الحرب المتلاحقة لتزوير جوهر الموقف الفلسطيني، وخاصة الخالد ياسر عرفات، من عرض كلينتون المنقوص عام 2000، هو جزء من حرب تمرير رواية التهويد العام، التي نراها راهنا بكل تفاصيلها.

ايتمار بن غفير لا يشبه هاينريش هيملر فقط من بعيد

ايتمار بن غفير لا يشبه هاينريش هيملر فقط من بعيد

تاريخ النشر: 2026-09-28 | 17:22

تيسير خالد
تيسير خالد

اقتحم وزير الأمن القومي الإسرائيلي المتطرف إيتمار بن غفير مؤخرا زنزانة الأسير الفلسطيني حسن سلامة ووجه له من خلف القضيان تهديدات مباشرة بالإعدام والقتل. ونشر بن غفير مقطع فيديو عبر حسابه على منصة "إكس" يوثق هذا الاقتحام مشيرًا إلى أنه زار السجن قبل نحو أسبوعين والتقى بسلامة المتهم بالمسؤولية عن عمليات تفجير حافلات عام 1996. وادعى بن غفير أنه نجح في تحويل حياة الأسير إلى "جحيم"، متوعداً بأنه في حال توليه منصب وزير الدفاع في الحكومة المقبلة سيعمل على تنفيذ عقوبة الإعدام بحق الأسرى الفلسطينيين والدفع بسياسات التهجير في غزة والضفة. وجاءت زيارة بن غفير تلك ، تزامناً مع احتدام المنافسة السياسية في إسرائيل قبيل الانتخابات العامة للكنيست المقررة في أكتوبر 2026، مستغلا في ذلك  إقرار الكنيست في الثلاثين من آذار الماضي لقانون يسمح بفرض عقوبة الإعدام على الأسرى الفلسطينيين

 

ولكن ، هل هذا هو اول اقتحام للسجون من قبل بن غفير . الجواب على ذلك كلا ، فهذا ليس الاقتحام الأول الذي يُنفذه وزير الأمن القومي الإسرائيلي المتطرف إيتمار بن غفير للسجون منذ توليه هذا المنصب . فقد سبق أن اقتحم قسم الأسيرات في سجن الدامون أواخر آب من العام 2024، ونشر مقطع فيديو يوثق تفاخره بحرمانهن من الحقوق الأساسية مثل الاستحمام والرعاية الطبية . كما اقتحم زنزانة الأسير مروان البرغوثي في سجن "غانوت" الإسرائيلي (المعروف سابقاً بسجني رامون ونفحة) في الرابع عشر من آب عام 2025 وخاطبه قائلا :  من يقتل أطفالنا أو نساءنا سنمحوه من الوجود ، واقتحم كذلك سجن عوفر غرب رام الله في الثالث عشر من شباط  الماضي لتهديد الأسرى والتفتيش الاستفزازي لغرفهم قبيل شهر رمضان ، وفي أيلول من العام 2026  ونشر مقاطع فيديو وصوراً توثق عمليات تفتيش وتنكيل جماعي بحق الأسرى تظهر إجبارهم على اتخاذ وضعيات مهينة أثناء النداء على أسمائهم .

 

هذه السياسة التي يمارسها إيتمار بن غفير بحق الأسرى الفلسطينيين ، تتجاوز مجرد السلوك الفردي وتعبر عن منهجية انتقامية منظمة تهدف إلى تجريد الأسرى من حقوقهم الإنسانية ، لتشكل نهجا سياسيا واضحا يعكس عدة أبعاد ، حيث يستغل بن غفير ملف الأسرى كورقة رابحة لتعزيز شعبيته وزيادة رصيده السياسي لدى الناخبين الإسرائيليين من اليمين المتطرف، في أجواء التحضير لانتخابات الكنيست المقررة نهاية تشرين اول القادم .  يقوم هذا النهج على الانتقام والتعذيب المنهجي مثل تقليص كميات الطعام والمياه، منع الاستحمام، والعزل الانفرادي لتحويل حياة الأسرى إلى جحيم مستمر، وممارسة تعذيب نفسي وجسدي يتنافى مع القانون الدولي الإنساني. فالتهديد العلني بالقتل والإعدام، وحرمان المرضى من الرعاية الطبية، يعكس رغبة حقيقية في تصفية الأسرى جسدياً أو دفعهم نحو الموت البطيء داخل المعتقلات.

 

وتتقاطع الممارسات ، التي ينتهجها إيتمار بن غفير ، على سبيل المثال لا الحصر ، مع أساليب مارستها وما زالت تُمارسها أنظمة شمولية وسلطات احتلال عبر العالم ، حيث يتم توظيف السجون والأسرى كأدوات للدعاية السياسية والتعذيب النفسي في نماذج تتشابه في اكثر من مكان . وقد شهد العالم نماذج منها في سجون تشيلي في عهد الدكتاتور الدموي اوغستو بينوشيه في سبعينات وثمانينات القرن الماضي ، حيث اعتمدت السلطات على استعراض صور الآلاف من السجناء شبه العراة والمكدسين في السجون كجزء من دعاية "القبضة الحديدية" للنظام ، وفي سجن "أبو غريب" خلال الغزو الأمريكي للعراق ، من خلال تسريب أو نشر صور إذلال المحتجزين بهدف إرسال رسائل قوة وهيبة لبث الخوف والرعب ، وهو ما يصنف في القانون الدولي كجرائم حرب وانتهاكات صارخة لاتفاقيات جنيف لحماية الأسرى والمحتجزين .

 

بن غفير هذا هو تلميذ نجيب للدكتاتور بينوشيه ، لو قيض له ان يحتل مكانة رئيس حكومة او رئيس دولة في اسرائيل . وما محاولاته لسن قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين وتغيير اللوائح القانونية للسجون سوى تقليد أعمى لنهج الأنظمة الفاشية تاريخياً التي حرصت دائماً على وضع "غطاء قانوني تشريعي" لتبرير الجرائم والانتهاكات الجسدية ضد الخصوم والأسرى، وتحويل السجون الى مسالخ للتعذيب تعمل "وفق القانون" .

 

أبعد من ذلك ، هناك تتجلى أوجه تشابه بين فكر وممارسات بن غفير وبين الحكم النازي وجهاز ( إس إس ) المسؤول عن المعتقلات في عهد الرايخ الثالث . كان القادة النازيون وضباط معسكرات الاعتقال (مثل داخاو وأوشفيتز) ينظمون أيضا جولات تفقدية رسمية مصحوبة بـ "بروباغندا مرئية ومكتوبة" تصور السجناء في أوضاع مهينة لتثبيت قبضة الحكم  النازي الحديدية أمام الناخبين والجمهور الألماني  . يقوم بن غفير بنفس الممارسات عبر تصوير نفسه داخل الزنازين (مثل زنزانة حسن سلامة أو مروان البرغوثي) ونشر المقاطع على وسائل التواصل الاجتماعي، مستغلاً عذاب الأسرى العُزّل كدعاية سياسية تداعب غرائز التيارات الأكثر انحطاطا وتطرفاً في مجتمعه. فقد تميزت معسكرات الاعتقال النازية بـ "السياسة الممنهجة للحرمان". كان يُمنع عن السجناء السياسيين واليهود ، بشكل خاص ، أبسط الحقوق الإنسانية مثل: الطعام الكافي، مياه الشرب، النظافة الشخصية، والرعاية الطبية. كان الهدف هو دفع المعتقلين نحو الموت البطيء بسبب الأوبئة والجوع دون الحاجة لتنفيذ أحكام إعدام مباشرة . يتباهى بن غفير علناً بتقليص وجبات الطعام للأسرى الفلسطينيين، وقطع المياه عنهم، ومنعهم من الاستحمام بانتظام، بل وصل به الأمر إلى طرح مقترحات وحشية مثل بناء سجن محاط بالتماسيح .

 

اعتمد النازيون على نزع الآدمية عن الأسرى عبر قص شعرهم، وإجبارهم على ارتداء ملابس موحدة تحمل شارات ملونة مهينة، ومخاطبتهم بالأرقام بدلاً من أسمائهم. كما كانوا يجبرون السجناء على اتخاذ وضعيات جسدية شاقة ومهينة لساعات طويلة أثناء طابور المناداة اليومي بهدف كسر كبريائهم . وفي حالة  بن غفير ،  فإن مقاطع الفيديو ، التي توثق إجبار الأسرى الفلسطينيين على الانحناء التام والجلوس على الأرض بوضعية ممعنة في الإذلال أثناء المناداة تؤكد وجه شبه كبير مع ممارسات اجهزة القمع النازية . وكان الضباط النازيون يتعمدون استهداف قادة المقاومة والرموز السياسية المعتقلين في زنازينهم بشكل شخصي أمام بقية السجناء، رغبةً في كسر معنويات الحركات المناهضة لهم وإظهار عجز قادتها خلف القضبان.

 

وفي هذا وغيره يقدم بن غفير نفسه باعتباره ظلا لأحد أقوى رجال ألمانيا النازية، الرجل الثاني فعلياً في الرايخ الثالث بعد أدولف هتلر، الذي كان يشغل منصب القائد الأعلى لقوات الأمن الخاصة (إس . إس )، وكان المهندس التنفيذي والعقل المدبر لـلهولوكوست (المحرقة)، والمشرف المباشر على معسكرات الإبادة والاعتقال النازية . وتكمن أوجه الشبه بين إيتمار بن غفير وهاينريش هملر في المنهجية الفكرية والآلية التنفيذية التي يُدار بها ملف الأسرى والمحتجزين. فرغم فارق الإمكانات والزمن، إلا أن العقلية الأمنية والسياسية تتطابق في عدة ركائز أساسية على هذا الصعيد .  فقد كان هملر يحرص شخصياً هو الآخر على إجراء زيارات تفتيشية رسمية وميدانية لمعسكرات الاعتقال مثل معسكر "داخاو" ومعسكر "أوشفيتز"وكانت تُلتَقط له صور شهيرة وهو يقف بملابسه العسكرية محاطاً بحراسه المدججين بالسلاح، لينظر بفوقية إلى الأسرى المنهكين خلف الأسلاك الشائكة والقضبان . هاينريش هملر هو من رسخ فكرة أن معسكرات الاعتقال ليست مجرد أماكن حجز، بل أدوات "للتطهير والكسر الجسدي" عبر تجويع الأسرى الممنهج، وقطع إمدادات النظافة، وتقليص حصص المياه، مما أدى لانتشار الأوبئة والموت البطيء. بن غفير يتبنى علانية سياسة مشابهة تقوم على "الحرمان المقنن"؛ إذ يفاخر بقطع المياه الساخنة، تقليص وجبات الطعام إلى الحد الأدنى، منع الاستحمام بانتظام للأسيرات والأسرى، وسحب الاحتياجات الإنسانية الأساسية لتحويل حياة الأسير إلى جحيم يومي ، وهو من وضع لوائح صارمة داخل المعتقلات النازية تهدف إلى سحق كرامة السجين قبل جسده؛ كإجبار الأسرى على اتخاذ وضعيات انحناء مهينة، الجلوس مكدسين على الأرض أثناء طوابير العد والمناداة اليومية، واستبدال أسمائهم بأرقام أو شارات.

 

وكما يفعل بن غفير هذه الأيام ، فقد كان هاينريش هملر يسعى دائماً لإصدار مراسيم وقوانين تمنح جهاز الـ (إس . إس ) الوحشي والشرطة غطاءً قانونياً كاملاً لممارسة التعذيب والتصفيات داخل السجون دون ملاحقة قضائية . أبعد من ذلك هناك أوجه شبه وثيقة في العقلية السادية ؛ فرغم أن اقتراح إيتمار بن غفير ببناء بركة تماسيح حول معسكرات احتجاز الأسرى الفلسطينيين قد يبدو غريباً أو خيالياً، إلا أن هاينريش هملر، بصفته المهندس الأول لنظام معسكرات الاعتقال النازية، طبق بالفعل إجراءات وحشية وغير مألوفة للتنكيل بالسجناء عبر أساليب بيئية وحيوانية ، فلم يكتفِ بالأسلاك الشائكة، بل أشرف جهازه الوحشي على إنشاء حديقة حيوانات مصغرة تقع مباشرة على جدار معسكر اعتقال بوخنفالد . كانت الحديقة تضم حيوانات مفترسة مثل الدببة والنسور. ووفقاً لشهادات الناجين من المحرقة كان الحراس النازيون يتعمدون في كثير من الأحيان إلقاء السجناء السياسيين واليهود أحياءً داخل قفص كنوع من التسلية والعقاب السادي، وهي فكرة تتقاطع تماماً مع رغبة بن غفير في استخدام التماسيح كأداة إرهاب وقتل مادي ونفسي. كما أدخل هملر نظاماً صارماً لاستخدام الكلاب الشرسة المدربة (مثل الكلاب الألمانية الراعية) كجزء أساسي من المنظومة الأمنية داخل المعسكرات كمعسكر ( رافنسبورغ ) ومعسكر ( أوشفيتز ) . وبدلاً من بركة تماسيح بن غفير ، أحاط هملر المعسكرات بخنادق مائية عميقة وأسلاك شائكة تسري فيها تيارات كهربائية ذات جهد عالٍ جداً قاتل. كان مجرد الاقتراب من هذه الحدود يعني الموت الفوري بالرصاص من أبراج المراقبة أو الصعق الكهربائي، وكان يُجبر الأسرى اليائسون أحياناً على إلقاء أنفسهم عليها هرباً من العذاب، وهو ما يحاكي رغبة بن غفير في جعل محيط السجن مكاناً للموت الحتمي والمرعب.

 

بن غفير هو عار على حكومة ودولة اسرائيل ، أما العار الأكبر فهو لبنيامين نتنياهو ، الذي يشاهد وزيره يقوم بنفس الأدوار ، التي كان يقوم بها اولئك ، اتلذين تلطخت أياديهم بدماء اليهود في معسكرات الاعتقال الجماعي النازية . فوزيره لشؤون الأمن القومي لا يشبه وزير ادولف هتلر فقط من بعيد .  

×
أخبار
واشنطن تقاطع أحداث مؤتمر "دربان" بالأمم المتحدة وتفتح النار على "إرثه المناهض للغرب" دبلوماسيون واقتصاديون إسرائيليون يحذرون من عزلة دولية وعقوبات تشبه سيناريو "جنوب إفريقيا" طهران تنفي صلتها بمخطط لاستهداف قاعدة أمريكية في بريطانيا محادثات غير مباشرة مرتقبة بين واشنطن وطهران في نيويورك لبحث مقترح معدل بشان التهدئة آيزنكوت يشن هجوماً حاداً على نتنياهو ويعدّ بقاءه في السلطة خطراً مباشراً عقب أحداث 7 أكتوبر "العفو الدولية": الإعلان عن وقف بيع السندات الإسرائيلية في أوروبا إنجاز للتضامن والضغط الشعبي والبرلماني المستشارة القضائية لحكومة الاحتلال تتراجع عن تجميد مناقصة البناء الاستيطاني في منطقة "E1" التعويل على الانتخابات في امريكا وإسرائيل وهم وضعف .. الإعتماد على الذات .... قوة ؟ للخالق صناعة أكثر سطاعة إيران تشكو واشنطن دوليًا بسبب عقوبات الطيران نتنياهو ينفي تلقي تحذيرات مصرية قبل 7 أكتوبر ويشن هجوماً على الشاباك والمعارضة القائمة المشتركة تستنكر تصريحات سيجالوفيتش الداعمة لشطب أبو شحادة "الكتلة الدقيقة": كيف غيّرت إيران معادلة الحرب والاستنزاف أمام الأسلحة المتطورة؟ البحرية الأمريكية تنفي تصريحات "الحرس الثوري" وتؤكد حرية الملاحة في مضيق هرمز البرلمان الهنغاري يرفع الحصانة عن رئيس الوزراء بيتر ماغيار على خلفية اتهامات بـ"سرقة هاتف" شهداء وجرحى في قصف إسرائيلي استهدف منزلًا يؤوي نازحين شمالي مدينة غزة ضابطان إسرائيليان يكشفان معلومات جديدة عن اغتيال نصر الله: "كنا نعرف مكانه في كل دقيقة" الاتحاد الأوروبي يجدد تفويض مهمتين لمعبر رفح ومساندة الشرطة الفلسطينية فتوح: اقتحامات الأقصى والاعتداءات على المقدسات والمزارعين انتهاك خطير يستوجب المحاسبة فرنسا: اختراق غير مسبوق لليمين المتطرف في مجلس الشيوخ الكرملين: لا يجب أن يتجرأ أحد على إعلان "خطط أربعينية" لضرب روسيا الخارجية الفلسطينية تدين الابتزاز الإسرائيلي للدبلوماسية الهولندية وتطالب بموقف دولي موحد أبو ردينة: اقتحامات الأقصى تصعيد خطير لن تمنح الاحتلال أي شرعية محافظة القدس تحذر من استغلال الأعياد اليهودية لفرض وقائع جديدة في المسجد الأقصى يوم 28 سبتمبر..ولوي عنق الحقيقة الفلسطينية بهدف معلوم! الصحة: ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,022 شهيد مخطط استيطاني لتغيير واقع الطرق والحركة في قلب رام الله والبيرة نتنياهو يبدأ إعداد ملف ضد أردوغان أمام الجنائية الدولية هولندا تفتش ركاب طائرة إسرائيلية لضمان عدم إدخال منتجات المستوطنات وزير الخارجية السعودي يصل إلى واشنطن لإجراء محادثات مع نظيره الأمريكي

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط