تاريخ النشر: 2026-09-21 | 21:24
تاريخ النشر: 2026-09-21 | 21:24
باغتني الإعلامي محمد عبدالرحمن، قبل أيام على شاشة «القاهرة الإخبارية»، بسؤال بدا للوهلة الأولى خارج سياق الحلقة، أو بالأحرى خارج سياق التغطية التي خصصتها قناتنا الإخبارية الوطنية لمتابعة ما يجري في الشرق الأوسط بفعل الحرب على إيران، الممتدة منذ نهاية فبراير الماضي وحتي اليوم. كان السؤال مباشراً ومحمَّلاً بأكثر مما يبدو: لماذا تحظي مصر بتقدير ترامب؟
كان ذلك عنوان حديثي لدقائق قليلة مع الزميل المذيع، لكننا لم نتمكن من استكمال الإجابة؛ إذ قطعت علينا القناة حديثنا لنقل تصريح جديد للرئيس الأمريكي على الهواء مباشرة. بقي السؤال إذن معلقاً، وربما كان من الأفضل أن يبقي كذلك قليلاً، لأنه يستحق إجابة تتجاوز الانطباع الشخصي عن علاقة ترامب بالرئيس عبدالفتاح السيسي، إلى محاولة فهم كيف استطاعت القاهرة أن تبني معادلة خاصة مع رئيس لا يبدو مولعاً بمن يقولون له «لا».
الإجابة السهلة أن العلاقة بين الرجلين بدأت مبكراً قبل عشر سنوات بالتمام، منذ لقاء نيويورك في سبتمبر 2016، حين كان ترامب لا يزال مرشحاً للرئاسة، ثم تعززت في البيت الأبيض خلال ولايته الأولي، واستمرت لقاءاتهما واتصالاتهما بعد ذلك، وصولاً إلى عودة ترامب للبيت الأبيض. لكن اختزال العلاقة في الكيمياء الشخصية بين الرجلين يظلم السياسة المصرية، وربما يسيء فهم ترامب نفسه.
فالقاهرة لم تحصل على مساحة التقدير لأنها قالت لترامب «نعم»، وإنما لأنها عرفت متي تقول «لا»، وكيف تقولها. وقد كانت اللحظة الأكثر دلالة عندما طرح ترامب، في بداية ولايته الثانية، فكرة نقل الفلسطينيين من غزة إلى مصر والأردن. جاءت الإجابة المصرية واضحة وحاسمة: لا للتهجير، ولا لتحويل سيناء إلى بديل عن الوطن الفلسطيني، ولا لتصفية القضية الفلسطينية. ومع ذلك، لم تتحول «اللاءات» المصرية إلى مواجهة شخصية مع الرئيس الأمريكي، ولم تُغلق القاهرة أبواب التفاوض معه.
وهنا تحديداً يكمن واحد من أهم مفاتيح فهم العلاقة. مصر لم تدخل في معركة مع ترامب، لكنها لم تدخل أيضاً في مشروعه. أبقت قنوات الاتصال مفتوحة، وواصلت التفاوض، وتمسكت بمحدداتها، وفي الوقت نفسه استخدمت ما تملكه من أوراق: موقعها الجغرافي، وثقلها العربي، وحدودها مع غزة، ودورها في ملفات وقف إطلاق النار والأسري، وقدرتها على التواصل مع أطراف يصعب على واشنطن التعامل معها بالطريقة نفسها.
وهذه ليست مجرد براعة تفاوضية عابرة؛ إنها حصيلة دبلوماسية مصرية تعرف أن العلاقة مع الولايات المتحدة أكبر من الإدارة الموجودة في البيت الأبيض، وأن استقرارها لا يتحقق عبر قناة واحدة، وإنما عبر شبكة واسعة من الاتصالات بالمؤسسات الأمريكية المختلفة.
لذلك، ربما لا يكون السؤال الأدق: هل «يفضل» ترامب مصر على غيرها؟ فهذا استنتاج يصعب قياسه سياسياً. الأدق هو البحث عن أسباب استمرار مساحة التفاهم والاحترام في علاقة شهدت اختلافات حقيقية. ترامب يحتاج إلى دولة يعرف حدودها، ويدرك وزنها، ويعرف أن «لا» التي تقولها ليست مناورة عابرة، وإنما تعبير عن حسابات دولة.
ومصر، بالنسبة إلى واشنطن، ليست دولة يمكن اختزالها في موقف سياسي أو استبدالها بسهولة. موقعها يجعلها لاعباً مركزياً في أمن الشرق الأوسط والبحر الأحمر وقناة السويس، وفي معادلة إسرائيل وغزة، وفي التوازنات العربية، وفي ملفات تتقاطع فيها المصالح الأمريكية والإقليمية بصورة مباشرة.
وهنا ربما تكمن المفارقة الأهم: مصر حظيت بتقدير ترامب، لا لأنها وافقته أكثر من الآخرين، وإنما لأنها عرفت كيف تختلف معه دون أن تتحول إلى خصم، وكيف تقول «لا» عندما تتعلق المسألة بثوابتها وأمنها القومي، مع إبقاء أبواب الحوار مفتوحة عندما تتقاطع المصالح.
وفي عالم مضطرب، تتغير فيه التحالفات وتختبر فيه الدول قدرتها على المناورة، قد تكون القدرة على إدارة الاختلاف أهم من مجرد القدرة على إدارة الاتفاق. وربما هذا هو ما منح العلاقة الاستراتيجية بين الولايات المتحدة ومصر قدراً من الرسوخ، رغم ما مرت به من محطات تجاذب وتقاطع خلال تاريخها القريب، منذ أن دشن الرئيس الراحل أنور السادات هذا المسار السياسي عقب الانتصار المصري في حرب أكتوبر سنة 1973، وتطورت ملامحه عبر عقود من التحولات الإقليمية والدولية.
وهو إرث حافظت عليه الدولة المصرية على مدي العقود التالية، وظلت الإدارات الأمريكية المتعاقبة، جمهورية كانت أم ديمقراطية، تتعامل معه انطلاقاً من مصالحها المتغيرة وحساباتها المختلفة. فالمصالح تتصالح حتي وإن اختلفت المبادئ.
الوطن المصرية