مجلس السلام تحول إلى مجلس لديمومة احتلال قطاع غزة..بدلا من العمل نحو تعافي قطاع غزة المبكر

"دار يا دار"... حين تتحول الأغنية إلى فوبيا

"دار يا دار"... حين تتحول الأغنية إلى فوبيا

تاريخ النشر: 2026-07-12 | 16:56

نسرين موسى
نسرين موسى

كنت في عمرٍ مبكر، وكلما رأيت حفرةً مغطاة بقطعة بلاستيك، تنتابني حالة من الهستيريا والذعر. كنت أعبرها، لكنني أتخيل أن كل عابر بعدها سيسقط فيها ويختفي إلى الأبد، كأن الأرض ابتلعته ومحَت أثره.

يومها أدركت أنني أصبحت أعاني فوبيا الحفر.

ثم جاءت فوبيا الأماكن المرتفعة؛ كلما انقطع التيار الكهربائي واضطررت إلى صعود أحد عشر طابقاً وسط ظلامٍ كثيف، كنت أشعر أن أنفاسي تُنتزع مني درجةً بعد أخرى، وأن الجدران تضيق حولي حتى أكاد أختنق.

ظننت أن قائمة مخاوفي اكتملت، حتى اكتشفت أن للحرب قدرةً خارقة على اختراع فوبيا لم يكتبها علم النفس بعد.

أصبحت أخاف من أغنية.

نعم... من أغنية.

"دار يا دار"، بصوت الفنان وديع الصافي، وكلمات الشاعر حسين السيد.

كلما سمعتها في الطريق، أو انبعثت من سيارة أستقلها، أو تسللت من هاتف أحدهم، ينتابني وجع لا أعرف كيف أصفه؛ يتسارع نبضي، ويثقل صدري، وكأن الكلمات لا تُغنّى، بل تُلقى فوق قلبي كحجارةٍ ساخنة.

أصبحت كلماتها هي الفوبيا؛ لأنها لا تستحضر في ذهني بيتاً، بل خيمة.

لا تعيدني إلى دارٍ دافئة، بل إلى قماش خيمة يشتعل صيفاً ويتجمد شتاءً، إلى بؤرة النار التي أعيش فيها، وإلى حياةٍ لا تشبه الحياة.

وحين أشعر أن الأغنية بدأت تفتك بي، أحاول مقاومتها بطريقة غريبة؛ أرددها بصوت مرتفع، أو أتمتم بها، وكأنني أواجهها بها نفسها، علّها تفقد قدرتها على تمزيقي.

لكنها تنتصر في كل مرة.

تعيدني إلى خيمتي التي حلت مكان بيتنا الجميل؛ ذلك البيت الذي كان ممتلئاً بكل تفاصيل الحياة، ثم صار رماداً، وتناثرت ذكرياته كما تناثر جسد مزقته الصواريخ.

وتذكرني بأنني، مهما طال مشواري، سأعود آخر النهار إلى الخيمة.

لم يعد لي دار.

لم تعد الكلمة تعني الجدران والنوافذ؛ أصبحت تعني موقد النار في الخيمة، وأدوات الحياة البدائية، ومحاولاتي اليومية لإقناع نفسي بأنني قوية، وأن التعايش مع هذا الواقع بطولة، بينما الحقيقة أنه يستنزفني بصمت كل يوم.

الأغنية تعيد إليّ لمة العائلة وأحلامي مع زوجي، وضحكات أحبابي، وجلوس أمي في صالونها الواسع تتصفح مصحفها بهدوء، ومذياع أبي الذي كان يملأ البيت بالأخبار تتخللها الأغنيات، وصغارنا وهم يركضون ويلعبون بأمان، دون أن يخافوا من سماء، أو صاروخ، أو نزوح.

كم ترهبني هذه الأغنية! كم تبكيني!

راحوا فين حبايب الدار

لياليك كانت نور

داري الدمع يا عين.

كأن الأغنية لم تعد أغنية، بل أصبحت تقريراً عن حياتنا.

تفرق الأحباب، وكل واحد انتهى به المطاف في خيمة، أو في موجة نزوح لا تنته. وانطفأ النور في كل الأماكن، حتى بتنا ننام، ونجلس، ونحلم على العتمة. ولم تعد العين قادرة على مداراة دموعها، حتى خُيل إليّ أن الدمع تحول إلى دمٍ ينزف.

يا دار...

لم تسلبنا الحرب البيوت فقط، بل سلبت أرواحنا، وإنسانيتنا، وأخذت من أعمارنا أكثر مما أخذته الصواريخ.

سرقت شهيتي للحياة قبل الطعام، وجعلت الأيام تمر عليّ مجرد أرقام أعدها، لا حياة أعيشها.

حتى صلواتي تغيّرت؛ لم أعد أدعو إلا بالخلاص. الخلاص من الخيمة، أو من هذه الحياة التي أشعر فيها أنني عالقة بين فكي أسدٍ مفترس.

يا دار...

تسبق تنهيدتي حروفي كلما كتبت عنكِ. كنتِ وطني الصغير، المكان الذي يحفظ فرحي كما يحفظ حزني.

كنتِ الأمان.

أما اليوم، فأنا أعيش في خيمة تفترسني كل يوم، ولم أعرف فيها حرفاً واحداً من الأمل.

كل حروفي فيها دموع.

يا دار...

تحول اسمكِ إلى فوبيا، تطاردني كلما مررتِ بخاطري، وكل مساء تزورينني دون استئذان، فأعود امرأةً تبحث في الذاكرة عن بابٍ لم يعد موجوداً.

لا تنسي أثري الذي استوطن جدرانكِ يوماً، حتى لو تناثر مع حجارتكِ.

ولا ضحكاتنا التي كانت تسكن زواياكِ، ولا رائحة الخبز، ولا صوت أمي، ولا مذياع أبي، ولا كل الذكريات التي تركناها معلقة على نافذة لم تعد موجودة.

إذا كانت الحروب تهدم البيوت، فإنها تهدم أيضاً قدرتنا على سماع أغنية دون أن نبكي.

×
أخبار
في خطوة تاريخية.. رابطة أمريكية للعلوم السياسية تصويت بالأغلبية لصالح المقاطعة الأكاديمية لإسرائيل السيسي: أمن السعودية ودول الخليج خط أحمر واستقرار غزة والسودان وليبيا من مقتضيات الأمن القومي العربي شبكة إعلانات إسرائيلية تتجسس على ملايين المستخدمين والمؤسسات الدولية لصالح شركات اختراق وتجسس تقرير حقوقي يكشف شهادات حول إطلاق حراس سجون الاحتلال النار على الأسرى الفلسطينيين داخل الزنازين نتنياهو يعلن إنشاء جدار أمني ضخم على الحدود الشرقية من اليرموك إلى إيلات ملادينوف يعلن تعليق تنسيق البضائع للقطاع الخاص بغزة ويدعو للإسراع بانتشار القوة الدولية الاتحاد الأوروبي ودول الخليج اتفقوا على تأجيل القمة المقرة بينهما في الرياض باكو: وفود عربية بيها فلسطين وتركيا وباكستان تغادر قاعة المؤتمر خلال كلمة هرتسوغ صندوق النقد الدولي يحذر من طول أمد الحرب والاضطرابات المتجددة كأكبر تهديد للشرق الأوسط الصحة: ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,396 شهيدا آيزنكوت يتعهّد بهزيمة "حماس" خلال 18 شهراً بعد قضية المسبحة.."استقالة" وزير الأوقاف الفلسطيني نتنياهو وسموتريتش يعتزمان نشر نحو ألفَي مراقب في صناديق الاقتراع بالبلدات العربية هجوم حوثي على مقر أرامكو بالظهران يدمر مكاتب الرئيس التنفيذي وكبار المسؤولين مجلس سلام ترامب لديمومة الموت في غزة! قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس: اقتحامات واعتقالات ومواجهات تحقيق جديد في الكونغرس حول تضارب مصالح كوشنر واستثماراته الإسرائيلية والخليجية سي إن إن: أمريكا تضع خططاً لاستخدام "أم القنابل" ضد إيران وثائق كتبها مساعدو نتنياهو تكشف مسؤوليته عن إخفاق 7 أكتوبر وتناقض روايته حول حماس الغارديان: إسرائيل تعرقل إنشاء قاعدة لمجلس السلام في غزة ترامب: كان ينبغي الإبقاء على قادة إيران السابقين لأنني لا أعرف مع من نتفاوض صفقة الديزل الروسي تثير الجدل.. ترامب يحمل زيلينسكي مسؤولية حرب الطاقة ويدعم موسكو تقرير: سياسات إيران ومحورها أضرت بالفلسطينيين وخدمت اليمين الإسرائيلي آيزنكوت يؤكد القدرة على هزيمة نتنياهو.. وينفي ادعاءاته بشأن عملية «البيجر» الأمم المتحدة ترصد غارات وقصفاً مكثفاً بجميع محافظات غزة وتطالب إسرائيل بوقف التضييق بالضفة باحث إسرائيلي: نتنياهو يصوغ «حقيقة بديلة» لهروب قيادته من مسؤولية إخفاق 7 أكتوبر السيسي يرد على سموتريتش برسالة إلى تل أبيب..ويؤكد موقف مصر مع فلسطين زيلنسكي: أشعر بالخيانة من قبل ترامب وهو لا يقف في الجانب الصحيح من التاريخ النقابة: جيش الاحتلال يشن حربا واسعة ضد الصحفيين الفلسطينيين لحجب جرائمها استطلاع عبري: قفزة في القوائم العربية وتقارب كبير بين المعارضة الصهيونية والتحالف الحاكم

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط