الأصدقاء الأعزاء متابعي أمد للإعلام .. هناك عملية نقل من مطور لآخر ما قد يؤثر على نشر الأخبار لفترة قصيرة! ...

اليوم شاتيلا تودّع سنديانتها ام محمد راجح

اليوم شاتيلا تودّع سنديانتها ام محمد راجح

تاريخ النشر: 2026-09-21 | 15:24

وليد العوض
وليد العوض

قبل 44 عاماً، كنا بضعة فتية رفضنا الخروج مع مقاتلي الثورة الفلسطينية من بيروت، وأصررنا على البقاء في مخيم شاتيلا مع أهالي المخيم. كان شيئاً في داخلنا يقول إن صبرا وشاتيلا مقبلتان على مجزرة، وإن علينا أن نبقى إلى جانب أهلنا، مهما كان الثمن.
لم يكن لنا مأوى في المخيم. كنا نتنقل من بيت إلى بيت، ومن زقاق إلى زقاق، وننام في بعض الأندية وعند الأصدقاء. وحين وقعت المجزرة، قمنا بدورنا في الدفاع عن آلاف من أبناء المخيم، وساهمنا في إنقاذ الآلاف منهم وإجلائهم إلى أماكن آمنة.
في ذلك المخيم، احتضننا أهل شاتيلا ونسوته الماجدات، وفتحوا لنا بيوتهم، ووفّروا لنا الطعام والمبيت، وتقاسموا معنا الخوف والخبز والقلق. كانت بيوتهم ملاذاً لنا في زمن لم يكن فيه للمطاردين سوى قلوب الناس وبيوتهم.
ومن بين تلك النساء كانت الحاجة أم محمد راجح، إحدى سنديانات شاتيلا اللواتي وقفن في وجه المحنة، واحتضنّ أبناء المخيم ومن لجأ إليهم.
وبعد أن استقرت الأوضاع، جاءت زوجتي من مخيم عين الحلوة، بعدما كان التواصل مقطوعاً بفعل الحرب آنذاك، لتفتش عني بين أكوام الجثث، ووجدتني حياً. وحينها فتحت لنا أم محمد راجح بيتها، كما فتحته لكثيرين غيرنا.
وفي شاتيلا أنجبت ابني الأول حسين. كنت يومها مطارداً، أتنقل من بيت إلى بيت ومن زقاق إلى زقاق، وكانت زوجتي بحاجة إلى من يسندها في رعاية طفلنا الأول وتربيته. فكانت أم محمد حاضرة بقلب الأم وحنانها، وكانت زوجتي تعتمد عليها في رعاية حسين وتربيته، حتى غدت لنا هي وأبناؤها وبناتها عائلةً ثانية، وأماً وإخوةً وسنداً في تلك الأيام القاسية.
لم تكن أم محمد مجرد امرأة فتحت باب بيتها لنا؛ كانت جزءاً من ذاكرتنا في شاتيلا، وواحدة من أولئك النساء اللواتي حفظن للمخيم روحه، وحفظن للناس حياتهم وكرامتهم في أحلك الظروف.
كنت، كلما زرت لبنان، أحرص على أن أذهب إلى شاتيلا لزيارتها والاطمئنان عليها. كنت أعود إليها كما يعود المرء إلى جزء من ذاكرته، إلى بيت يحمل في جدرانه حكايات لا تُنسى، وإلى امرأة ارتبط اسمها في وجداني بسنوات صعبة، لكنها كانت عامرة بالمحبة والتكافل.
وفي السنوات الأخيرة، أقعدها المرض، ولم تعد قادرة على استقبال أحد كما كانت تفعل. لكنها كانت تجالس ضيوفها بقلب طيب  تسعرهن أن كلاماً كثيراً لا يحتاج إلى صوت. كانت تحاكي الناس برمشات عيونها الحانية، وكأن عينيها كانتا تختصران كل ما مضى: تسأل عنا، وتطمئن علنا وتستعيد مع كل زائرٍ  شيئاً من تلك الأيام البعيدة.
واليوم، الاثنين 21/9/2026، رحلت الحاجة أم محمد راجح، «ديبة موسى سليمان».
رحلت سنديانة فلسطين، أم الشهداء، بعد عناء طويل مع المرض.
ذهبت لتلتحق بأبنائها الشهداء: الشهيد محمد راجح محمد، والشهيد المفقود يوسف راجح محمد، وزوجها الراحل راجح محمد أبو آسية، وبناتها الراحلات فاطمة راجح محمد، وحمدة راجح محمد، وخضرة راجح محمد.
رحلت لتلتحق بهم جميعاً، وتركت لنا مفتاح البيت العتيق، وتركت في قلوبنا بيتاً من الذكريات لا يغلق بابه، لنكمل الطريق من بعدها، ونواصل حمل حلمها وحلم أهلها بالعودة إلى أرض الوطن.
اليوم، شاتيلا لا تودّع امرأة عابرة من ذاكرة المكان؛ إنها تودّع سنديانة من سندياناتها، امرأة كانت شاهدة على وجع المخيم، وعلى صمود أهله، وعلى حكايات أبنائه، وكانت جزءاً من حياتنا في أكثر أيامها قسوة.
نامي بسلام يا أم محمد.
نامي يا حبيبتنا، يا أمنا، يا أم الشهداء، يا سنديانة فلسطين وشاتيلا البطلة.
سيبقى بيتك في ذاكرتنا مفتوحاً، وستبقى رمشات عينيك الحانيتين تحاكياننا كلما عدنا إلى شاتيلا، أو استعدنا حكايات تلك الأيام.            

×
أخبار
كيف تدفع الأزمات البحرية الرياض نحو تعاون أمني هادئ مع إسرائيل؟ «الغارديان»: لواح اتهام أمريكية تكشف مخططاً استخباراتياً روسياً لاغتيال منشقين في واشنطن «إعادة ضبط المسار تحت وطأة الحرب»: تحول استراتيجي في الخليج لبناء إطار أمني مباشر مع إيران استطلاع: تراجع شعبية ترامب لأدنى مستوى بمسيرته السياسية بعد إلغاء ترامب عن قصفهم.. ميليشيا "الحوثيين" تسعى لعزل ساحل البحر الأحمر محافظة القدس: 1678 مستوطن اقتحموا الأقصى خلال يومين وتصعيد لفرض وقائع جديدة داخله الصفدي: أكثر من مليوني غزي محاصرون في القهر والحرمان والمعاناة بريطانيا تحث الأسر على تخزين مواد غذائية أساسية تحسبًا للأزمات «سي إن إن»: ثمانية مؤشرات غير تقليدية تُرجّح كفة الديمقراطيين في انتخابات التجديد النصفي الأمريكية "بوليتيكو": ممداني "يستغل" الاجتماعات الأممية لتوسيع شبكة اليسار خارج أمريكا مجلس التعاون: دول الخليج ترفض فرض رسوم أو شروط أحادية على المرور في هرمز أو باب المندب بيتكوين تقفز 4% وتسجل أعلى مستوى منذ يناير استنفار أمني مغربي على حدود سبتة تحسبا لاقتحام جماعي جديد شهداء وجرحى في قصف وإطلاق نار إسرائيلي استهدف مناطق متفرقة بقطاع غزة تحذير من التداعيات المناخية والبيئية والأمن الإنساني للحرب على إيران تقرير: حدود المسارات البديلة لمضيق هرمز وتداعيات خنق تجارة الشحن الخليجية تقرير: أزمة ثقة تحيط بقناة الوساطة الأمريكية مع تراجع فاعلية مسار "ويتكوف-دميترييف" بين كييف وموسكو شبكات البث الأمريكية تعلق التغطية التلفزيونية المشتركة لترامب الجامعة العربية تدين التصعيد الإسرائيلي ضد المقدسات والشعب الفلسطيني دراسة: حرب 2026 تنقل الردع الإيراني من شبكة الوكلاء إلى مضيق هرمز وسلاح الطاقة قراءة في مراجعة فوكوياما لأطروحة «نهاية التاريخ» وتحديات النموذج الليبرالي مرونة أمريكية وتراجع صيني: كيف تفادت أسواق النفط والغاز أزمة الشلل الكامل بعد تعطّل هرمز؟ تحليل: الاستنزاف يعيد تعريف القوة العسكرية وأمريكا تواجه فجوة الاستدام سيف العدل وحمزة بن لادن: نموذج «القيادة الموزعة» لإدارة لامركزية القاعدة تقرير: الضغوط المتزايدة على أمن الطاقة والروابط الدفاعية بين الرياض وواشنطن مكتب الموازنة بالكونغرس يوثق الكلفة المالية والاستراتيجية لـ «عملية الغضب الأسطوري» ضد إيران وزير الخزانة الأميركي: ستتوقف جميع شركات الطيران الإيرانية عن العمل في أنحاء العالم في 23 سبتمبر "هآرتس": العقوبات الدولية على إسرائيل تتجه لنطاق ملزم ذي "أسنان حقيقية" بعد لقاء عون في بعبدا.. جنبلاط: نعم للمفاوضات المشروطة بالانسحاب ترامب: يجب إنهاء الحرب السخيفة بين روسيا وأوكرانيا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط