تاريخ النشر: 2026-09-26 | 17:47
تاريخ النشر: 2026-09-26 | 17:47
لندن: نشرت صحيفة "ذا آي بيبر" (The i Paper) البريطانية تقريراً أعده المراسل السابق في موسكو والأكاديمي جيمس رودجرز (James Rodgers)، ونقله مركز "MENA INTEL BRIEF"، يوثق كيف تزداد معركة التجسس التاريخية بين موسكو ولندن حدة، مع تحوّل جوهري في طبيعتها: الانتقال من الاعتماد على الجواسيس التقليديين والمصنفين كـ "شرعيين" أو "غير شرعيين" إلى شبكة جديدة من "العملاء المأجورين" عبر الإنترنت لتنفيذ عمليات تخريبية فردية ومباشرة.
ينقل المقال عن أندريه سولداتوف (Andrei Soldatov)، الخبير المتخصص بأجهزة الاستخبارات الروسية والمؤلف المشارك لكتاب "أصدقاؤنا الأعزاء في موسكو"، أن الاستخبارات الروسية تنظر إلى بريطانيا كعدو دائم يبحث عن نقاط ضعف لاستغلالها. ويضيف أن "هشاشة الدولة الروسية" تشكل جزءاً رئيساً من أيديولوجيا الأجهزة الأمنيّة في موسكو.
ويعيد التقرير جذور التنافس إلى:
حقبة الثورة البلشفية: المحاولات الغربية والبريطانية للإطاحة بنظام لينين عقب ثورة أكتوبر 1917.
الحرب الباردة: استمرار الصراع الذي أنتج شخصيات استخباراتية بارزة مثل "كيم فيلبي" (Kim Philby)، الذي يعتبر حتى اليوم أكبر بطل استخباراتي في تاريخ الأجهزة الروسية بعد عمله لصالح السوفييت من داخل وزارة الخارجية البريطانية.
فترة التعاون المؤقت والتجسس المتبادل: شهدت فترة التسعينيات وبدايات عهد بوتين تعاوناً تجارياً ودبلوماسياً بالتوازي مع التجسس المتواصل، مستشهداً بـ "واقعة الصخرة المزيفة" عام 2006 التي استخدمها دبلوماسيون بريطانيون لمعدات إلكترونية في موسكو، بالإضافة إلى أن نحو نصف المراسلين الأجانب السوفييت كانوا يرفعون تقارير لصالح جهاز الاستخبارات العسكرية الروسي (GRU).
يوضح المقال أن مرحلة العلاقات المستقرة نسبياً انتهت تماماً مع الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا عام 2022، وما تلاه من تصعيد واستبعاد دبلوماسي شمل طرد الملحق العسكري الروسي عام 2024 بعد وصفه بـ "ضابط استخبارات عسكرية غير معلن".
إلا أن التحول الأهم برز في تغيير تكتيكات التجنيد:
تجاوز النموذج التقليدي: لم يعد الكرملين يعتمد بالكامل على الجواسيس "الشرعيين" (تحت غطاء دبلوماسي) أو "غير الشرعيين" (بهويات مزيفة تُبنى على مدى سنوات بكلفة باهظة).
عملاء الإنترنت والاستخدام المباشر: ظهور نوع جديد من الجواسيس أصعب في التعقب وأرخص كلفة، يجري تجنيدهم عبر شبكة الإنترنت وتطبيقات التواصل لتنفيذ هجمات فردية لمرة واحدة.
حادثة مستودع شرق لندن (2024): استشهد المقال بهجوم حرق تعرض له مستودع يحوي إمدادات لأوكرانيا في شرق لندن، نظمه رجل تواصل مع مجموعة "فاغنر" الروسية عبر تطبيق "تيليغرام"، وصدرت على إثره أحكام بالسجن بحق 6 أشخاص.
يحذر الخبير أندريه سولداتوف من خطر إضافي متصاعد يتمثل في "قدامى محاربي الحرب الروسية في أوكرانيا"، واصفاً إياهم بأنهم "ليس لديهم ما يخسرونه وسيكونون أكثر عدوانية وأقل اهتماماً بالمخاطر التي يتحملونها" في حال تم توجيههم لعمليات داخل أوروبا وبريطانيا.
وعلى الصعيد الدبلوماسي والإقليمي، يسلط التقرير الضوء على التباين في التعاطي الروسي بين واشنطن ولندن:
المسار الأمريكي: تحافظ موسكو على قدر من ضبط النفس والهدوء تجاه البيت الأبيض طالما استمرت المحادثات والاتصالات غير المباشرة (مثل زيارة مدير المخابرات المركزية جون راتكليف ومحادثات مبعوثي ترامب ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر).
المسار البريطاني: تتجه العلاقة مع لندن نحو تدهور وانقطاع مستمر، أظهره مغادرة السفير الروسي في يوليو والتكهنات بشأن خفض التمثيل الدبلوماسي.
ويخلص التقرير إلى أن تراجع التمثيل الدبلوماسي الرسمي بين موسكو ولندن لن يوقف النشاط الاستخباراتي الروسي، بل سيزيد من اعتماد الكرملين على عملاء مأجورين لتنفيذ عمليات التجسس والتخريب بعيداً عن أطر العلاقات الرسمية.