مجلس السلام تحول إلى مجلس لديمومة احتلال قطاع غزة..بدلا من العمل نحو تعافي قطاع غزة المبكر

تأملات في تصريحات مايك هاكابي وتداعياتها على المنطقة:

تأملات في تصريحات مايك هاكابي وتداعياتها على المنطقة:

تاريخ النشر: 2026-02-23 | 12:29

"مختلفون على كل شيء.لنا هدف واحد:أن نكون..ومن بعده يجد الفرد متسعا لإختيار الهدف"(عن الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش)

-"بوصلة لا تشير إلى القدس..مشبوهة"(مظفر النواب

في زمن تُصاغ فيه السياسة بلغة المصالح،جاء السفير الأميركي في إسرائيل مايك هاكابي ليتحدث بلغة الأنبياء.ففي مقابلة مثيرة للجدل مع المذيع تاكر كارلسن،لم يكتفِ هاكابي بالدفاع عن السياسات الإسرائيلية،بل ذهب إلى ما هو أبعد بكثير: لقد استحضر "الحق الإلهي" لتبرير سيطرة إسرائيل على أرض تمتد من النيل إلى الفرات . عبارته الشهيرة "سيكون من الجيد لو أخذوها كلها" لم تكن مجرد زلة لسان،بل نافذة نطل منها على عقلية دبلوماسية تمزج بين الإيمان الديني والسياسة الدولية،مما أثار عاصفة من الإدانات العربية والدولية.

في 20 فيفري2026،خرج مايك هاكابي على بودكاست تاكر كارلسن ليقول ما كان يردده في الخفاء لسنوات.فعندما سأله كارلسن عن الأرض التي تشير إليها النبوءة التوراتية،لم يتردد هاكابي في رسم خريطة جديدة للشرق الأوسط تمتد من نهر النيل في مصر إلى الفرات في العراق وسوريا. "سيكون من الجيد لو أخذوها كلها"،هكذا علق السفير الأميركي على فكرة سيطرة إسرائيل على هذه المنطقة الشاسعة،قبل أن يتراجع لاحقا واصفا تصريحه بأنه "مبالغ فيه إلى حد ما" .

لكن الجرح كان قد وقع بالفعل.فتصريحات هاكابي لم تأت في فراغ،بل في سياق سياسي متوتر تعصف به حرب غزة المستمرة والتي أدت حتى الآن إلى استشهاد أكثر من 72 ألف فلسطيني . ومع أن السفير عاد ليؤكد أن إسرائيل "لا تريد السيطرة على الأردن أو سوريا أو العراق"،وأنه كان يتحدث عن "الأرض التي يحتلها الإسرائيليون الآن والتي يعيشون عليها"،إلا أن الضرر الدبلوماسي كان قد وقع.

لم تكن ردود الفعل العربية متوقعة في حدتها. فخلال ساعات،خرجت بيانات الإدانة تباعا من عمان،القاهرة،الرياض،وأبوظبي.لكن الأهم كان البيان المشترك الذي وقعته 14 دولة عربية وإسلامية،من بينها السعودية ومصر والأردن والإمارات وقطر وتركيا وإندونيسيا وباكستان،إلى جانب ثلاث منظمات إقليمية كبرى: جامعة الدول العربية،منظمة التعاون الإسلامي،ومجلس التعاون الخليجي .

ووصف البيان التصريحات بأنها "خطيرة وتحريضية"، وتشكل "انتهاكا صارخا للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة".

 الأردن ذهب إلى أبعد من ذلك واصفا التصريحات بأنها "سخيفة واستفزازية"وتشكل "تعديا على سيادة دول المنطقة".السعودية،التي تحاول بناء جسور مع إسرائيل،وجدت نفسها مضطرة لإصدار بيان شديد اللهجة وصفت فيه التصريحات بأنها "متهورة" و"غير مسؤولة" وتشكل "سابقة خطيرة" .

أما مصر،صاحبة أكبر جيش عربي وأول موقع على معاهدة سلام مع إسرائيل،فقد أعربت عن "دهشتها" من التصريحات التي وصفتها بأنها "انحراف صارخ" عن مبادئ القانون الدولي،مؤكدة أن "إسرائيل لا تملك أي سيادة على الأرض الفلسطينية المحتلة أو أي أراض عربية أخرى" .

مايك هاكابي ليس دبلوماسياعاديا.فقبل تعيينه سفيرا في إسرائيل في أفريل 2025،كان هاكابي قسا معمدانيا سابقا وحاكما لولاية أركنساس لثلاث فترات،كما أنه مرشح سابق للانتخابات الرئاسية الأميركية.لكن الأهم من مسيرته السياسية هو انتماؤه الديني: فهو مسيحي إنجيلي يؤمن بفكرة "إسرائيل الكبرى" استناداً إلى قراءته للتوراة.!

وهذه ليست المرة الأولى التي يثير فيها هاكابي الجدل بتصريحاته.ففي عام 2017،أي قبل تعيينه سفيراً،صرح قائلاً: "لا يوجد شيء اسمه الضفة الغربية،هناك يهودا والسامرة.لا يوجد شيء اسمه احتلال"..! كما روج في الماضي لفكرة أن لإسرائيل "سند ملكية" لأراضي الضفة الغربية استنادا إلى وعود توراتية .

وما يجعل تصريحاته الأخيرة خطيرة ليس محتواها الديني فحسب،بل كونها صادرة عن دبلوماسي يمثل الولايات المتحدة في لحظة تاريخية بالغة الحساسية.فعندما يتحدث سفير دولة عظمى في المنطقة بلغة "العناية الإلهية" و"الحق التوراتي"،فإنه لا يعبر عن قناعاته الشخصية فقط،بل يمنح غطاء سياسيا للأصوات الأكثر تطرفا في إسرائيل التي تحلم بإقامة دولة من النيل إلى الفرات.

وفي موجة الانتقادات العنيفة،حاولت السفارة الأميركية في القدس احتواء الضرر.ففي بيان صحفي،أكدت السفارة أنه "لا يوجد تغيير في السياسة الأميركية"،وأن "الرواية استندت إلى جزء محرر من رد".هاكابي نفسه عاد ليوضح على منصة إكس أن مقابلته مع كارلسن كانت "نقاشا ملتويا ومربكا حول معنى الصهيونية" .

لكن السؤال الذي يطرح نفسه: هل يكفي التراجع اللغوي لإزالة تأثير تصريحات قالها دبلوماسي كبير بكل وضوح وبدون تردد؟

 المراقبون في المنطقة يشككون في ذلك. فالانطباع الذي تركته التصريحات أن هناك من في الإدارة الأميركية يؤمن بمشروع "إسرائيل الكبرى" دينيا،حتى لو كان الرئيس ترامب قد أعلن رسميا معارضته لضم الضفة الغربية .

من جانبنا نؤكد أن ما كشفته تصريحات هاكابي يتجاوز بكثير الخطأ الدبلوماسي العابر.إنه يكشف عن صراع أعمق بين روايتين للتاريخ: رواية تستند إلى القانون الدولي والشرعية،وأخرى تستند إلى النصوص الدينية والحق الإلهي.فعندما يقول السفير الأميركي إن لإسرائيل الحق في أرض من النيل إلى الفرات،فإنه يتجاهل وجود 22 دولة عربية وإسلامية في هذه المنطقة،ويتجاهل 7 ملايين فلسطيني يعيشون تحت الاحتلال، ويتجاهل 1948 و1967 وكل قرارات الأمم المتحدة.

الفصائل الفلسطينية التي ردت على التصريحات وصفتها بأنها "تأكيد على الشراكة والاندماج بين إسرائيل والإدارة الأميركية" في "الجرائم والإبادة الجماعية".بل ذهبت أبعد من ذلك معتبرة أن هذه التصريحات تشير إلى أن "المعركة أصبحت واضحة ومكشوفة،وهي ليست مجرد معركة سياسية،بل معركة أيديولوجية ودينية تهدف إلى تفكيك الدول العربية والإسلامية الكبرى وإضعافها وتفتيتها تمهيداً لإخضاعها" .

وفي خضم هذه الأزمة،يبقى السؤال الأهم: ماذا يعني هذا كله لمستقبل المنطقة؟ الحقيقة أن تصريحات هاكابي تأتي في وقت يمر فيه الشرق الأوسط بمنعطف تاريخي.فالعدوان على غزة مستمر،والمستوطنات في الضفة الغربية تتوسع بمعدلات غير مسبوقة،وحل الدولتين أصبح موضع شك حتى من قبل بعض مؤيديه التقليديين.

أما الإدانة العربية الواسعة والموحدة لهذه التصريحات فهي ترسل رسالة واضحة لواشنطن: لا يمكن تجاوز القانون الدولي بحجج دينية،ولا يمكن إعادة رسم حدود المنطقة وفقا لقراءات توراتية.لكن هل تصل هذه الرسالة إلى صناع القرار في واشنطن؟ 

الأيام المقبلة ستكشف ما إذا كانت هذه التصريحات مجرد زلة لسان لسفير متحمس،أم أنها تعكس تحولا أعمق في السياسة الأميركية تجاه الصراع العربي الإسرائيلي.

في النهاية،تبقى الحقيقة الأكثر إيلاما : أن شعوب المنطقة،عربا وإسرائيليين،هي من تدفع ثمن هذا الصراع بين الروايات.فبينما يتحدث الدبلوماسيون عن "الحق الإلهي" و"إسرائيل الكبرى"،يستمر المدنيون في غزة والضفة ولبنان وسوريا في دفع الثمن الأغلى: ثمن الدم والمعاناة اليومية.وحدها العودة إلى لغة القانون الدولي والاعتراف المتبادل بحقوق الشعوب يمكن أن تنقذ المنطقة من المزيد من الحروب والدمار.

لكن ما تتركه هذه الحادثة من دروس يتجاوز بكثير الجدل العابر حول تصريحات سفير متحمس.فهي تذكرنا بأن الصراع في الشرق الأوسط لم يعد صراعا سياسيا حدوديا فحسب، بل تحول إلى معركة وجودية تتداخل فيها العوامل الدينية مع الجغرافيا السياسية.كما تكشف عن هشاشة التحالفات الإقليمية حين تواجه اختبار الأيديولوجيا،وعن استمرار قدرة الخطاب الديني على تعقيد حلول سياسية كانت تبدو في متناول اليد.

في المحصلة،تبقى المنطقة أمام مفترق طرق: إما الانزلاق نحو مزيد من التصعيد الذي تغذيه خطابات "الحق الإلهي" من الجانبين،أو العودة إلى لغة التفاوض والاعتراف المتبادل.والخيار رهن بإرادة قوى إقليمية ودولية تدرك أن لا "حق إلهي" يعلو فوق حق الشعوب في العيش بسلام وأمن على أرضها،وأن لا نبوءة توراتية يمكنها أن تلغي حدودا دولية معترف بها وقرارات أممية.وحدها هذه الحقيقة قد تنتشل المنطقة من أوهام الماضي إلى واقع المستقبل.

على سبيل الخاتمة:

إن كل طفل فلسطيني يموت تطلع من قبره ألف شمس جديدة تنشر نور الفكرة،فكرة الصمود المفتوح.فالحرية فكرة قد تمرض ولكنها لن تموت. فالكنعانيون باقون وسيستمر الفينيق الفلسطيني بمواصلة الانبعاث من الرماد،إلى أن تموت البشرية. لفلسطين حضورها التاريخي الحضاري قبل من يحاولون سرقتها.الحياة نفسها تستغيث بأطفال فلسطين ليعلموها فن الأمل.ألم نلاحظ أن مئة سنة من التشتيت والتهجير والإبادة قد فشلت في ساعة واحدة فصحا العالم من غيبوبته الطويلة ووقف على الحقيقة؟

فلسطين قصيدة أزلية ينحني لها التاريخ احتراما.

وما على الدبلوماسي الأمريكي مايك هاكابي إلا أن يتذكر :

حين أوشك الشهيد ياسر عرفات أن يغادر بيروت المحاصرة،سأله أحد الصحافيّين من غير العرب: إلى أين أنت ذاهب ؟

أجابه الرجل: إلى أين؟ طبعا إلى فلسطين.

اليوم،وفي كل موضع من الأرض المقدّسة،من البحر إلى الغور،يذهب الفلسطينيّون،بطرائقهم الخاصة ،وطرقهم هم،إلى فلسطين العجيبة..

سلام هي فلسطين .

×
أخبار
السيسي: أمن السعودية ودول الخليج خط أحمر واستقرار غزة والسودان وليبيا من مقتضيات الأمن القومي العربي شبكة إعلانات إسرائيلية تتجسس على ملايين المستخدمين والمؤسسات الدولية لصالح شركات اختراق وتجسس تقرير حقوقي يكشف شهادات حول إطلاق حراس سجون الاحتلال النار على الأسرى الفلسطينيين داخل الزنازين نتنياهو يعلن إنشاء جدار أمني ضخم على الحدود الشرقية من اليرموك إلى إيلات ملادينوف يعلن تعليق تنسيق البضائع للقطاع الخاص بغزة ويدعو للإسراع بانتشار القوة الدولية الاتحاد الأوروبي ودول الخليج اتفقوا على تأجيل القمة المقرة بينهما في الرياض باكو: وفود عربية بيها فلسطين وتركيا وباكستان تغادر قاعة المؤتمر خلال كلمة هرتسوغ صندوق النقد الدولي يحذر من طول أمد الحرب والاضطرابات المتجددة كأكبر تهديد للشرق الأوسط الصحة: ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,396 شهيدا آيزنكوت يتعهّد بهزيمة "حماس" خلال 18 شهراً بعد قضية المسبحة.."استقالة" وزير الأوقاف الفلسطيني نتنياهو وسموتريتش يعتزمان نشر نحو ألفَي مراقب في صناديق الاقتراع بالبلدات العربية هجوم حوثي على مقر أرامكو بالظهران يدمر مكاتب الرئيس التنفيذي وكبار المسؤولين مجلس سلام ترامب لديمومة الموت في غزة! قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس: اقتحامات واعتقالات ومواجهات تحقيق جديد في الكونغرس حول تضارب مصالح كوشنر واستثماراته الإسرائيلية والخليجية سي إن إن: أمريكا تضع خططاً لاستخدام "أم القنابل" ضد إيران وثائق كتبها مساعدو نتنياهو تكشف مسؤوليته عن إخفاق 7 أكتوبر وتناقض روايته حول حماس الغارديان: إسرائيل تعرقل إنشاء قاعدة لمجلس السلام في غزة ترامب: كان ينبغي الإبقاء على قادة إيران السابقين لأنني لا أعرف مع من نتفاوض صفقة الديزل الروسي تثير الجدل.. ترامب يحمل زيلينسكي مسؤولية حرب الطاقة ويدعم موسكو تقرير: سياسات إيران ومحورها أضرت بالفلسطينيين وخدمت اليمين الإسرائيلي آيزنكوت يؤكد القدرة على هزيمة نتنياهو.. وينفي ادعاءاته بشأن عملية «البيجر» الأمم المتحدة ترصد غارات وقصفاً مكثفاً بجميع محافظات غزة وتطالب إسرائيل بوقف التضييق بالضفة باحث إسرائيلي: نتنياهو يصوغ «حقيقة بديلة» لهروب قيادته من مسؤولية إخفاق 7 أكتوبر السيسي يرد على سموتريتش برسالة إلى تل أبيب..ويؤكد موقف مصر مع فلسطين زيلنسكي: أشعر بالخيانة من قبل ترامب وهو لا يقف في الجانب الصحيح من التاريخ النقابة: جيش الاحتلال يشن حربا واسعة ضد الصحفيين الفلسطينيين لحجب جرائمها استطلاع عبري: قفزة في القوائم العربية وتقارب كبير بين المعارضة الصهيونية والتحالف الحاكم عشرات آلاف يتظاهرون في كولومبيا ضدّ الرئيس الجديد احتجاجا على سياستة الاجتماعية

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط