مجلس السلام تحول إلى مجلس لديمومة احتلال قطاع غزة..بدلا من العمل نحو تعافي قطاع غزة المبكر

برامج التشغيل في غزة بين سُحْق الفئات المسحوقة وسُلْطَة الواسطة

برامج التشغيل في غزة بين سُحْق الفئات المسحوقة وسُلْطَة الواسطة

تاريخ النشر: 2026-07-17 | 12:06

د. سلامه  محمود ابو زعيتر
د. سلامه محمود ابو زعيتر
موضوع التشغيل في قطاع غزة ليس مجرد قضية اقتصادية عابرة نتناولها بأسلوب رصد الأزمات، بل هو ملف حيوي ومصيري طالما بحت أصواتنا -ونحن نكرر الكتابة والحديث عنه-بضرورة لجم الفوضى التي تعتريه ومأسسته بشكل عادل، واليوم، في ظل التحديات الوجودية التي يواجهها مجتمعنا الفلسطيني جراء الحرب على قطاع غزة التي دمرت مقومات الحياة وحولت عمالنا وخريجينا إلى عاطلين عن العمل بنسبة تجاوزت الـ 85%، يصبح تنظيم هذه البرامج ضرورة لا تقبل التأجيل. إن استمرار معدلات البطالة القياسية -التي تخطت الـ 75% بين صفوف الشباب والخريجين و90% بين النساء القادرات على العمل-يضعنا أمام واقع تشغيلي معقد تدمي تناقضاته القلوب؛ إذ في الوقت الذي تتضور فيه عائلات جوعاً لغياب فرصة تسد رمقها، يتربع آخرون على عرش "الامتيازات الوظيفية" بالجمع بين وظيفتين أو ثلاث في مشاريع مؤقتة مختلفة، مستندين لظهير حزبي أو عائلي أو نفوذ متنفذ. إن هدفنا من تكرار إثارة هذا الملف ليس الانتقاد لمجرد الانتقاد، بل تقديم تصور وطني حقيقي ينهي هذا التشوّه ويؤسس لواقع شفاف ونزيه. فالعمل حق للجميع، وإذا لم ننجح في إرساء الحوكمة والعدالة لضبط وإدارة كل فرصة عمل مستحدثة، فإن هذه البرامج -بدلاً من أن تكون طوق نجاة-ستتحول إلى أداة لإنهاك كرامة عمالنا وخريجينا وقتل أملهم في العدالة المفقودة. واقع برامج التشغيل المؤقت: في ظل هذا المشهد القاتم، تحولت برامج التشغيل المؤقت التي تمولها وتطرحها المؤسسات المحلية والدولية، من كونها شبكة أمان اجتماعي تستهدف الفئات الهشة، إلى حلم بعيد المنال لآلاف الخريجين والعمال العاطلين عن العمل، ورغم أن هذه البرامج تُسوَّق كطوق نجاة مؤقت للأسر الأشد فقراً، وتُحاط بشعارات تراعي الوضوح والشفافية والحوكمة، إلا أن الواقع المرير يكشف عن أزمة مركبة تعصف بعدالة هذه الآليات، وتحولها من حق طبيعي للمواطن المكلوم إلى امتياز نادر محكوم بالنفوذ والمحسوبية، ونتيجة لذلك، نجد موظفين يتمتعون بأكثر من مشروع وفرصة دون مؤهلات حقيقية في حين لا يجد آخرون أي فرصة كانت؛ وهو ما يستدعي تدخلاً عاجلاً لضبط المشهد وإنقاذ ما يمكن إنقاذه، وتعزيز الحوكمة في مواجهة كافة مظاهر الفساد التي أنهكت شعبنا، بالتوازي مع تداعيات الحرب وأوجاعها. أسباب الأزمة بين العجز البنيوي والانحراف التطبيقي عند تقييم آليات التوظيف المؤقت في قطاع غزة، والمشاريع التشغيلية والبرامج المرتبطة بالتعافي والبنية التحتية، نجد أنفسنا أمام جانبين متداخلين يغذيان هذه المأساة: • الأول: بنيوي (كمّي وسياسي) يتمثل في الشح الشديد والواضح في عدد الفرص المعروضة مقارنة بحجم الكارثة الاقتصادية والعرض الهائل للباحثين عن العمل، وهذا العجز ليس وليد الصدفة، بل هو نتيجة مباشرة للحصار المستمر وتجميد مرحلة إعادة الإعمار، والحرب الشاملة التي دمرت البنية التحتية والقطاع الخاص الإنتاجي، والذي كان يمثل المشغل الطبيعي والوحيد القادر على خلق وظائف مستدامة، وفي ظل هذا الاستنزاف والانسداد للأفق السياسي والاقتصادي، أصبحت برامج التشغيل بمثابة مسكنات شحيحة تُطرح في بيئة مشلولة، مما يجعل عملية الاختيار والإنصاف شبه مستحيلة، ورغم ذلك، تظل الشفافية والوضوح في إعلان النتائج هي المقياس الأدنى للعدالة، أما أن يُفاجأ المجتمع بموظف ثابت يشغل أكثر من وظيفة على أكثر من مشروع تشغيلي، فذلك يمثل مأساة وظلماً صارخاً. • الثاني: الانحراف الصارخ في التطبيق لغياب الحوكمة ويتجلى هذا الشق في التخلي الممنهج عن معايير النزاهة أثناء التطبيق؛ فرغم وجود منظومة من الشروط الرسمية المعلنة (مثل نقاط الفقر، عدد أفراد الأسرة، الشهادة والتخصص، عدم الجمع بين الوظائف، وتدوير الفرص)، إلا أن التعيينات على الأرض تبتعد كثيراً عن الشفافية، وتنحرف لتخضع لاعتبارات العلاقات الشخصية، والواسطة، والنفوذ التنظيمي الذي عززه الانقسام الفلسطيني الداخلي، وهذا الانقسام الذي غيّب سلطة القانون الموحدة وهيئات الرقابة المستقلة، وجعل الواسطة هي المعيار الحقيقي الخفي للحصول على فرصة العمل، مما يحرم هذه الآليات من أي قيمة تنموية أو أمان اقتصادي مستدام. شهادات ومظاهر الخلل في التشغيل: من واقع المتابعة اليومية والعمل النقابي، تتدفق إلينا أعداد هائلة من شكاوى المواطنين والعمال، وتتمحور في مجملها حول غياب تكافؤ الفرص وتكديس الوظائف لدى فئات بعينها، ونحن هنا لا ننكر أن هناك برامج تشغيل محدودة تخضع لرقابة وضوابط دقيقة، إلا أن حجم تدخلاتها ضئيل جداً مقارنة بحجم الكارثة، وفي المقابل، فإن هناك جهات محلية وأهلية عديدة تقوم بالتشغيل دون الخضوع لأي معايير أو رقابة قانونية، وتتمثل أبرز المخالفات التي نرصدها في: 1. المحسوبية الحزبية واستفادة أشخاص تربطهم علاقات بجهات متنفذة أو فصائلية على حساب العمال والخريجين وأسر هي الأشد فقراً وتهميشاً. 2. الاحتكار الوظيفي والجمع بين العقود فقد رصد حالات متكررة يستفيد فيها نفس الشخص من عدة عقود تشغيل مؤقت متتالية، بل والجمع بين عدة وظائف في آن واحد، في حين تُحرَم عائلات أخرى بالكامل لسنوات طويلة. 3. تجاوز الهيئات الرسمية وقيام بعض المؤسسات الشريكة التي تتلقى تمويلاً دولياً باختيار المستفيدين بناءً على اعتبارات شخصية وعلاقات عامة، ضاربةً بقوائم الدور الرسمية عرض الحائط. بناءً على هذا المشهد، يصبح وصول الفرص للفئات الأكثر احتياجاً نسبياً ومحدوداً للغاية؛ وصحيح أن نسبة من الفرص تصل لعائلات مستورة عبر التدقيق في بيانات التنمية الاجتماعية ومسوح الفقر، إلا أن فجوة الحرمان تظل واسعة جداً وتعمق الانقسام الطبقي والاجتماعي داخل القطاع، فالفئات الأشد عوزاً ومنهم العمال غير المهرة، الخريجون الجدد من عائلات معدمة، والنساء المعيلات، بالإضافة إلى الأشخاص ذوي الإعاقة الذين يُهمشون بشكل مضاعف وتُتجاهل كوتا التشغيل القانونية الخاصة بهم (5%)، تعاني من ضعف حاد في الوصول لهذه الفرص؛ إما بسبب الشروط البيروقراطية المعقدة، أو لعجز المشاريع عن استيعاب سوى نسبة ضئيلة جداً لا تتجاوز في الغالب (5-10%) من إجمالي المتقدمين، ليُترك الباقون فريسة للفقر المدقع والبطالة المزمنة. الدور النقابي في مواجهة التغوّل: أمام هذا التغييب للعدالة وسحق مبدأ تكافؤ الفرص، تبرز أهمية الدور النقابي ليس فقط كوسيط، بل كمدافع صلب عن حقوق العمال والباحثين عن عمل من خلال ثلاثة مسارات أساسية: • استقبال وتوثيق الشكاوى قانونياً عبر تفعيل الوحدات القانونية لاستلام مظالم العمال والخريجين الذين تعرضوا للإقصاء أو الظلم لصالح أصحاب النفوذ، والعمل على إعداد ملفات قانونية متكاملة بها. • المساءلة والمناصرة بالتواصل المباشر والضغط على الجهات الحكومية المسؤولية، والمؤسسات الوطنية والأهلية، والمؤسسات الدولية والأونروا والمنظمات الأممية والـ UNDP لمراجعة قوائم المستفيدين، وتدقيق أنظمتها الرقابية لضمان عدم اختراقها من قِبل شبكات المصالح المحلية. • المطالبة بحماية الحقوق العمالية والضغط المستمر لتحسين ورفع أجور التشغيل المؤقت لتتناسب مع الحد الأدنى لمستويات المعيشة في قطاع غزة، وضمان توفير بيئة عمل آمنة ولائقة، وضمان حقوقهم في التأمين من المخاطر والتأمينات ضد إصابات العمل كحقوق أصيلة غير قابلة للتجزئة حتى في العقود المؤقتة. رؤية وخطة لخارطة طريق للانتقال من الفوضى إلى العدالة: للانتقال بملف التشغيل المؤقت من العشوائية والمحسوبية إلى مسار وطني نزيه وعادل يحمي كرامة المواطن، نتقدم بجملة من التوصيات الاستراتيجية التي تتطلب إرادة سياسية ومجتمعية حقيقية لتطبيقها: • بناء قاعدة بيانات وطنية موحدة ومقيدة إلكترونياً بربط شبكي وتكنولوجي شامل وموحد بين وزارة العمل، وزارة التنمية الاجتماعية، الأونروا، والمنظمات الدولية والمحلية لمنع الجمع بين وظيفتين أو تكرار الاستفادة، وتفعيل نظام الدور المبرمج العادل والعلني وخاصة للخريجين من المهن وذلك بالتنسيق مع النقابات المهنية. • تفعيل الرقابة المجتمعية والحقوقية المستقلة وإشراك النقابات المهنية والعمالية والمنظمات الحقوقية كأعضاء مراقبين في لجان فرز واختيار الأسماء لدى كافة الجهات المشغلة لضمان الشفافية وتحييد سلطة النفوذ الحزبي والعلاقات الشخصية. • إيجاد آلية تظلم وطنية سريعة ومستقلة باستحداث وحدة للشكاوى والمظالم عليا مستقلة تتيح لأي مواطن يرصد تجاوزاً أو احتكاراً للفرص أن يتقدم بطلب مراجعة يتم الرد عليه وإعلان نتائجه بوضوح وشفافية خلال أيام معدودة. • التحول الاستراتيجي نحو التنمية المستدامة والمشاريع الصغيرة والضغط على المانحين الدوليين لتوجيه التمويل نحو دعم وتمويل المشاريع الإنتاجية والذاتية الصغيرة والمستدامة للشباب والعائلات غير المسنودة، بدلاً من الهدر المالي المستمر في عقود بطالة مؤقتة تنتهي بعد أشهر وتترك الأسر والشباب مجدداً في دائرة العوز والانتظار المهين تحت مقصلة الواسطة، مع ضمان أن تكون برامج التمكين الاقتصادي ذات بعد تنموي وأفكار ريادية، لا أن تكون استهلاكية بمشاريع تفتقر للاستدامة والتطور والتوسع في خلق فرص تشغيلية. الخلاصة: وبناءً على ما تقدم، فإن إعادة صياغة واقع تشغيلي عادل في قطاع غزة لم تعد ترفاً فكرياً أو خياراً إدارياً تحتمل المماطلة؛ بل هي استحقاق وطني وأخلاقي ملزم لصون ما تبقى من كرامة الإنسان الفلسطيني الذي صمد فوق الركام، إننا من هذا المنبر النقابي، نضع جميع الجهات الفاعلة والشريكة بلا استثناء أمام مسؤولياتها المباشرة، ونؤكد أن الصمت على استمرار العشوائية والمحسوبية هو شراكة في سحق حقوق الفئات المسحوقة. لذا، فإننا نوجه رسالة ضغط وتوجيه حاسمة إلى كافة الشركاء، والمنظمات الدولية والأممية، والمؤسسات الحكومية والأهلية فإن المطلوب اليوم ليس إطلاق وعود فضفاضة، بل الانخراط الفوري والعملي خلف خطة وطنية موحدة ومُلزمة لمأسسة ملف التشغيل المركزي، وإخضاعه للرقابة والمحاسبة والحوكمة الرقمية، وإن عمالنا وخريجينا لا يستجدون منةً من أحد، بل يطالبون بحق أصيل كفلته القوانين والمواثيق، ومعاً وسوياً، سنواصل الضغط والنضال النقابي حتى تتحول برامج التشغيل إلى رافعة حقيقية لإنعاش سوق العمل والتنمية المستدامة، والإغلاق التام لصفحة الاستهلاك، وإهدار الكرامة، والمتاجرة بأوجاع المتضررين.
×
أخبار
في خطوة تاريخية.. رابطة أمريكية للعلوم السياسية تصويت بالأغلبية لصالح المقاطعة الأكاديمية لإسرائيل السيسي: أمن السعودية ودول الخليج خط أحمر واستقرار غزة والسودان وليبيا من مقتضيات الأمن القومي العربي شبكة إعلانات إسرائيلية تتجسس على ملايين المستخدمين والمؤسسات الدولية لصالح شركات اختراق وتجسس تقرير حقوقي يكشف شهادات حول إطلاق حراس سجون الاحتلال النار على الأسرى الفلسطينيين داخل الزنازين نتنياهو يعلن إنشاء جدار أمني ضخم على الحدود الشرقية من اليرموك إلى إيلات ملادينوف يعلن تعليق تنسيق البضائع للقطاع الخاص بغزة ويدعو للإسراع بانتشار القوة الدولية الاتحاد الأوروبي ودول الخليج اتفقوا على تأجيل القمة المقرة بينهما في الرياض باكو: وفود عربية بيها فلسطين وتركيا وباكستان تغادر قاعة المؤتمر خلال كلمة هرتسوغ صندوق النقد الدولي يحذر من طول أمد الحرب والاضطرابات المتجددة كأكبر تهديد للشرق الأوسط الصحة: ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,396 شهيدا آيزنكوت يتعهّد بهزيمة "حماس" خلال 18 شهراً بعد قضية المسبحة.."استقالة" وزير الأوقاف الفلسطيني نتنياهو وسموتريتش يعتزمان نشر نحو ألفَي مراقب في صناديق الاقتراع بالبلدات العربية هجوم حوثي على مقر أرامكو بالظهران يدمر مكاتب الرئيس التنفيذي وكبار المسؤولين مجلس سلام ترامب لديمومة الموت في غزة! قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس: اقتحامات واعتقالات ومواجهات تحقيق جديد في الكونغرس حول تضارب مصالح كوشنر واستثماراته الإسرائيلية والخليجية سي إن إن: أمريكا تضع خططاً لاستخدام "أم القنابل" ضد إيران وثائق كتبها مساعدو نتنياهو تكشف مسؤوليته عن إخفاق 7 أكتوبر وتناقض روايته حول حماس الغارديان: إسرائيل تعرقل إنشاء قاعدة لمجلس السلام في غزة ترامب: كان ينبغي الإبقاء على قادة إيران السابقين لأنني لا أعرف مع من نتفاوض صفقة الديزل الروسي تثير الجدل.. ترامب يحمل زيلينسكي مسؤولية حرب الطاقة ويدعم موسكو تقرير: سياسات إيران ومحورها أضرت بالفلسطينيين وخدمت اليمين الإسرائيلي آيزنكوت يؤكد القدرة على هزيمة نتنياهو.. وينفي ادعاءاته بشأن عملية «البيجر» الأمم المتحدة ترصد غارات وقصفاً مكثفاً بجميع محافظات غزة وتطالب إسرائيل بوقف التضييق بالضفة باحث إسرائيلي: نتنياهو يصوغ «حقيقة بديلة» لهروب قيادته من مسؤولية إخفاق 7 أكتوبر السيسي يرد على سموتريتش برسالة إلى تل أبيب..ويؤكد موقف مصر مع فلسطين زيلنسكي: أشعر بالخيانة من قبل ترامب وهو لا يقف في الجانب الصحيح من التاريخ النقابة: جيش الاحتلال يشن حربا واسعة ضد الصحفيين الفلسطينيين لحجب جرائمها استطلاع عبري: قفزة في القوائم العربية وتقارب كبير بين المعارضة الصهيونية والتحالف الحاكم

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط