مجلس السلام تحول إلى مجلس لديمومة احتلال قطاع غزة..بدلا من العمل نحو تعافي قطاع غزة المبكر

لا تُسقط الدولَ العربية أزماتها… بل تُسقطها حين تجعل المواطن يدفع ثمن فشلها

لا تُسقط الدولَ العربية أزماتها… بل تُسقطها حين تجعل المواطن يدفع ثمن فشلها

تاريخ النشر: 2026-09-18 | 15:14

كنانة خلف الكردي
كنانة خلف الكردي

ليست المشكلة الكبرى أن تكون الدولة فقيرة، أو أن تمر بأزمة اقتصادية، أو أن تواجه مرحلة سياسية مضطربة؛ فالتاريخ مليء بدول عاشت الحروب والانهيارات والعقوبات والكوارث، ثم استطاعت أن تعيد بناء نفسها. المشكلة تبدأ عندما تتحول أزمة الدولة إلى عبء يُلقى على المواطن، ويصبح المواطن هو الحلقة التي تدفع ثمن فشل السياسات العامة.

هناك فرق جوهري بين دولة تواجه أزمة، ودولة تعاقب مواطنيها بسبب الأزمة. الأولى تبحث عن حلول وتوزع الأعباء بعدالة، أما الثانية فتبدأ برفع الأسعار والضرائب والرسوم، وتخفيض الخدمات، وتقييد الحركة الاقتصادية، ثم تطلب من المواطن أن يتحمل المزيد، بينما تبقى آليات الإدارة والرقابة وصناعة القرار على حالها.

وهنا تتحول الأزمة الاقتصادية من مشكلة مالية إلى أزمة ثقة سياسية.

الدولة لا تُقاس فقط بحجم مواردها، بل بقدرتها على إدارة ندرتها. ففي أوقات الرخاء تستطيع المؤسسات إخفاء الكثير من عيوبها، أما في أوقات الأزمات فتظهر حقيقة الإدارة: هل تعرف أين تذهب الموارد؟ هل تستطيع ضبط الأسواق؟ هل تملك معلومات دقيقة؟ هل تتواصل مع الناس؟ وهل تتخذ قراراتها بناءً على دراسة أم كرد فعل للضغط اللحظي؟

أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن تتعامل الدولة مع المواطن باعتباره المشكلة، بدل أن تنظر إلى الخلل في النظام الاقتصادي والإداري بوصفه المشكلة.

عندما ترتفع أسعار الطاقة، مثلاً ، لا تنحصر آثار القرار في سعر الوقود. فالوقود يدخل في النقل والإنتاج والزراعة والصناعة والخدمات، وبالتالي فإن الزيادة تنتقل سريعًا إلى أسعار الغذاء والسلع وأجور النقل. وإذا لم ترافق القرارَ شبكة حماية اجتماعية ورقابة حقيقية، فإن السوق قد يتحول إلى مساحة لاستغلال الأزمة، ويظهر تجار الأزمات والسوق السوداء والاحتكار.

عندها لا يعود المواطن يواجه قراراً اقتصادياً واحداً ، بل سلسلة متتابعة من الأعباء.

أما سياسياً ، فإن أخطر الأخطاء هو الاعتقاد بأن قدرة الناس على التحمل بلا حدود. المواطن قد يصبر على الفقر، وقد يتحمل نقص الخدمات، وقد يقبل بإجراءات صعبة إذا شعر أن الدولة صادقة وعادلة وأن المسؤولين يشاركونه العبء نفسه. لكنه يصبح أكثر غضباً عندما يرى أن التضحيات مطلوبة منه وحده، بينما لا يرى إصلاحًا موازيًا داخل المؤسسات.

وهنا تظهر قاعدة استراتيجية مهمة:

الأزمات الاقتصادية لا تُسقط الحكومات وحدها؛ الذي يسقط الثقة هو شعور المواطن بأن الدولة لا ترى معاناته.

لذلك فإن الدول التي تمر بمرحلة انتقالية تحتاج إلى إدارة سياسية للأزمة الاقتصادية، لا إلى إدارة مالية فقط. فالقرار الاقتصادي يجب أن يسبقه تقدير لتداعياته الاجتماعية والسياسية، وأن يترافق مع خطة اتصال واضحة تشرح للناس لماذا اتُخذ، وما مدته، ومن سيتحمل تكلفته، وما الإجراءات التي ستحمي الفئات الأكثر ضعفًا.

الدولة القوية ليست الدولة التي لا ترتكب الأخطاء، بل الدولة التي تكتشف الخطأ مبكراً وتصححه قبل أن يتحول إلى أزمة عامة.

ومن هنا تصبح الرقابة، والإحصاء، والإنذار المبكر، والشفافية، والإعلام الحكومي الفعّال، جزءاً من الأمن الوطني، وليست أدوات إدارية ثانوية.

كما أن الإصلاح الاقتصادي لا يمكن أن ينجح إذا لم يترافق مع إصلاح إداري. فلا معنى لفتح السوق إذا كانت الرقابة ضعيفة، ولا معنى لتحرير الأسعار إذا كانت المنافسة غير عادلة، ولا معنى لتحميل المواطن كلفة الإصلاح إذا لم يرَ في المقابل إصلاحًا حقيقيًا في مؤسسات الدولة.

إن الدولة التي تريد عبور الأزمة تحتاج إلى عقد واضح مع مواطنيها: نحن نطلب منكم التحمل، لكننا في المقابل نتحمل مسؤوليتنا في الإصلاح.

وهذا هو الفارق بين دولة تدير أزمة ودولة تنتج أزمة.

في النهاية، لا ينبغي لأي دولة أن تعاقب مواطنيها على ضعفها الاقتصادي أو السياسي. فالمواطن ليس مسؤولًا عن أخطاء السياسات العامة، لكنه أول من يدفع ثمنها عندما تتراكم. ولذلك فإن حماية المواطن في زمن الأزمة ليست منّة، بل وظيفة أساسية للدولة.

فالاقتصاد قد ينهار ويُعاد بناؤه، والمؤسسات قد تتعثر وتُصلح، أما انهيار الثقة بين الدولة والمجتمع، فإعادة بنائه تحتاج إلى سنوات طويلة.

ولهذا فإن الحكمة السياسية في زمن الأزمات ليست في مطالبة المواطن بأن يتحمل أكثر، بل في أن تجعل الدولة نفسها أكثر كفاءة، وأكثر عدالة، وأكثر قدرة على الاستماع والتصحيح.
الموافقة على شروط النشر: 1
صورة شخصية للكاتب: received_messages_from_pages/2026-09-17/6aac444ad3e4e-1789674570.jpeg
ارفاق ملف:
روابط التواصل الاجتماعي: https://x.com/alk22977

×
أخبار
شلومو بن عامي: لا حل للدولتين في الأفق وإسرائيل تعيش واقع الأبرتهايد تحقيق استقصائي: ضربات إيرانية دقيقة تمزق بنى تحتية بالخليج لتقوض أهداف الحرب الأميركية يائير غولان: نتنياهو تجاهل التحذيرات الأمنية قبل 7 أكتوبر وانشغل بالانقلاب القضائي «ذا نيويوركر»: ترامب يواجه احتمال خسارة الكونغرس وانحسار سلطته قبل الانتخابات النصفية عبري: إسرائيل ترفع التأهب تحسبًا للتصعيد وتستبعد ضربة لإيران قبل الانتخابات تحدياً لشروط بن غفير.. نتنياهو يعلن احتفاظ "الليكود" بوزارتي الجيش والأمن القومي إيفون عبد الباقي المرشحة لمنصب الأمين العام للأمم المتحدة: المنظمة فقدت بوصلتها.. والسلام هدفها الضائع الخزانة الأمريكية تقر عقوبات جديدة مرتبطة بإيران بينها بنوك عراقية ترامب يكشف كواليس حصول أميركا على الطائرة القطرية شاهين طالبت اتخاذ خطوات جدية لوقف المشاريع الاستيطانية ومخططات الضم لإقامة دولة فلسطين بعد رفض شعبي..ترامب يرفض البث الحي لإعدام نضال حسن عناصر من اليمين المتطرف يقتحمون مقر الحملة الانتخابية للقائمة المشتركة دبلوماسيان أمريكيان يحذران: تراجع الدعم الأمريكي لإسرائيل يهدد مكانتها الاستراتيجية ووجودها باهتة وغير حاسمة.. خبير بريطاني يحلل أسباب تعثر القوة الجوية الأمريكية والإسرائيلية ضد إيران "خسائر بمئات المليارات": تحولات ديموغرافية تهدد الاقتصاد الإسرائيلي ليبرمان يرفض دعم حكومة أقلية ويتعهد بائتلاف "صهيوني حصراً" استهداف قصر معاشيق الرئاسي في عدن بـ 4 صواريخ باليستية وتصاعد كثيف للدخان نتنياهو: أمليت موقفي على الشرع في مكالمة قصيرة وواضحة لوقف استهداف الدروز في خطوة تاريخية.. رابطة أمريكية للعلوم السياسية تصويت بالأغلبية لصالح المقاطعة الأكاديمية لإسرائيل مجلس السلام يعلن استكمال آليات الرقابة والمعايير المالية لتنفيذ خطة غزة السيسي: أمن السعودية ودول الخليج خط أحمر واستقرار غزة والسودان وليبيا من مقتضيات الأمن القومي العربي شبكة إعلانات إسرائيلية تتجسس على ملايين المستخدمين والمؤسسات الدولية لصالح شركات اختراق وتجسس تقرير حقوقي يكشف شهادات حول إطلاق حراس سجون الاحتلال النار على الأسرى الفلسطينيين داخل الزنازين نتنياهو يعلن إنشاء جدار أمني ضخم على الحدود الشرقية من اليرموك إلى إيلات ملادينوف يعلن تعليق تنسيق البضائع للقطاع الخاص بغزة ويدعو للإسراع بانتشار القوة الدولية الاتحاد الأوروبي ودول الخليج اتفقوا على تأجيل القمة المقرة بينهما في الرياض باكو: وفود عربية بيها فلسطين وتركيا وباكستان تغادر قاعة المؤتمر خلال كلمة هرتسوغ صندوق النقد الدولي يحذر من طول أمد الحرب والاضطرابات المتجددة كأكبر تهديد للشرق الأوسط الصحة: ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,396 شهيدا آيزنكوت يتعهّد بهزيمة "حماس" خلال 18 شهراً

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط