الأصدقاء الأعزاء متابعي أمد للإعلام .. هناك عملية نقل من مطور لآخر ما قد يؤثر على نشر الأخبار لفترة قصيرة! ...

غزة.. الاعتياد على الألم وفقدان الأمل

غزة.. الاعتياد على الألم وفقدان الأمل

تاريخ النشر: 2026-09-21 | 22:24

في غزة، لم يعد الألم حدثاً استثنائياً، بل أصبح جزءاً من الحياة اليومية. لم يعد فقدان البيت أو أحد أفراد الأسرة خبراً يوقف الحياة، لأن الحياة نفسها لم تعد تملك رفاهية التوقف. الناس يستيقظون على واقع يشبه الأمس، وينامون على خوف من الغد، ويعيشون يوماً بيوم، ليس لأنهم اختاروا ذلك، بل لأن المستقبل أصبح فكرة مؤجلة لا يملكون أدواتها.
هنا تكمن إحدى أكثر مفارقات غزة قسوة: كل شيء تغير، إلا بعض طريقة التفكير في إدارة هذا الواقع.
بيوت أصبحت خياماً، ومدارس تحولت إلى أماكن إيواء، ومستشفيات تعمل في ظروف استثنائية، وأحياء كاملة تغيرت ملامحها، بينما لا يزال هناك من يتحدث عن القوانين والإجراءات وكأن المجتمع يعيش في ظروف طبيعية مستقرة. وكأن الحرب غيرت الجغرافيا والمباني، لكنها لم تغير شروط الحياة نفسها.
المشكلة ليست في وجود القانون، بل في وهم إمكانية تطبيق قواعد الحياة الطبيعية على مجتمع يعيش حالة استثنائية بكل تفاصيلها. القانون، في جوهره، يحتاج إلى مؤسسات قادرة على تطبيقه، ومجتمع قادر على الامتثال له، وبيئة توفر الحد الأدنى من الاستقرار. أما حين تنهار هذه الشروط، يصبح الإصرار على الشكل دون معالجة الواقع نوعاً من الانفصال عن الناس.
والأشد قسوة أن بعض من يتحدثون عن الانضباط والقواعد يريدون ممارسة سلطتهم على الآخرين، بينما لا تنعكس هذه القواعد بالضرورة على سلوكهم هم. وهنا يتحول القانون من أداة لتنظيم الفوضى إلى أداة لإدارتها من الأعلى، وربما إلى وسيلة لإنتاج تناقض جديد داخل مجتمع أنهكته الحرب أصلاً.
غزة اليوم لا تعيش فقط أزمة دمار؛ إنها تعيش أزمة معنى للحياة نفسها.
كيف يمكن لشخص أن يفكر في الغد وهو لا يعرف أين سينام الليلة؟ كيف يمكن الحديث عن التخطيط والاستقرار بينما كل شيء قابل للتغير خلال ساعات؟ وكيف يمكن مطالبة الناس بالتزام نمط حياة طبيعي، بينما أبسط مقومات الحياة الطبيعية لم تعد متاحة؟
ومع ذلك، تستمر الحياة بطريقة تكاد تبدو عبثية. عرس في شارع، وفي الشارع نفسه عزاء. شخص يضحك، وآخر يدفن قريباً له. عائلة تحاول الاحتفال بنجاة أحد أفرادها، بينما عائلة أخرى تبحث عن مفقود. وقد تجد شخصاً يمارس حياته وكأن شيئاً لم يحدث، رغم أنه فقد قبل أيام منزله أو أحد أفراد أسرته.
هذا ليس تناقضاً في الناس بقدر ما هو آلية للبقاء. الإنسان لا يستطيع أن يعيش في حالة حداد دائم، ولا يستطيع أن يحمل خساراته كلها في كل لحظة. لذلك يتعلم أن يضع ألمه جانباً لبعض الوقت، وأن يضحك رغم الحزن، وأن يحتفل رغم الخوف، وأن يواصل حياته رغم أن حياته لم تعد تشبه ما كانت عليه.
وهنا ربما تكمن أخطر نتائج الحرب: أن يتحول الاستثناء إلى عادة، وأن يصبح غير الطبيعي طبيعياً، وأن يتعلم الإنسان التعايش مع ما كان يفترض أن يكون غير قابل للتعايش.
لقد اعتدنا الألم إلى درجة أن غيابه قد يبدو غريباً. واعتدنا الخوف إلى درجة أن الاستعداد للأسوأ أصبح جزءاً من التفكير اليومي. لم يعد السؤال: ماذا سنفعل بعد سنوات؟ بل ماذا سيحدث غداً؟ وهل سيكون لدينا مكان نعود إليه؟ وهل سيبقى من نحبهم إلى جانبنا؟
لكن الأخطر من كل ذلك هو أن يعتاد المجتمع على إدارة حياته وفق منطق الطوارئ، ثم يأتي من يريد أن يحاسبه بعقلية الحياة الطبيعية.
غزة لا تحتاج فقط إلى قواعد جديدة؛ تحتاج أولاً إلى الاعتراف بأن الواقع نفسه تغير. ومن يريد أن يحكم هذا الواقع أو ينظمه، عليه أن يبدأ من حياة الناس كما هي، لا كما يتمنى أن تكون. لا يمكن بناء الاستقرار فوق الإنكار، ولا يمكن فرض النظام بمجرد إصدار التعليمات، ولا يمكن استعادة معنى الدولة أو القانون بينما يعيش الناس في حالة يومية من عدم اليقين.
في غزة، لم تعد الفوضى مجرد غياب للنظام؛ أصبحت نتيجة مباشرة لغياب مقومات الحياة الطبيعية. ولذلك فإن محاولة ضبطها بالأوامر وحدها تشبه محاولة إصلاح بيت لم يعد قائماً من خلال ترتيب أثاثه.
لقد تغير كل شيء تقريباً. تغيرت البيوت، والشوارع، والمؤسسات، والعلاقات، والأولويات، وحتى مفهوم الغد نفسه.
وحده الإنسان ما زال يحاول أن يقنع نفسه بأن الحياة يمكن أن تستمر.
وربما هذه هي المفارقة الأكبر في غزة: أن الاستمرار في الحياة أصبح في حد ذاته شكلاً من أشكال المقاومة للواقع، حتى عندما لا يبقى لدى الإنسان ما يكفي من الأمل.

×
أخبار
كيف تدفع الأزمات البحرية الرياض نحو تعاون أمني هادئ مع إسرائيل؟ «الغارديان»: لواح اتهام أمريكية تكشف مخططاً استخباراتياً روسياً لاغتيال منشقين في واشنطن «إعادة ضبط المسار تحت وطأة الحرب»: تحول استراتيجي في الخليج لبناء إطار أمني مباشر مع إيران استطلاع: تراجع شعبية ترامب لأدنى مستوى بمسيرته السياسية بعد إلغاء ترامب عن قصفهم.. ميليشيا "الحوثيين" تسعى لعزل ساحل البحر الأحمر محافظة القدس: 1678 مستوطن اقتحموا الأقصى خلال يومين وتصعيد لفرض وقائع جديدة داخله الصفدي: أكثر من مليوني غزي محاصرون في القهر والحرمان والمعاناة بريطانيا تحث الأسر على تخزين مواد غذائية أساسية تحسبًا للأزمات «سي إن إن»: ثمانية مؤشرات غير تقليدية تُرجّح كفة الديمقراطيين في انتخابات التجديد النصفي الأمريكية "بوليتيكو": ممداني "يستغل" الاجتماعات الأممية لتوسيع شبكة اليسار خارج أمريكا مجلس التعاون: دول الخليج ترفض فرض رسوم أو شروط أحادية على المرور في هرمز أو باب المندب بيتكوين تقفز 4% وتسجل أعلى مستوى منذ يناير استنفار أمني مغربي على حدود سبتة تحسبا لاقتحام جماعي جديد شهداء وجرحى في قصف وإطلاق نار إسرائيلي استهدف مناطق متفرقة بقطاع غزة تحذير من التداعيات المناخية والبيئية والأمن الإنساني للحرب على إيران تقرير: حدود المسارات البديلة لمضيق هرمز وتداعيات خنق تجارة الشحن الخليجية تقرير: أزمة ثقة تحيط بقناة الوساطة الأمريكية مع تراجع فاعلية مسار "ويتكوف-دميترييف" بين كييف وموسكو شبكات البث الأمريكية تعلق التغطية التلفزيونية المشتركة لترامب الجامعة العربية تدين التصعيد الإسرائيلي ضد المقدسات والشعب الفلسطيني دراسة: حرب 2026 تنقل الردع الإيراني من شبكة الوكلاء إلى مضيق هرمز وسلاح الطاقة قراءة في مراجعة فوكوياما لأطروحة «نهاية التاريخ» وتحديات النموذج الليبرالي مرونة أمريكية وتراجع صيني: كيف تفادت أسواق النفط والغاز أزمة الشلل الكامل بعد تعطّل هرمز؟ تحليل: الاستنزاف يعيد تعريف القوة العسكرية وأمريكا تواجه فجوة الاستدام سيف العدل وحمزة بن لادن: نموذج «القيادة الموزعة» لإدارة لامركزية القاعدة تقرير: الضغوط المتزايدة على أمن الطاقة والروابط الدفاعية بين الرياض وواشنطن مكتب الموازنة بالكونغرس يوثق الكلفة المالية والاستراتيجية لـ «عملية الغضب الأسطوري» ضد إيران وزير الخزانة الأميركي: ستتوقف جميع شركات الطيران الإيرانية عن العمل في أنحاء العالم في 23 سبتمبر "هآرتس": العقوبات الدولية على إسرائيل تتجه لنطاق ملزم ذي "أسنان حقيقية" بعد لقاء عون في بعبدا.. جنبلاط: نعم للمفاوضات المشروطة بالانسحاب ترامب: يجب إنهاء الحرب السخيفة بين روسيا وأوكرانيا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط