعها أو نقلها إلى العرب أو الفلسطينيين.
بريطانيا أصدرت وعد بلفور وتولت الانتداب وأسهمت في تمكين المشروع الصهيوني، ثم جاء قرار تقسيم فلسطين عام 1947 في سياق دولي منحاز لم يراع حق الشعب الفلسطيني في أرضه. ومن ثم حرب 1948 التي نتج عنها قيام إسرائيل على نحو 78 في المئة من فلسطين التاريخية وتهجير أكثر من نصف الشعب الفلسطيني. ثم احتلال ما تبقى من الأرض عام 1967، ليتحوّل الاحتلال تدريجيًا إلى مشروع للضم والاستيطان وفرض الأمر الواقع.
المجتمع الدولي لم يمنح الاحتلال شرعية سيادة، بل أكّد مبدأ عدم جواز اكتساب الأرض بالقوة، كما أكدت محكمة العدل الدولية. وفي القلب من ذلك تبقى القدس، أرضًا محتلة لا يمكن حسم وضعها بإجراءات أحادية.
المسؤولية البريطانية تاريخية وخاصّة، لأنها لم تكن مجرد داعمٍ من الخارج، بل دولة الوعد والانتداب والإطار الإداري الذي مهّد لقيام إسرائيل.
ولا يصح أن تُحمّل هذه المسؤولية للعرب أو الفلسطينيين، الذين قاوموا الانتداب والمشروع الصهيوني بوسائل متعددة، لكنهم واجهوا اختلالاً هائلاً في موازين القوى.
فلسطين اليوم ليست ملفاً إنسانياً أو شعاراً سياسياً، بل قضية حق في الحرية وتقرير المصير. وبريطانيا أمام اختبار تاريخي مضاعف، إن أرادت تحويل إرثها من صناعة المأساة إلى المساهمة في إنهائها؛ عبر خطوات عملية تُنهي الاحتلال، وتحمي القدس الشرقية، وتصون وحدة الأرض الفلسطينية، وتمكّن الشعب الفلسطيني من ممارسة حقّه في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة.
وما حدث في أزمة القنصلية ليس القضية بحد ذاتها، بل علامة على قضية أكبر: مستقبل الأرض، ومستقبل شعبٍ يطالب بحقه، ومصير نظامٍ دولي يقول إن الاحتلال لا يولّد سيادة، ثم يسمح باستمراره جيلاً بعد جيل.
والسؤال اليوم ليس عن إدارة أزمة دبلوماسية عابرة، بل عن قدرة بريطانيا والمجتمع الدولي على الانتقال من إدارة نتائج القضية إلى المساهمة في حلّها. فالتاريخ لا يُمحى، لكن يمكن التعلم منه إذا توفرت الإرادة السياسية لاحترام القانون الدولي وإنهاء الاحتلال، وفتح الطريق لسلام عادل يقوم على الحرية والكرامة وحق الشعوب في تقرير مصيرها.
د. عبد الرحيم جاموس،
٨ أكتوبر ٢٠٢٦.
الموافقة على شروط النشر: 1
صورة شخصية للكاتب:
ارفاق ملف:
روابط التواصل الاجتماعي: