مجلس السلام تحول إلى مجلس لديمومة احتلال قطاع غزة..بدلا من العمل نحو تعافي قطاع غزة المبكر

تآكل الطبقة الوسطى: فاتورة الحروب التي يدفعها المواطن بصمت

تآكل الطبقة الوسطى: فاتورة الحروب التي يدفعها المواطن بصمت

تاريخ النشر: 2026-07-18 | 19:33

سالي علاوي
سالي علاوي

تكتسب الحروب الإقليمية والنزاعات المسلحة جاذبيتها في أدبيات السياسة باعتبارها صراعاً على النفوذ والمبادئ، أو إعادة لرسم خرائط القوى، لكن خلف غبار المعارك وتصريحات القادة الفضفاضة، يكمن سؤال اقتصادي واجتماعي ملحّ ومغيب في آن واحد: من الذي يدفع الكلفة الحقيقية المستمرة لهذه الحروب؟

عند فحص الواقع الميداني للمنطقة، يتضح أن الفاتورة الأكبر لا تُسدد فقط من الميزانيات العسكرية للدول، بل تُقتطع مباشرة من جيوب وقدرات واستقرار الطبقة الوسطى صمام الأمان الاجتماعي والاقتصادي، مما يهدد بتآكلها التام وانزلاق مجتمعات بأكملها نحو مستنقع الفقر الدائم، وهو ما يظهر بجلاء عند تتبع المشهد من طهران وبيروت وصولاً إلى قطاع غزة والضفة الغربية.

في القراءة الشعبية والتحليلية السائدة لمسار الحروب الإقليمية الأخيرة، يرى قطاع واسع من الجمهور والمراقبين أن دول ومناطق ما يُعرف بـ "المحور" قد تكبدت خسائر هيكلية هائلة تفوق أي مكاسب سياسية أو معنوية مفترضة.

في إيران، يواجه الاقتصاد الإيراني ضغوطاً متراكمة بلغت ذروتها مع تضرر قطاعات حيوية نتيجة الاستنزاف الاقتصادي والعقوبات المرافقة للمواجهات الإقليمية، مما انعكس سلباً على مسار التنمية وأطاح بفرص الاستقرار الاقتصادي الداخلي.

ولبنان، يعيش فصلاً جديداً من فصول الانهيار؛ حيث يجد أصحاب المشاريع الصغيرة والمستقلة العمود الفقري للاقتصاد اللبناني أنفسهم أمام خيارات أحلاها مرّ، بين إغلاق قسري، أو إفلاس غير معلن نتيجة انعدام الأمان الشامل وتوقف عجلة الإنتاج.

أما قطاع غزة، يمثل الانهيار هناك الحالة الأشد مأساوية، فالدمار الشامل الذي طال الأحياء السكنية والمنشآت التجارية والبنية التحتية الأساسية لم يمحُ الأنشطة الاقتصادية فحسب، بل نزع القدرة على العيش الكريم لعشرات الآلاف من العائلات التي تحولت من الاعتماد الذاتي إلى الاعتماد الكامل على المساعدات الإغاثية الشحيحة.

تخلق هذه الدائرة من التدمير والإنهاك تساؤلات جدية لدى الشارع حول جدوى الاستمرار في هذا المسار، وتستدعي التفكير بعمق في خطوات حقيقية تُفضي إلى كبح هذا التدهور الإقليمي الذي يلتهم الحاضر والمستقبل.

لا ينفصل الاقتصاد في الضفة الغربية عن هذا المشهد الإقليمي القاتم، بل يتأثر به تأثراً غير مباشر ولكنه عميق وحاد، نظراً لتركيبته البنيوية الفريدة.

إن الاقتصاد الفلسطيني يعتمد تاريخياً وبشكل مفرط على عوامل خارجية متعددة كأموال المقاصة، المساعدات الدولية، وتحويلات المغتربين وأجور العمال بدلاً من الاعتماد على قاعدة إنتاجية ذاتية صلبة يقودها المواطنون والمستثمرون المحليون بشكل مستقل. هذه التبعية المطلقة تجعله شديد الهشاشة والحساسية أمام أي اضطراب سياسي أو عسكري في الإقليم.

وما يضاعف من حدة هذه الهشاشة هو الارتباط القسري بالاقتصاد الإسرائيلي. ففي حين يفتقر الفلسطينيون إلى السيطرة على المعابر والموارد والسياسات النقدية، تتمتع إسرائيل بقاعدة إنتاجية وصناعية متطورة، وقطاع تكنولوجيا متقدم يمنحها استقلالية اقتصادية أكبر وقدرة أعلى على امتصاص الصدمات واحتواء آثار الأزمات الإقليمية، مما يخلق فجوة بنيوية تجعل الجانب الفلسطيني دائم التأثر بأي تصعيد عسكري أو سياسي خارجي دون امتلاك أدوات الحماية الاقتصادية الذاتية.

نتيجة لهذا الترابط والاعتمادية، يواجه سكان الضفة الغربية اليوم تراجعاً متسارعاً في مكانتهم الاقتصادية والاجتماعية. إن الشريحة التي يُعول عليها لحفظ التوازن المجتمعي والسياسي، الطبقة الوسطى التي تشمل المعلمين، الموظفين العموميين، صغار التجار، وأصحاب المهن الحرة، تتعرض لعملية "طحن" مستمرة ومتعددة الجبهات:

*أزمة الرواتب والسيولة: مع تكرار واشتداد أزمات احتجاز أموال المقاصة الفلسطينية (الضرائب التي تجبيها إسرائيل لصالح السلطة)، تعجز السلطة عن دفع الرواتب كاملة وبشكل منتظم، مما يحرم مئات آلاف العائلات من دخلها الأساسي المتوقع.

*ارتفاع كلف المعيشة: بموازاة انكماش المداخيل، تدفع التطورات الإقليمية ومشاكل التوريد بمعدلات التضخم إلى الارتفاع، مما يقلص القدرة الشرائية بشكل حاد.

*الانزلاق نحو الفقر: تدريجياً، تجد هذه الشريحة المتعلمة والمنتجة نفسها عاجزة عن تغطية التزاماتها الأساسية (من سداد قروض السكن والسيارات إلى تغطية أقساط التعليم الجامعي لأبنائها)، مما يضطرها للتخلي عن نمط حياتها والانزلاق المتسارع تحت خط الفقر.

لا تقف آثار هذا التآكل الاقتصادي عند حدود الأرقام والميزانيات، بل تمتد لتضرب عمق المجتمع. عندما يعجز الأفراد عن توفير نفقات عائلاتهم الشهرية وتضيق السبل أمامهم، تترتب على ذلك نتائج اجتماعية وخيمة.

إن غياب التنمية والصناعة واحتجاز الأموال والسيولة وعجز الأفراد عن الوفاء بالالتزامات يؤدي إلى تفكك النسيج الاجتماعي وتراجع القدرة الشاملة للمجتمع على الحفاظ على أمنه الداخلي واستقراره.

إن غياب أي أفق حقيقي لبناء اقتصاد صناعي أو إنتاجي فلسطيني مستقل، مع استمرار الإغلاقات وتقييد الحركة، يحوّل المجتمع من مجتمع يطمح للتطوير والبناء إلى مجتمع يبحث فقط عن "البقاء اليومي". هذا الضغط يولد بيئة خصبة للتوترات الداخلية، وتراجع قيم التكافل الاجتماعي، مما يضعف المناعة الجماعية في مواجهة أي ضغوط سياسية خارجية.

في نهاية المطاف، قد تبدو الحروب الإقليمية في نظر بعض الأطراف وصناع القرار كأدوات تخدم مصالح إستراتيجية أو حسابات سياسية بعيدة المدى على رقعة الشطرنج الإقليمية والدولية. لكن النظر إلى الواقع من زاوية الشعوب يظهر حقيقة مغايرة تماماً.

إن الكلفة الحقيقية لهذه الصراعات لا تُقاس فقط بأعداد الضحايا وحجم الأنقاض، بل بالدمار الصامت الذي يلحق بالبنية الاجتماعية والاقتصادية للمجتمعات. إن تآكل الطبقة الوسطى وإفقارها لا يعني فقط خسارة اقتصادية مؤقتة، بل هو تجريف للمستقبل، وإعدام لفرص الأجيال القادمة في العيش بكرامة واستقرار.

ويبقى السؤال معلقاً بانتظار إجابة عاقلة: إلى متى ستستمر الشعوب في دفع أثمان حروب لم تختر خوضها؟

×
أخبار
في خطوة تاريخية.. رابطة أمريكية للعلوم السياسية تصويت بالأغلبية لصالح المقاطعة الأكاديمية لإسرائيل السيسي: أمن السعودية ودول الخليج خط أحمر واستقرار غزة والسودان وليبيا من مقتضيات الأمن القومي العربي شبكة إعلانات إسرائيلية تتجسس على ملايين المستخدمين والمؤسسات الدولية لصالح شركات اختراق وتجسس تقرير حقوقي يكشف شهادات حول إطلاق حراس سجون الاحتلال النار على الأسرى الفلسطينيين داخل الزنازين نتنياهو يعلن إنشاء جدار أمني ضخم على الحدود الشرقية من اليرموك إلى إيلات ملادينوف يعلن تعليق تنسيق البضائع للقطاع الخاص بغزة ويدعو للإسراع بانتشار القوة الدولية الاتحاد الأوروبي ودول الخليج اتفقوا على تأجيل القمة المقرة بينهما في الرياض باكو: وفود عربية بيها فلسطين وتركيا وباكستان تغادر قاعة المؤتمر خلال كلمة هرتسوغ صندوق النقد الدولي يحذر من طول أمد الحرب والاضطرابات المتجددة كأكبر تهديد للشرق الأوسط الصحة: ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,396 شهيدا آيزنكوت يتعهّد بهزيمة "حماس" خلال 18 شهراً بعد قضية المسبحة.."استقالة" وزير الأوقاف الفلسطيني نتنياهو وسموتريتش يعتزمان نشر نحو ألفَي مراقب في صناديق الاقتراع بالبلدات العربية هجوم حوثي على مقر أرامكو بالظهران يدمر مكاتب الرئيس التنفيذي وكبار المسؤولين مجلس سلام ترامب لديمومة الموت في غزة! قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس: اقتحامات واعتقالات ومواجهات تحقيق جديد في الكونغرس حول تضارب مصالح كوشنر واستثماراته الإسرائيلية والخليجية سي إن إن: أمريكا تضع خططاً لاستخدام "أم القنابل" ضد إيران وثائق كتبها مساعدو نتنياهو تكشف مسؤوليته عن إخفاق 7 أكتوبر وتناقض روايته حول حماس الغارديان: إسرائيل تعرقل إنشاء قاعدة لمجلس السلام في غزة ترامب: كان ينبغي الإبقاء على قادة إيران السابقين لأنني لا أعرف مع من نتفاوض صفقة الديزل الروسي تثير الجدل.. ترامب يحمل زيلينسكي مسؤولية حرب الطاقة ويدعم موسكو تقرير: سياسات إيران ومحورها أضرت بالفلسطينيين وخدمت اليمين الإسرائيلي آيزنكوت يؤكد القدرة على هزيمة نتنياهو.. وينفي ادعاءاته بشأن عملية «البيجر» الأمم المتحدة ترصد غارات وقصفاً مكثفاً بجميع محافظات غزة وتطالب إسرائيل بوقف التضييق بالضفة باحث إسرائيلي: نتنياهو يصوغ «حقيقة بديلة» لهروب قيادته من مسؤولية إخفاق 7 أكتوبر السيسي يرد على سموتريتش برسالة إلى تل أبيب..ويؤكد موقف مصر مع فلسطين زيلنسكي: أشعر بالخيانة من قبل ترامب وهو لا يقف في الجانب الصحيح من التاريخ النقابة: جيش الاحتلال يشن حربا واسعة ضد الصحفيين الفلسطينيين لحجب جرائمها استطلاع عبري: قفزة في القوائم العربية وتقارب كبير بين المعارضة الصهيونية والتحالف الحاكم

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط