مجلس السلام تحول إلى مجلس لديمومة احتلال قطاع غزة..بدلا من العمل نحو تعافي قطاع غزة المبكر

من ركام الحرب إلى إدارة الجهل

من ركام الحرب إلى إدارة الجهل

تاريخ النشر: 2026-02-11 | 14:31

بين الدمار والفراغ المعرفي، يقف التعليم الفلسطيني في مواجهة حربٍ صامتة؛ ففي خضمّ العدوان وتداعياته الكارثية، يخوض التعليم في غزة اختبارًا وجوديًا لا يقلّ خطورة عن الدمار المادي الذي طال الحجر والبشر.
فالمعركة اليوم لم تعد محصورة في إعادة فتح المدارس أو تعويض الفاقد التعليمي، بل باتت معركة على معنى التعليم ذاته: هل هو حقّ عام ومشروع وطني، أم نشاط إسعافي هشّ يُدار بعقلية السوق، قابل للتسليع والاستثمار في لحظة الانهيار؟

بعد حرب الإبادة التي تعرّض لها القطاع، انهارت المنظومة التعليمية عمليًا. ووفق تقديرات اليونيسف مطلع عام 2026، تضرّر أو دُمّر أكثر من 90% من المدارس في قطاع غزة، فيما يُحرم نحو 60% من الطلبة من أي وصول منتظم إلى التعليم الحضوري. وفي ظل هذا الانهيار، لم يلتحق سوى نحو نصف الطلبة بأشكال تعليمية بديلة، كثير منها مُجزّأ ومُختلّ، مع تداخل في التسجيل، واختزال فادح في المحتوى والزمن التعليميين. هذه المعطيات لا تعبّر فقط عن خلل تقني أو ظرف طارئ، بل تكشف حجم الكارثة المعرفية التي تتشكّل ببطء تحت غبار الحرب، كما تشكّل مؤشرًا سياسيًا خطيرًا على تفكّك الدور العام، وعلى التعامل مع التعليم بوصفه ملفًا إغاثيًا لا أولوية وطنية.

في هذا الفراغ، تصدّرت المشهد عشرات، بل مئات، من الوحدات التعليمية التي سُمّيت "مبادرات"، بوصفها استجابة ضرورية لحاجة مُلحّة. ولا يمكن إنكار أنّ بعض هذه الجهود أدّى دورًا إسعافيًا محدودًا، غير أنّ الإشكال يبدأ حين يتحوّل الاستثناء إلى قاعدة، وحين يُستَخدم العمل التطوعي غطاءً لغياب التخطيط، وتُحوَّل المعاناة إلى مادة للتمويل، ويغدو التعليم مساحة استعراض للمانحين لا مسارًا منضبطًا لبناء الوعي. ففي الواقع الملموس، نجد طلبة يتداخل تسجيلهم ويدرسون المحتوى ذاته في أكثر من نقطة تعليمية، فيما تُهمَل مواد أساسية، أو تُختزل المعرفة في ملخّصات سريعة بلا تسلسل أو تقييم. ويُضاف إلى ذلك افتقار هذه النقاط إلى الحدّ الأدنى من المقومات اللوجستية التي تضمن بيئة تعليمية ملائمة. هنا لا نواجه خللًا طارئًا، بل نمطًا متكاملًا لإدارة الفراغ، تُدار فيه الفوضى باسم المبادرة، ويُعاد إنتاج الجهل تحت لافتة الإنقاذ.

الأشدّ خطورة أنّ هذا النمط لا يعالج الهشاشة والانهيار، بل يعيد إنتاجهما. فحين يُختزل التعليم ويُفكَّك في مبادرات متفرّقة بلا معايير وطنية ولا مساءلة، لا يُبنى وعيٌ معرفي، بل يُراكَم فاقدٌ معرفي، وتُعمَّق اللامساواة، وتُفرَّغ الأجيال من أدوات النقد والفهم. وهكذا لا يعود الجهل نتيجة جانبية للحرب، بل موردًا يُدار ويُستثمر سياسيًا واجتماعيًا في سياق الفوضى، وتحت شعارات الإغاثة والتدخّل العاجل.

إنّ التحدّي الحقيقي لا يكمن في عدد الصفوف المؤقتة أو نقاط التعليم الطارئة، بل في استعادة المعنى السياسي والأخلاقي للتعليم. فالتعليم، في سياق غزة، ليس قطاعًا خدميًا محايدًا، بل ساحة صراع على الذاكرة والمعنى والمستقبل، وفعل مقاومة بامتياز: مقاومة للنسيان، وللهيمنة، ولمحاولات إنتاج جيل معطّل الوعي والقيم ومعلّق التاريخ. وهذا يتطلّب شجاعة جماعية لمواجهة تجارة الجهل، والانتقال من منطق الإغاثة إلى منطق الاستراتيجية، ومن إدارة الكارثة إلى مساءلة أسبابها ومآلاتها.

من هنا، فإنّ استعادة التعليم ليست مسألة صفوف مؤقتة أو مناهج مختصرة، بل معركة سياسية وأخلاقية بامتياز؛ معركة تتطلّب كسر منطق السوق الإغاثي، ووقف العبث القائم باسم المبادرات، والانتقال من إدارة الكارثة إلى مواجهتها. وتشكل الخطوة الأولى في هذا المسار تشكيل هيئة تعليم طوارئ وطنية موحّدة، بمرجعية واضحة، ومعايير ملزمة، وقدرة فعلية على التنسيق والمساءلة، وربط أي جهد تعليمي بخطة شاملة لإعادة بناء النظام التعليمي.

من دون ذلك، سيبقى التعليم في غزة يدور في حلقة مفرغة: ينجو شكليًا، ويتآكل جوهريًا، فيما يُدار الخراب باسم إنقاذه، ويُنتَج جيل كامل معلّق بين الصدمة والفراغ.

×
أخبار
استهداف قصر معاشيق الرئاسي في عدن بـ 4 صواريخ باليستية وتصاعد كثيف للدخان نتنياهو: أمليت موقفي على الشرع في مكالمة قصيرة وواضحة لوقف استهداف الدروز في خطوة تاريخية.. رابطة أمريكية للعلوم السياسية تصويت بالأغلبية لصالح المقاطعة الأكاديمية لإسرائيل السيسي: أمن السعودية ودول الخليج خط أحمر واستقرار غزة والسودان وليبيا من مقتضيات الأمن القومي العربي شبكة إعلانات إسرائيلية تتجسس على ملايين المستخدمين والمؤسسات الدولية لصالح شركات اختراق وتجسس تقرير حقوقي يكشف شهادات حول إطلاق حراس سجون الاحتلال النار على الأسرى الفلسطينيين داخل الزنازين نتنياهو يعلن إنشاء جدار أمني ضخم على الحدود الشرقية من اليرموك إلى إيلات ملادينوف يعلن تعليق تنسيق البضائع للقطاع الخاص بغزة ويدعو للإسراع بانتشار القوة الدولية الاتحاد الأوروبي ودول الخليج اتفقوا على تأجيل القمة المقرة بينهما في الرياض باكو: وفود عربية بيها فلسطين وتركيا وباكستان تغادر قاعة المؤتمر خلال كلمة هرتسوغ صندوق النقد الدولي يحذر من طول أمد الحرب والاضطرابات المتجددة كأكبر تهديد للشرق الأوسط الصحة: ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,396 شهيدا آيزنكوت يتعهّد بهزيمة "حماس" خلال 18 شهراً بعد قضية المسبحة.."استقالة" وزير الأوقاف الفلسطيني نتنياهو وسموتريتش يعتزمان نشر نحو ألفَي مراقب في صناديق الاقتراع بالبلدات العربية هجوم حوثي على مقر أرامكو بالظهران يدمر مكاتب الرئيس التنفيذي وكبار المسؤولين مجلس سلام ترامب لديمومة الموت في غزة! قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس: اقتحامات واعتقالات ومواجهات تحقيق جديد في الكونغرس حول تضارب مصالح كوشنر واستثماراته الإسرائيلية والخليجية سي إن إن: أمريكا تضع خططاً لاستخدام "أم القنابل" ضد إيران وثائق كتبها مساعدو نتنياهو تكشف مسؤوليته عن إخفاق 7 أكتوبر وتناقض روايته حول حماس الغارديان: إسرائيل تعرقل إنشاء قاعدة لمجلس السلام في غزة ترامب: كان ينبغي الإبقاء على قادة إيران السابقين لأنني لا أعرف مع من نتفاوض صفقة الديزل الروسي تثير الجدل.. ترامب يحمل زيلينسكي مسؤولية حرب الطاقة ويدعم موسكو تقرير: سياسات إيران ومحورها أضرت بالفلسطينيين وخدمت اليمين الإسرائيلي آيزنكوت يؤكد القدرة على هزيمة نتنياهو.. وينفي ادعاءاته بشأن عملية «البيجر» الأمم المتحدة ترصد غارات وقصفاً مكثفاً بجميع محافظات غزة وتطالب إسرائيل بوقف التضييق بالضفة باحث إسرائيلي: نتنياهو يصوغ «حقيقة بديلة» لهروب قيادته من مسؤولية إخفاق 7 أكتوبر السيسي يرد على سموتريتش برسالة إلى تل أبيب..ويؤكد موقف مصر مع فلسطين زيلنسكي: أشعر بالخيانة من قبل ترامب وهو لا يقف في الجانب الصحيح من التاريخ

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط