مجلس السلام تحول إلى مجلس لديمومة احتلال قطاع غزة..بدلا من العمل نحو تعافي قطاع غزة المبكر

ما بعد الأنقاض: كيف تُدار غزة المدمَّرة كامتداد للعدوان بوسائل غير عسكرية؟

ما بعد الأنقاض: كيف تُدار غزة المدمَّرة كامتداد للعدوان بوسائل غير عسكرية؟

تاريخ النشر: 2025-12-19 | 11:29

الدمار في غزة لم يكن مجرد أثر جانبي لعمليات الاحتلال العسكرية، بل تحوّل إلى مشهد دائم، صورة مفتوحة على الزمن، تُعيد إنتاج الجريمة كل يوم. الركام كان وما زال شاهداً صامتاً، لكنه ناطق أخلاقياً وقانونياً. من هنا جاء الضغط الأمريكي. واشنطن، التي أدارت العدوان عسكرياً وسياسياً وحمته دبلوماسياً، أدركت أن استمرار الركام يعني استمرار النزف في صورتها الدولية، واستمرار فتح الملف الجنائي أمام المحاكم الدولية والوطنية، ليس ضد الاحتلال الإسرائيلي وحده، بل ضد كل من وفّر له الغطاء .

إزالة الركام، في هذا السياق، لم تكن خياراً نابعاً من مراجعة أخلاقية لدى الاحتلال الإسرائيلي، بل استجابة لوظيفة محددة: الانتقال من زمن الحرب إلى زمن ما بعد الحرب دون المرور عبر بوابة المساءلة. الإدارة الأمريكية احتاجت إلى خطوة ملموسة تقول للعالم إن المرحلة تغيّرت. وإسرائيل، رغم الكلفة الباهظة للعملية، التي قد تصل إلى مئات ملايين الدولارات، قبلت بهذا الدور لأنها تدرك أن الكلفة القانونية والسياسية لترك الركام أعلى بكثير .

في منطق إدارة ما بعد الحرب، لا يمكن السيطرة على إقليم مدمّر بالكامل. قطاع غزة المكدّس بالأنقاض يُنتج فوضى لا تُدار، وفراغاً أمنياً لا يُضبط، ومجتمعاً مكلوماً على حافة الانفجار الدائم. إزالة الركام هي الشرط الأول لإعادة قابلية المكان للإدارة، أيّاً كانت هذه الإدارة: سلطة محلية، وصاية دولية وفق القرار 2803، أو ترتيبات انتقالية هجينة. لا حكم فوق الركام، ولا أمن في مدينة بلا طرق ولا خرائط . لكن البعد الأخطر يكمن في المسار القضائي. فوفق معايير القانون الجنائي الدولي، الركام ليس مجرد نفايات حرب، بل مسرح جريمة مفتوح. تحته جثث وبقايا ذخائر، وأنماط تدمير، ودلائل على الاستهداف واسع النطاق، وعلى مبدأ التناسب أو غيابه. بقاء الركام يعني بقاء الأدلة، واستمرار إمكانية التحقيق المستقل. أما إزالته، ولا سيما إذا جرت دون إشراف دولي محايد، فتُضعف سلسلة الإثبات، وتُربك عمل المحققين، وتحوّل الجريمة من واقعة قائمة إلى حدث مضى .

هنا يظهر البعد الوظيفي لإزالة الركام: تقليص الاستمرارية الزمنية للجريمة. لا محواً للمسؤولية، بل حصراً لها في الماضي، ونقل الملف من خانة الانتهاك المستمر إلى خانة الأضرار التي تُعالج. هذا التحول، في القانون الدولي، ليس تفصيلاً لغوياً، بل فارقاً حاسماً في توصيف الجريمة وفي نطاق الولاية القضائية . في الوقت نفسه، كان وما زال الركام أحد أعمدة السردية الإنسانية المضادة للاحتلال الإسرائيلي. صور المدن المسوّاة بالأرض، وجثث الأطفال (الأشبال والزهرات) بين الأنقاض، والمدارس والجامعات والمستشفيات المدمّرة، غرق خيم النازحين بمياه الأمطار شكّلت مادة يومية للإعلام الدولي ولتقارير المنظمات الحقوقية. إزالة الركام تعني كسر هذه الاستمرارية البصرية. الكاميرا ستجد أقلّ مما تصوّره، والخطاب سيتحوّل تدريجياً من سؤال: من دمّر؟ إلى سؤال: من يساعد؟ انتقال ناعم، لكنه بالغ الأثر .

العلاقة مع الحلفاء الغربيين، ولا سيما الأنجلوسكسون، كانت حاضرة بقوة في هذا القرار. دول أوروبية عدة واجهت دعاوى قضائية وضغوطاً داخلية بسبب دعمها العسكري والسياسي للاحتلال الإسرائيلي. تحمّل إسرائيل كلفة إزالة الركام يمنح هذه الدول مخرجاً مريحاً؛ إذ يمكنها لاحقاً المشاركة في الإغاثة أو الإعمار دون أن تُتهم بالمساهمة في جريمة مستمرة. المال الصهيو-أمريكي هنا يعمل كحاجز حماية سياسي للحلفاء، لا كتعويض لضحايا العدوان .

ثم يأتي الاقتصاد السياسي للدمار. إزالة الركام ليست نهاية الدمار، بل بوابة الإعمار. من يتحكم بالإزالة يتحكم بالخطوة التالية: من يدخل مواد البناء، من ينفذ المشاريع، من يموّل، ومن يراقب. القبول الإسرائيلي بتحمّل الكلفة يمنحها موقع المتحكم الأول في مفصل الإعمار، حتى وإن لم تُموّل البناء نفسه. الإزالة هنا ليست خدمة، بل استثماراً في السيطرة على المستقبل العمراني والاقتصادي لقطاع غزة . البعد الأمني لا يقل أهمية. الركام يُخفي ما لا ترغب إسرائيل في بقائه مخفياً: أنفاق، ومخازن، وبقايا بنية تحتية عسكرية. عملية الإزالة تتحول عملياً إلى مسح استخباري شامل، وإعادة رسم للجغرافيا القتالية، وتجريد للمكان من عناصر المفاجأة. كل جرافة، في هذا السياق، تعمل بوظيفة مزدوجة: إزالة حجر، وكشف معلومة .

وأخيراً، يبرز الاستباق السياسي. أي حديث دولي عن تسوية مستقبلية، أو إدارة انتقالية، أو حتى مؤتمر دولي، سيبدأ من سؤال المسؤولية. عندما تُزال الأنقاض، يُعاد ترتيب النقاش. يصبح الحديث عن المستقبل أسهل من الحديث عمّا جرى. تُفرض وقائع تفاوضية مسبقة، ويُدفع الملف الحقوقي خطوة إلى الخلف لصالح مقاربة إدارية وظيفية . اللافت أن الاحتلال الإسرائيلي، رغم قبوله إزالة الركام، يرفض بشكل واضح تحمّل مسؤولية الإعمار. هذا التمييز ليس تقنياً، بل سياسي بامتياز. الإزالة تُصنَّف كالتزام قانوني أدنى مفروض على قوة احتلال، أما الإعمار فيعني اعترافاً بالمسؤولية عن التدمير، وما يستتبعه من تعويض وجبر ضرر. لذلك تُزال الأنقاض، ويُترك البناء للعالم . بهذا المعنى، ليست إزالة الركام في قطاع غزة صفحة إنسانية بيضاء، بل فصلاً جديداً من إدارة الصراع بأدوات غير عسكرية. حرب انتهت بالقصف، وتستمر بالجرافات، تحت ضغط أمريكي، وبحسابات إسرائيلية دقيقة، وعلى حساب سؤال العدالة الذي ما زال معلّقاً بين السماء والأنقاض التي أُزيحت، فيما آثارها لم تُمحَ .

سامحونا؛؛؛

×
أخبار
ليبرمان يرفض دعم حكومة أقلية ويتعهد بائتلاف "صهيوني حصراً" استهداف قصر معاشيق الرئاسي في عدن بـ 4 صواريخ باليستية وتصاعد كثيف للدخان نتنياهو: أمليت موقفي على الشرع في مكالمة قصيرة وواضحة لوقف استهداف الدروز في خطوة تاريخية.. رابطة أمريكية للعلوم السياسية تصويت بالأغلبية لصالح المقاطعة الأكاديمية لإسرائيل السيسي: أمن السعودية ودول الخليج خط أحمر واستقرار غزة والسودان وليبيا من مقتضيات الأمن القومي العربي شبكة إعلانات إسرائيلية تتجسس على ملايين المستخدمين والمؤسسات الدولية لصالح شركات اختراق وتجسس تقرير حقوقي يكشف شهادات حول إطلاق حراس سجون الاحتلال النار على الأسرى الفلسطينيين داخل الزنازين نتنياهو يعلن إنشاء جدار أمني ضخم على الحدود الشرقية من اليرموك إلى إيلات ملادينوف يعلن تعليق تنسيق البضائع للقطاع الخاص بغزة ويدعو للإسراع بانتشار القوة الدولية الاتحاد الأوروبي ودول الخليج اتفقوا على تأجيل القمة المقرة بينهما في الرياض باكو: وفود عربية بيها فلسطين وتركيا وباكستان تغادر قاعة المؤتمر خلال كلمة هرتسوغ صندوق النقد الدولي يحذر من طول أمد الحرب والاضطرابات المتجددة كأكبر تهديد للشرق الأوسط الصحة: ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,396 شهيدا آيزنكوت يتعهّد بهزيمة "حماس" خلال 18 شهراً بعد قضية المسبحة.."استقالة" وزير الأوقاف الفلسطيني نتنياهو وسموتريتش يعتزمان نشر نحو ألفَي مراقب في صناديق الاقتراع بالبلدات العربية هجوم حوثي على مقر أرامكو بالظهران يدمر مكاتب الرئيس التنفيذي وكبار المسؤولين مجلس سلام ترامب لديمومة الموت في غزة! قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس: اقتحامات واعتقالات ومواجهات تحقيق جديد في الكونغرس حول تضارب مصالح كوشنر واستثماراته الإسرائيلية والخليجية سي إن إن: أمريكا تضع خططاً لاستخدام "أم القنابل" ضد إيران وثائق كتبها مساعدو نتنياهو تكشف مسؤوليته عن إخفاق 7 أكتوبر وتناقض روايته حول حماس الغارديان: إسرائيل تعرقل إنشاء قاعدة لمجلس السلام في غزة ترامب: كان ينبغي الإبقاء على قادة إيران السابقين لأنني لا أعرف مع من نتفاوض صفقة الديزل الروسي تثير الجدل.. ترامب يحمل زيلينسكي مسؤولية حرب الطاقة ويدعم موسكو تقرير: سياسات إيران ومحورها أضرت بالفلسطينيين وخدمت اليمين الإسرائيلي آيزنكوت يؤكد القدرة على هزيمة نتنياهو.. وينفي ادعاءاته بشأن عملية «البيجر» الأمم المتحدة ترصد غارات وقصفاً مكثفاً بجميع محافظات غزة وتطالب إسرائيل بوقف التضييق بالضفة باحث إسرائيلي: نتنياهو يصوغ «حقيقة بديلة» لهروب قيادته من مسؤولية إخفاق 7 أكتوبر السيسي يرد على سموتريتش برسالة إلى تل أبيب..ويؤكد موقف مصر مع فلسطين

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط