مجلس السلام تحول إلى مجلس لديمومة احتلال قطاع غزة..بدلا من العمل نحو تعافي قطاع غزة المبكر

في ذكرى رحيل العلامة الشيخ عبد الكريم الكحلوت

في ذكرى رحيل العلامة الشيخ عبد الكريم الكحلوت

تاريخ النشر: 2016-02-26 | 13:44

كلنا سنصل إلى النهاية، ولكن بمسافات مختلفة، وحياة الإنسان هي القصة الوحيدة التي يكتب القدر نهايتها، ففي ليلة لا ضوء للقمر فيها، سمح الله بأن ينتقل شيخنا العلَّامة عبد الكريم الكحلوت، إلى جواره، ولله در مَن قال:

لكلِّ شيءٍ إذا ما تمَّ نقصانُ

فلا يُغَرُّ بطيبِ العيشِ إنسانُ

وبقلب يعتصره الألم، تقبلت قضاء الله وقدره بحزن أليم، وإيمان عميق، وصبر بالغ، لقد ترك شيخنا – رحمه الله – فراغاً كبيراً، لا في قلبي فقط، بل وفي قلوب جميع مَن عرفوه، من صغار وكبار، ومن أقرباء وأصدقاء، ونحيي اليوم ذكرى هذا العالم العظيم بمناسبة رحيله إلى دنيا الحق، وتقف اللغة التي تباهت بخصوبتها عاجزة عن إيفاء آثاره حقها في ميدان الوصف، أو تأدية ما يجيش في القلب من التقدير والحمد والثناء لهذا العلامة الذي قلَّ ضريبه، وعزَّ نظيره، فقد كان ناطقاً عالماً، ومستمعاً واعياً، وداعياً عاملاً، يرجع إليه، ويحتج برأيه، حتى استرعى أنظار الجميع واستحق إعجابهم، فانهدم بموته ركن عظيم من أركان العلم، وانطفأت شعلة كان لها سنى البرق وأريج المسك، وخسرت به فلسطين رجلاً كبيراً بأخلاقه، كبيراً بعقله، كبيراً بأعماله، وأتمثل بقول الشاعر محمود الورَّاق:

المـــــــرءُ بعد الموتِ أحدوثــــــةٌ

يفْنَـــــــى وتبقَى منه آثــــــارُهْ

فأحسنُ الحالات حالُ امرئٍ

تطيبُ بعد الموتِ أخبارُهْ

 

وما أصعبَ موقف المُحِب حين يرثي حبيبه! فأوثق عرى الإيمان الحب في الله، بكل معانيه وأبعاده، والحب في الله هو أرقى درجات العاطفة الإنسانية، وفاقاً مع قول الشاعر:

وكم يعزّ عليَّ حين أدير عيني

أفتش في المحراب فلا أراكا

فقد كان الشيخ طوال سنوات هو اللون الإضافي في حياتي، وهو مؤلف من وشائج وذكريات وقصص لا ينتهي سردها، ومَن عَرَف الشيخ معرفتي الطويلة به، وكان قريباً منه كما كنت، وارتاح إلى خطبه ودروسه كما ارتحت، عرف فيه الإنسان المثالي الباكي لانحباس الغيث، وسغب اليتامى، وأنات الجرحى، ومن جالسه دهش لسعة اطلاعه ووفرة محفوظه، إلى جانب علمه الواسع وصدق فراسته، كان يتحلى بأخلاق فاضلة كثيرة، ومزايا حميدة، فقد عاش حياته، بطولها وعرضها، في سبيل الكرامة والمبدأ والعقيدة، وأصبح مثلي الأعلى، فكنت أرقب أعماله وتصرفاته عن كثب، فأعجب بها، بل أبهر بها، لينطبق على حال محبتنا قول أبي تمام:

تذكرتُ نضرةَ ذاك الزمان

لديه، وعمرانَ ذاك الفناءِ

وإذ عِلْمُ مجلسِهِ مــــــــــــــــوردٌ

زلالٌ لتلكَ العقولِ الظماءِ

وكنت أراهُ بعينِ الجــــــلالِ

وكان يراني بعينِ الإخاءِ

كان الشيخ رحمه الله يعتبر نموذجاً لعلماء فلسطين، من حيث الجد في العمل، والاستقامة في الأخلاق، والتمسك بالمثل وتعاليم الدين العالية، والشفقة والشدة في موضعها، والسماحة مع مَن يستحقها، وهكذا كان شيخنا رحمه الله، فالعلماء الحقيقيون هم القائمون على الطب الروحاني الذي هو تهذيب الأخلاق، وتقويم العادات، والمحافظة على سلامة الإنسان، يسعون لإقامة مجتمع قوي متماسك لا يتزعزع. فلا شيء يسيء إلى الدين، ويُنفّر الناس منه، مثل ادّعاء بعضهم أنهم حفظته والأوصياء عليه، بينما هم أسوأ الناس خلقاً، وفي هذا يقول البلغاء: (معلّم الأخلاق صار أسوأ الناس أخلاقاً)، وفاقاً مع قول أبي العلاء المعري في الشيوخ المتظاهرين بالصلاح:

لئن قــــــــــدرتَ فلا تفعــــلْ سوى حسنٍ

بين الأنامِ وجانبْ كلَّ ما قَبُحــا

فكم شيـــــوخٍ غَــــــــدَوْا بيضاً مفــــــارقُهم

يسبّحُون وباتوا في الخنا سَبْحا

وليس عنـــــــــــــــــــــــدَهُمُ دينٌ ولا نُسُـــــــــــكٌ

فلا تَغُــــــــرَّك أَيْدٍ تحمِل السّبحَـــــا

لو تعقلُ الأرضُ ودّت أنّها صفرت

ج        منهم فلم يَرَ فيها ناظرٌ شَبَحــــــا

وهكذا، فسيرة المرء تنبئ عن سريرته، والرجال صناديق مُغلفة لا تُعرف إلا بالتجارب، وإذا ما تصفحنا سجله الناصع، وتبصرنا سيرة حياته، وجدنا أنفسنا أمام شخصية خاضت معركة الحياة بإيمان وعصامية وعلو همة، وكان الحظ الأكبر في نجاحه للصفات التي أضفاها الخالق على شيخنا، فكان خلقه الاعتداد بالنفس، وهو اعتداد فيه كثير من الإباء والشهامة، وقد احتفظ بهذه الصفة طيلة حياته، ولازمته في أشد الأوقات حرجاً؛ فوفق إلى صيت حسن.

وحسبه تعريفاً أنه لو فتشت قلبه لوجدته قلباً رحيباً رحيماً، ظاهره كباطنه، نبذ العصبيات، واحتقر العنصريات، وكره الفرقة، وأحب التقارب والتعاطف والاتحاد، وسعى لخير البلاد والعباد. فنفسه تزخر بحب الخير والعطاء في شتى الميادين، كان إنساناً بسيطاً، بل في حنين دائم إلى البساطة، فروعتنا بساطته، وهزنا حنانه، وعرفنا من تواضعه ما في الرجل من طبيعة الإنسان، فأوحى ذلك السلوك إلى خواطرنا خليطاً مبهماً من مشاعر الحب والتبجيل.

رحل الشيخ مخلفاً كثيراً من الحزن لدى رفاقه وأحبائه في كل مكان، وشعرنا أننا فقدنا كنزاً من العلم والمعرفة والأخلاق الحميدة، ونحن أحوج ما نكون إليه، كحاجة النبات في الأرض المقفرة لحبّات المطر، خاصة وأننا نعيش وسط حالة سيئة غشيها ما غشيها من الظلم والقهر والجمود، وكانت جرحاً دامياً في قلب كل أبناء الشعب الفلسطيني، هذا الشعب الذي تنكر له الزمان، وقست عليه الأيام، وعصفت به رياح الانقسام، وضاقت عليه الأرض بما رحُبت. هذا الشعب الذي ينام ولا يموت، أحوج ما يكون إلى مُثُله الراقية، والتزامه الواثق بأرضه وشعبه وتراثه العربي، وحسبك دليلاً على ذلك، محاولاته لإصلاح منحى القيادة، وقسوة مجابهته، وحدّة موقفه في رص الصفوف ورأب الصدع، وأنار لهم طريق الحق كالسراج الوهاج، فكان إنساناً كاملاً يستريح إليه الناس جميعاً، ويرغب في وده كل مَن عرفه. فقد أحس بآلام قومه، وشرب من الكأس التي شربوا منها، وكان مخلصاً لوطنه في جميع أدوار حياته كالغيث الغادي، فأغاث الملهوف، ونصر المظلوم، ورد التائهين في الظلام إلى النور بتأثيره الفذ. فعرف الناس فيه هذه المثالية، فتقربوا إليه، وخطبوا وده، ورغب كل فريق أن يستميله إليه، ليعتز به مناصراً ومؤيداً، ولكنه ربأ بنفسه أن يسفه، وأن يرضى لقلبه أن يباع ويشترى، وأن يكون حزبياً، وهذا مبدأ لم يحد عنه، فالعظمة الحقيقية هي أن يكون المرء سيد نفسه، فكان موضع الثقة، ودائماً كان موضع الإجماع، وكأنه راية من الرايات التي التف جميع الفلسطينيين حولها، وكالشمس المشرقة يضيء على صفحة هذه السماء الزرقاء، تلك هي شمس الحب، الحق نورها، والحب حرارتها، وكان يهزه هزاً عنيفاً قول الشاعر محمد إقبال:

كلُّ شعبٍ قام يبغي نهضةً

وأرى بنيانَكُـــــــــــــــــــــــــــــــمْ مُنْقَسِمـــــاً

 

في قديمِ الدهرِ كنتم أمـــــــةً

ج        لهْفَ نفسي! كيف صرتُم أمماً؟

وسيبقى الشيخ يعيش ويعشش فينا ما حيينا، فلا ريب أنه خالد في أفئدة أهله ومحبّيه، خالد بأعماله وآثاره العظيمة، كان أباً حنوناً بلا حدود، وكان إنساناً متسامياً، بكل ما في معنى الإنسانية من نبل وعمق، ولا يستطيع المرء، مهما أطنب في الكلام عن الشيخ، أن يحيط بالجانب الإنساني من شمائله، فهو إنسان يحب الناس حباً جماً، وكان دينه كدين الشاعر الفيلسوف الأندلسي الصوفي ابن عربي الذي يقول:

أدينُ بدينِ الحبِ أنَّى توجَّهَتْ

ركائبُه، فالحبُ ديني وإيماني

ولا أجد ما أختم به هذه الكلمات عن الشيخ الحبيب الراحل عبد الكريم الكحلوت خيراً من قول شوقي:

وأخْذُكَ من فمِ الزمانِ ثناءً

وتركُكَ في مسامِعِها طنينا

×
أخبار
السيسي: أمن السعودية ودول الخليج خط أحمر واستقرار غزة والسودان وليبيا من مقتضيات الأمن القومي العربي شبكة إعلانات إسرائيلية تتجسس على ملايين المستخدمين والمؤسسات الدولية لصالح شركات اختراق وتجسس تقرير حقوقي يكشف شهادات حول إطلاق حراس سجون الاحتلال النار على الأسرى الفلسطينيين داخل الزنازين نتنياهو يعلن إنشاء جدار أمني ضخم على الحدود الشرقية من اليرموك إلى إيلات ملادينوف يعلن تعليق تنسيق البضائع للقطاع الخاص بغزة ويدعو للإسراع بانتشار القوة الدولية الاتحاد الأوروبي ودول الخليج اتفقوا على تأجيل القمة المقرة بينهما في الرياض باكو: وفود عربية بيها فلسطين وتركيا وباكستان تغادر قاعة المؤتمر خلال كلمة هرتسوغ صندوق النقد الدولي يحذر من طول أمد الحرب والاضطرابات المتجددة كأكبر تهديد للشرق الأوسط الصحة: ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,396 شهيدا آيزنكوت يتعهّد بهزيمة "حماس" خلال 18 شهراً بعد قضية المسبحة.."استقالة" وزير الأوقاف الفلسطيني نتنياهو وسموتريتش يعتزمان نشر نحو ألفَي مراقب في صناديق الاقتراع بالبلدات العربية هجوم حوثي على مقر أرامكو بالظهران يدمر مكاتب الرئيس التنفيذي وكبار المسؤولين مجلس سلام ترامب لديمومة الموت في غزة! قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس: اقتحامات واعتقالات ومواجهات تحقيق جديد في الكونغرس حول تضارب مصالح كوشنر واستثماراته الإسرائيلية والخليجية سي إن إن: أمريكا تضع خططاً لاستخدام "أم القنابل" ضد إيران وثائق كتبها مساعدو نتنياهو تكشف مسؤوليته عن إخفاق 7 أكتوبر وتناقض روايته حول حماس الغارديان: إسرائيل تعرقل إنشاء قاعدة لمجلس السلام في غزة ترامب: كان ينبغي الإبقاء على قادة إيران السابقين لأنني لا أعرف مع من نتفاوض صفقة الديزل الروسي تثير الجدل.. ترامب يحمل زيلينسكي مسؤولية حرب الطاقة ويدعم موسكو تقرير: سياسات إيران ومحورها أضرت بالفلسطينيين وخدمت اليمين الإسرائيلي آيزنكوت يؤكد القدرة على هزيمة نتنياهو.. وينفي ادعاءاته بشأن عملية «البيجر» الأمم المتحدة ترصد غارات وقصفاً مكثفاً بجميع محافظات غزة وتطالب إسرائيل بوقف التضييق بالضفة باحث إسرائيلي: نتنياهو يصوغ «حقيقة بديلة» لهروب قيادته من مسؤولية إخفاق 7 أكتوبر السيسي يرد على سموتريتش برسالة إلى تل أبيب..ويؤكد موقف مصر مع فلسطين زيلنسكي: أشعر بالخيانة من قبل ترامب وهو لا يقف في الجانب الصحيح من التاريخ النقابة: جيش الاحتلال يشن حربا واسعة ضد الصحفيين الفلسطينيين لحجب جرائمها استطلاع عبري: قفزة في القوائم العربية وتقارب كبير بين المعارضة الصهيونية والتحالف الحاكم عشرات آلاف يتظاهرون في كولومبيا ضدّ الرئيس الجديد احتجاجا على سياستة الاجتماعية

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط