"المقترح البوتيني" لا يمثل خيارا مرحبا به لرئيس حكومة دولة الفاشية اليهودية نتنياهو، فذلك لن يؤدي لتأجيل انتخابات ستذهب به إلى "جهنم السياسية".

الطوفان الذي حطم الخلخال

الطوفان الذي حطم الخلخال

تاريخ النشر: 2026-10-09 | 16:26

عدنان الصباح
عدنان الصباح

السابع من اكتوبر حطم الخلخال، وأحضر فلسطين حية لا صدى صوت ، فأصاب النائمين بالهلع
ثمة استعارة تختصر، ربما أكثر من أي خطاب سياسي طويل، علاقة كثير من الأنظمة العربية بالقضية الفلسطينية: الخلخال، فالخلخال لا يغيّر شيئًا في قدم صاحبته، ولا يمنحها قدرة إضافية على السير، ولا يحميها من الطريق. وظيفته الأساسية أن يُصدر صوتًا كلما تحركت القدم، وأن يقول لمن حولها: أنا هنا، وهكذا كانت فلسطين، إن لم تكن لا زالت، في مراحل كثيرة من التاريخ العربي الحديث، خلخالًا سياسيًا تضعه الأنظمة في خطابها، فتُسمع صوته لشعوبها وللعالم، ترفعه حين تحتاج إلى استنفار الشارع، وتخفضه حين تتغير الحسابات، وتعيد إخراجه من الخزانة حين تحتاج إلى استعادة شرعية أو مواجهة خصم أو تغطية عجز.
لكن المشكلة في الخلخال أنه لا يحرر القدم، بل يُسمع صوتها فقط، وهنا تكمن واحدة من أكثر مفارقات القضية الفلسطينية إيلامًا: لقد ظل العالم العربي يتحدث عن فلسطين بصوت مرتفع، بينما ظل الفلسطينيون أنفسهم يعيشون في صمت الاحتلال وضجيج الحرب واللجوء والنزوح والحصار والموت.
كان الخلخال يرن في العواصم، فيما كانت القدم الفلسطينية تنزلق الى القبر، أو تسير فوق الركام، وظل عليها ان تبقى خلخالا للآخرين ةضج من الخارج لخدمتهم وتنوجع بصمت، وليس اكثر ايلاما ما قاله مظفر النواب عن سكوت المغتصبة.
منذ النكبة، أصبحت فلسطين جزءًا أساسيًا من اللغة السياسية العربية، فلم تكن قضية هامشية أو عابرة، بل كانت قضية تحرر وطني حقيقية، لكنها أصبحت في الوقت نفسه أداة سياسية بالغة الفاعلية، فقدكان يكفي أحيانًا أن يرتفع صوت فلسطين حتى يشعر المواطن أن حكومته جزء من معركة كبرى.
وحين تحتاج الأنظمة إلى تعبئة الجماهير، يرن الخلخال.
وحين تحتاج إلى تفسير الفشل الداخلي، يرن الخلخال.
وحين تحتاج إلى منافسة نظام عربي آخر على زعامة المنطقة، يرن الخلخال.
وحين تريد إثبات استقلالها عن القوى الغربية، يرن الخلخال.
وحين ترغب بحرب في جبهة بعيدة يرن الخلخال.
لكن بعد انتهاء الحاجة، تعود القدم إلى مكانها، ويُخلع الخلخال، ويُلقى في زاوية بعيدة ومظلمة، حتى يأتي موسم سياسي جديد، فتمتد اليد إليه من جديد، ويُعاد إلى القدم، ويبدأ الرنين، وهكذا لم تعد فلسطين، في بعض الاستخدامات السياسية، مشروعًا للتحرير بقدر ما أصبحت جهاز إنذار سياسيًا: يكفي أن تحركه قليلًا حتى يسمعه الجميع.
لكن ثمة فرقًا هائلًا بين أن تُسمع العالم صوت القضية، وبين أن تُغيِر واقع القضية، فالأنظمة لا تخوض كل الحروب من أجل فلسطين، فقد خاض العرب حروبا كثيرة، حاربوا بعضهم بعضًا.
دخلوا في صراعات على الحدود والنفوذ والسلطة.
حاربوا في اليمن، واقتتلوا في لبنان، تصارعوا مع إيران.
دخل العراق الكويت، فاخرجوه منها وادخلوا كل العالم اليه تحت رايتهم.
حتى الفلسطينيين حاربوا الاردن ولبنان وسوريا أكثر مما حاربوا من يحتل ارضهم
شهدت المنطقة حروبًا أهلية وانقلابات وتدخلات عسكرية وصراعات إقليمية لا تكاد تنتهي، وفي كثير من هذه الصراعات استطاعت الدول أن تحشد الجيوش، وتنفق الأموال، وتطلب الدعم الدولي، وتتحمل خسائر بشرية واقتصادية هائلة.
أي أن الدولة العربية، حين كانت ترى أن أمنها القومي أو حدودها أو نظامها السياسي مهدد، تستطيع أن تتصرف بوصفها دولة، وأن تستخدم أدوات القوة التي تملكها.
لكن فلسطين ظلت شيئًا آخر، فقد ظلت القضية التي يتفق الجميع على قدسيتها، بينما يختلف الجميع حول مقدار الثمن الذي ينبغي دفعه من أجلها، لكننا يجب أن نكون دقيقين: ليست المشكلة أن العرب لم يحاربوا إسرائيل. لقد حاربوا بالفعل عام 1948، وفي 1956، وفي 1967، وفي 1973، وخاضت دول عربية مواجهات أخرى بدرجات مختلفة.
ولذا فإن السؤال الأهم ليس: هل حارب العرب؟، بل: هل كانت فلسطين هي المشروع السياسي الذي استمر بعد انتهاء الحرب، أم أن كل دولة عادت في النهاية إلى حساباتها الوطنية الخاصة؟
في 1973، على سبيل المثال، عبر الجيش المصري قناة السويس واستعاد جزءًا من المبادرة العسكرية، ثم انتهى المسار المصري لاحقًا إلى استعادة سيناء عبر التسوية السياسية ومعاهدة السلام المصرية ـ الإسرائيلية.
لم يكن ذلك بالضرورة خطأ من منظور المصلحة المصرية.
لكنه كشف شيئًا مهمًا: حين أصبح استرداد الأرض المصرية ممكنًا عبر مسار مصري، أصبحت مصر قادرة على إنهاء حربها الخاصة، أما فلسطين، فبقيت بلا دولة تستطيع أن تنهي حربها الخاصة.
وهنا عاد الخلخال إلى القدم.
حين أصبح الفلسطيني هو نفسه الخلخال
لكن المأساة لا تتوقف هنا.
فمع مرور الزمن، لم يعد الخلخال ملكًا للأنظمة وحدها، بل أصبح الفلسطيني نفسه مطالبًا بأن يرتديه.
مطلوب منه أن يبقى حيًا كي تبقى القضية حية.
أن يبقى مظلومًا كي تبقى القضية عادلة.
أن يحتج، ولكن ليس كثيرًا.
أن يقاوم، ولكن بطريقة لا تزعج العالم.
أن يصرخ، ولكن دون أن يكسر قواعد النظام الدولي.
أن يموت، ولكن بطريقة لا تفرض على أحد اتخاذ موقف.
بمعنى آخر:
كان مطلوبًا من الفلسطيني أن يبقى الخلخال، لا أن يصبح القدم التي تمشي.
فالخلخال يصدر الصوت، لكنه لا يحدد الاتجاه.
وإذا بقي الفلسطيني مجرد صوت لقضيته، فإن الآخرين سيظلون هم الذين يحددون إلى أين تذهب القدم.
بعد هزيمة 1967، كان يمكن أن يقال للمصريين: لا تحاربوا، فإسرائيل أقوى، والحرب ستكلفكم الكثير، والولايات المتحدة تقف خلفها، والمواجهة قد تؤدي إلى كارثة.
لكن مصر حاربت.
لم يكن قرار الحرب ضمانة للنصر، ولم تكن نتائجه محسومة سلفًا، لكنه كسر حقيقة سياسية مهمة: الاحتلال ليس قدرًا أبديًا لمجرد أن المحتل أقوى.
وهذا لا يعني أن 7 أكتوبر 2023 هو نسخة فلسطينية من 6 أكتوبر 1973.
ليس كذلك.
السياق مختلف، والقوى مختلفة، وطبيعة الحدث مختلفة، والنتائج والكلفة مختلفة.
لكن التشابه الذي يستحق التفكير ليس في العمليات العسكرية، وإنما في فكرة كسر الانتظار.
في الحالتين يوجد سؤال عن اللحظة التي يقرر فيها الطرف الأضعف أنه لم يعد قادرًا على العيش داخل المعادلة القائمة.
وهنا يبدأ السؤال:
هل كان ينبغي للمصريين أن ينتظروا أكثر؟
أم أن يظلوا أسرى لميزان القوة حتى تصبح القوة متساوية؟
إذا قبلنا بالمبدأ الأول، فإننا نقول ضمنًا إن القوي يملك حق تحديد موعد المقاومة، لا صاحب الأرض المحتلة.
وهذا هو السؤال الذي يطارد الفلسطيني منذ أكثر من قرن.
لماذا يحق للجميع أن يتحركوا إلا الفلسطيني؟
منذ 1917، والفلسطيني يسمع أنه يجب أن ينتظر.
انتظروا المجتمع الدولي.
انتظروا بريطانيا.
انتظروا الأمم المتحدة.
انتظروا المفاوضات.
انتظروا أوسلو.
انتظروا حل الدولتين.
انتظروا تغير الحكومة الإسرائيلية.
انتظروا تغير الإدارة الأمريكية الجديدة.
انتظروا المبادرة العربية.
انتظروا الظروف المناسبة.
لكن الزمن لم يكن واقفًا.
كان الزمن يتحرك.
وفي الصراعات الطويلة، لا يكون الزمن دائمًا محايدًا، فالوقائع التي تُبنى على الأرض أثناء الانتظار قد تصبح لاحقًا أساسًا لتحديد ما هو "ممكن" وما هو "مستحيل".
ولهذا فإن السؤال ليس فقط: لماذا لم ينتظر الفلسطينيون؟
بل:
من الذي كان سيوقف الزمن بينما ينتظر الفلسطيني؟
ومن الذي كان سيضمن أن الانتظار سيؤدي إلى نتيجة مختلفة؟
المشكلة في الخلخال أنه يصبح غاية في ذاته، وهنا نصل إلى جوهر الاستعارة.
حين يصبح الخلخال غاية، تنسى صاحبته أنها تملك قدمًا.
يصبح المهم أن يبقى صوته مسموعًا، لا أن تصل إلى المكان الذي تريد.
وهكذا يمكن أن تتحول القضية الفلسطينية إلى حالة سياسية دائمة:
مؤتمرات، بيانات، قمم، قرارات، مساعدات،مفاوضات أبدية، احتجاجات محسوبة، خطب في الهواء، مواقف لا تاتي بفعل، ثم لا شيء يتغير جوهريًا.
يستمر الخلخال في الرنين، لكن القدم لا تصل.
وهذا هو الخطر الأكبر على أي قضية تحرر: أن تتحول من مشروع تغيير إلى طقس سياسي يُمارس بانتظام، ويمنح الجميع شعورًا بأنهم فعلوا شيئًا، بينما يظل الواقع الأساسي على حاله.
وحين قررت القدم الفلسطينية أن تمشي وحدها في لسابع من اكتوبر 2023، بكل ما يحمله من تعقيدات ودماء وانتهاكات وكلفة إنسانية هائلة، كان كل ما فعله الفلسطيني أنه كسر الصمت بقدمه وساعده لا بخلخالهم الذي ارادوا له ان يكونه.
ليس لأنه حقق للفلسطينيين ما يريدون؛ فهذا أمر مختلف تمامًا، وليس لأن كل ما حدث فيه يمكن تبريره أخلاقيًا أو قانونيًا؛ فهذا أيضًا سؤال مستقل، بل لأنه وضع العالم أمام حقيقة كان يمكن تأجيلها، لكن لم يعد ممكنًا تجاهلها: هناك شعب لم يعد يقبل أن يكون مجرد خلخال في أقدام الآخرين.
حين كان الخلخال الفلسطيني هادئًا، كان الجميع قادرين على الحديث عن فلسطين.
لكن حين تحركت القدم نفسها، أصبح السؤال:
من أعطى الفلسطيني الحق في أن يتحرك؟
فجأة أصبح التوقيت مشكلة.
والوسيلة مشكلة.
والنتائج مشكلة.
والتداعيات مشكلة.
لقد آن الأوان، ربما، لأن يتغير السؤال.
فلسطين ليست خلخالًا عربيًا.
وليست خلخالًا إسلاميًا.
وليست خلخالًا اشتراكيًا.
وليست حتى خلخالًا فلسطينيًا تستخدمه الفصائل لتأكيد شرعيتها.
فلسطين هي قدم شعب يريد أن يمشي إلى وطنه.
والمطلوب ليس أن يستمر صوت الخلخال إلى الأبد، بل أن يصل صاحبه إلى المكان الذي يريد، فقد تختلف الشعوب والدول حول الطريق، وقد تختلف حول المقاومة والمفاوضات والدولة الواحدة والدولتين، وحول الوسائل والحدود والتوقيت، لكن الشيء الذي ينبغي ألا يتحول إلى خلاف أبدي هو أن الفلسطيني ليس مطلوبًا منه أن يبقى إلى الأبد مجرد رمز لمأساة يستخدمها الآخرين حين يحتاجونها لذواتهم أيا كانت هذه الذوات.
لقد سمع العالم صوت الخلخال طويلًا.
سمعه في القمم العربية.
وفي بيانات الأمم المتحدة.
وفي الخطب.
وفي المظاهرات.
وفي الأغاني.
وفي نشرات الأخبار.
وفي كتب التاريخ.
لكن المشكلة أن الخلخال ظل يرن، والقدم ظلت في مكانها.
والسؤال هو: لماذا تركتم القدم واقفة طوال كل هذا الوقت؟
لأن أخطر ما يمكن أن يحدث لشعب ليس أن يتحول إلى قضية منسية.
الأخطر أن يتحول إلى قضية حاضرة دائمًا، ولكن بوصفها صوتًا فقط.
صوتًا يستخدمه الجميع.
صوتًا يتحدث باسمه الجميع.
صوتًا يتضامن معه الجميع.
بينما لا يُسمح لصاحبه بأن يقرر إلى أين يمشي.
وهنا تحديدًا تنتهي حكاية الخلخال.
أو ينبغي أن تنتهي.
فالقضية الفلسطينية لا تحتاج إلى خلخال جديد.
تحتاج إلى قدم حرة.


الموافقة على شروط النشر: 1
صورة شخصية للكاتب:
ارفاق ملف:
روابط التواصل الاجتماعي:

×
أخبار
مركزية فتح تقرر تشكيل لجنة لدراسة الآليات التنفيذية لتحقيق وحدة الحركة زلزال في الاستخبارات ألمانيّة: إذن رسمي للمتهم بتسريب 2000 وثيقة وخيوط الاختراق تتشعب بين باكو وبكين فضيحة.. بارك مبعوث ترامب احتفظ بعلاقة مالية مع شركة تنفذ خط أنابيب نفط من العراق لسوريا "ن. تايمز": اختيار كاتي زكريا متحدثة باسم البيت الأبيض ترامب يعلن الاتفاق مع بوتين على تزويد السوق بـ 4.8 مليون طن نفط تقرير: "غسق الصين الطويل".. حين يلتقي الانحدار السكاني بالشلل السياسي وزير الخارجية الإسرائيلي: السلطة الفلسطينية "الفاسدة" تخدع المجتمع الدولي القرن الأفريقي في مهب الاستقطاب: جغرافية النزاعات المترابطة والتنافس على الممرات والموارد رفض دولي للقرار الأمريكي ودعم للمحكمة الجنائية الدولية..والعفو تدعو لإفشاله تقرير: هل تعيد تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي تعريف "السيادة الوطنية"؟ الرئيس عباس يوجه وزارة الخارجية وبعثة فلسطين لدى الأمم المتحدة لطلب جلسة عاجلة لمجلس الأمن مصدر مصري: دعوة البرلمان الأوروبي لمراجعة تمويل "الإخوان" اعتراف رسمي بطبيعتها الإرهابية الأمم المتحدة: 50 ألف امرأة وفتاة بين شهيدة وجريحة في قطاع غزة منذ بدء العدوان الجنائية الدولية تتعهد بمواصلة تحقيقاتها رغم العقوبات الأمريكية..والمطلوب نتنياهو يشيد السعودية تفتح تحقيقاً في واقعة "فلاي دبي" واشنطن تفرض عقوبات على الجنائية الدولية وتتعهد بتجفيف مصادر تمويلها وتطويق عملها بعد عام من سريانه.. أكثر من 100 منظمة دولية تندد بـ "صورية" وقف إطلاق النار بغزة وتوثق استشهاد 1400 مواطن تقرير: أكثر من 74 ألف شهيد و175 ألف جريح حصيلة ثلاثة أعوام من الإبادة في غزة بي بي سي عربي تعيّن ميسلون نصار رئيسةً لخدمتها في إطار إعادة هيكلة وإجراءات تحريرية أوسع الخارجية الفلسطينية: فوز القاضية بيلاي بجائزة نوبل إعلاء لصوت الحق وصوت المظلومين الحرس الثوري يعلن مهاجمة ناقلة قبالة الإمارات.. وإيران تستبعد نجاح التفاوض مع واشنطن التضليل الدبلوماسي: التعتيم على «ضم الضفة» والانتهاكات يثير أزمة ثقة داخل الخارجية الأمريكية "قطاع غزة" إلى أين في ظل الجمود السياسي بعد عام من وقف إطلاق النار?! بعد 5 عقود...ليبيا تتحرك لمقاضاة إسرائيل دوليًا في حادث إسقاط طائرة استراتيجيات نتنياهو الانتخابية للتنصل من مسؤولية 7 أكتوبر وتكريس الهيمنة من مينيسوتا.. ترامب يطلق العنان لموجة من الخطاب المعادي للصوماليين والمسلمين “العفو الدولية” تندد بزيادة صادرات فرنسا العسكرية لإسرائيل خلال2025 نائب الرئيس الفلسطيني الشيخ يبلغ فرنسا بتأجيل الانتخابات التشريعية جائزة نوبل للسلام 2026 تمنح للجنوب أفريقية نافي بيلاي- فيديو سيناتور أمريكي: القوات الإسرائيلية انتهكت القانون الإنساني الدولي في غزة

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط