مجلس السلام تحول إلى مجلس لديمومة احتلال قطاع غزة..بدلا من العمل نحو تعافي قطاع غزة المبكر

الشتم.. تفريغ انفعالي وإفلاس أخلاقي

الشتم.. تفريغ انفعالي وإفلاس أخلاقي

تاريخ النشر: 2021-03-29 | 17:04

د. وليد القططي
د. وليد القططي

يُروى أنَّ أعرابياً كانَ يرعى الإبلَ لقومهِ، فهاجمتْهُ عصابةٌ من قُطّاعِ الطرقِ، واستولتْ على الإبلِ دونَ أنْ يفعل شيئاً، سوى صعود تلة لينهال عليهم شتماً، حتى ساروا بعيداً بالإبل، ولمّا عاد إلى قومهِ سألوهُ عن الإبلِ فروى لهم ما حدث، وعندما استفسروا عما فعله لمنعهم من الاستيلاء على الإبل، أجابهم: "أوسعتهم شتماً وساروا بالإبل"، فذهبت مقولته مثلاً يُقال لكل من تقصر يده بالفعل ويطول لسانه بالقول، فينطلق بالشتم والسب والطعن والقدح واللعن... ولكل من يظن أنّه فعل بلسانه مالم يستطع فعله بيده، ولكل من يُوهم نفسه أنّه فعل الشيء لمجرد أنّه قاله، ولكلِ من اكتفى بما يقوله ليكون بديلاً عمّا يُفترض أن يفعله، ولكل من لا يملك غير شتم الناس أحياءً وأمواتاً، ذُكراناً وإناثاً، بحق أوبغير حق فالأمر سيان، وفيه قولان.

ظاهرة الشتم تحدّث عنها المفكر السعودي عبدالله القصيمي في كتابه (العرب ظاهرة صوتية) تحت عنوان (اللغة بلا موهبة.. أقبح أنواع الاستفراغ)، فقال: "أردأ صيغة لأردأ كائن هو الجهاز الذي لا يوجد جهاز آخر يساويه أو يشبهه في استفراغه لكل أنواع الفُحش والقدح والسباب والغباء والنذالات والأكاذيب والفضائح بكل أحجامها وألوانها وأصواتها... وهل يمكن أن تكون هذه الصيغة إلاّ في ذات اللسان العربي... إنَّ مثل هذا اللسان لن يكون حينئذٍ إلاَّ تفجّراً مستمراً بكل القبح والفضح والبلادة والنذالة والفحش، وبكل أنواع وأساليب السوء بلا أي قيد أو ضبط". وقال عن صفة الصراخ الصوتي للعرب في مرحلة الهزيمة: "إنَّ العربي ليرفض الصعود إلى الشمس ممتلكاً لها إنْ كان ذلك بصمت؛ ليختار التحدث بصراخ ومُباهاة عن صعوده إلى القمر وامتلاكه له بلا صعود ولا امتلاك".

هذه القسوة في التعبير عن الفواحش الكلامية عند العرب كما وصفها القصيمي في النصف الثاني من القرن العشرين، وجدت مصداقاً لها في النصف الأول من القرن الحادي والعشرين، على صفحات التواصل الاجتماعي الإلكتروني المختلفة المليئة بالسوء من القول، بعد أنْ أصبحت تلك الفواحش اللغوية أكثر سهولة، وأسرع سيولة، وأعمق سفاهة، وأشد رعونة، وبعد أن اخترع (الكفار)الشبكة العنكبوتية العالمية؛ ليستخدمها (المؤمنون) في شتم ولعن وتكفير بعضهم بعضاً... فكان العربُ – حسب الدراسات والإحصائيات- أكثرَ الشعوبِ ثرثرةً على منصات التواصل الاجتماعي الإلكتروني والهواتف الذكية؛ لأنهم أقل الشعوب عملاً وإنتاجاً وإنجازاً، وثرثرتهم معظمها تدور: بين إشاعات كاذبة ومسبّات لاذعة، أو تعليقات مسيئة وشتائم بذيئة، أو قُبح فاضح وسوء طافح، أو هجو مهين وهمز لئيم. بينما كانت الشعوب الصناعية، وفي مقدمتها الشعبين الألماني والياباني أقل الشعوبِ ثرثرةً على تلك المنصات والهواتف؛ لأنهم أكثر الشعوب عملاً وإنتاجاً وإنجازاً، وبالتالي أقلها جهراً بالسوء من القول.

حالة الثرثرة اللسانية والضجيج الصوتي، لا سيما الفارغ والقبيح منه، شتماً ولعناً، تُصيب الأمم والشعوب في مراحل هزيمتها وانكسارها، وأزمنة تراجعها وانحدارها، عندما يضربها العجز والكسل، ويقعدها الوهن والفشل، وعندما تستبدل العمل بالقول، والتجديد بالتقليد، والإبداع بالاتباع، والرحمة بالقسوة... فتلجأ إلى التعويض النفسي عبر عالم الكلام تعويضاً لا شعورياً لما عجزت عنه في عالم الأفعال، بطريقة الهروب إلى الأمام، والعيش انتظاراً لمستقبلٍ غير أكيد، أو الهروب إلى الخلف، والعيش عالةً على أمجاد ماضٍ تليد. أو الهروب داخل أعماق النفس لاستخراج منها ما دُفن في زمن الهزيمة والعجز، وما تراكم من عصور الاستبداد والفساد، من غضبٍ وكبتٍ وضغطٍ وإحباطٍ، فتساعدها اللغة المنطوقة والمكتوبة على التفريغ الانفعالي لإخراج أبشع ما بجوفها من طاقة الغضب الوحشية، ومخزون العُقد المكبوتة، وثقل الضغط المُتراكم، وشدة الإحباط المُتكدس... فيعطيها التفريغ الانفعالي شعوراً وهمياً بالراحة، وإحساساً مُفتعلاً بالطمأنينة؛ فتخلد إلى الدعة والسكينة؛ حتى يستبدلها اللهُ بغيرها ممن ليسوا بأمثالها.

آن الأوان لإعادة النظر في أساليب اللعن والطعن والشتم والسب وكل الفواحش اللغوية التي يتبعها البعض على مواقع التواصل الاجتماعي الإلكتروني، ضد مخالفيهم وخصومهم وحتى أعدائهم، وضد الشخصيات التي لا تعجبهم، أو المُثيرة للجدل بحق أو بغير حق، لا سيما ممن توفاهم اللهُ ومضوْا إليه بأخيارهم وأشرارهم؛ فالكلام المُسيء الفاحش لا يُثبت صواباً أو ينفي خطأً، ولا يُظهر حقاً أو يُزهق باطلاً، ولا يُقنع صديقاً أو يُفحم خصماً.

والعكس هو الصحيح فقد يزيد الخلاف والخصومة والعداوة، ويبعد الناس عن الحق والصواب، ويقربهم من الباطل والخطأ، فضلاً عن أنه سلوك منهي عنه في القرآن الكريم، بقوله تعالى : "وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ"، ومنهي عنه في السُنّة النبوية، لقوله صلى الله عليه وسلم " ليس المُؤمِنُ بالطَّعَّانِ ولا اللَّعَّانِ ولا الفاحشِ ولا البَذيءِ". والمنهج الإسلامي الحضاري في مواجهة الآخرين داخل الدائرة الإسلامية أو خارجها يعتمد على المواجهة بالأدلة والبراهين لقوله تعالى: "قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ" وعدم اتباع منهج مشركي قريش في اللغط الباطل من القول، الذين قالوا لبعضهم البعض " لَا تَسْمَعُوا لِهَٰذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ".

هذا المنهج الإسلامي في البُعد عن الكلام الفاحش البذيء، وترك السب والشتم، لا يعني تمييع المبادئ والمواقف، أو إلباس الحق بالباطل، أو مزج الصواب والخطأ، كما لا يعني الضبابية في الحكم على الأفكار المُخالفة للإسلام، أو المجاملة في تقييم الشخصيات المُعادية للإسلام، وهو بالتأكيد يعني تسمية الأشياء بمسمياتها إيجاباً أو سلباً، والتصدي لأصحاب الأفكار الضالة والمذاهب المنحرفة؛ فالدفاع عن الإسلام واجب على كل المسلمين على قدر استطاعتهم وقدراتهم، دون أن نخلط بين فهمنا للإسلام والإسلام نفسه، كي لا نجعل اجتهادنا في فهم الإٍسلام هو الإسلام نفسه، فنخرج غيرنا من الإٍسلام بغير حق، وبهذا المنهج الإسلامي الحضاري البعيد عن الشتم المُعبر عن التفريغ الانفعالي والإفلاس الحضاري والأخلاقي نستطيع أن نمسك عصا موسى - عليه السلام - التي تلتهم حيات الزيف والضلال والكفر.

×
أخبار
الصحة: ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,396 شهيدا الاتحاد الأوروبي ودول الخليج اتفقوا على تأجيل القمة المقرة بينهما في الرياض باكو: وفود عربية بيها فلسطين وتركيا وباكستان تغادر قاعة المؤتمر خلال كلمة هرتسوغ صندوق النقد الدولي يحذر من طول أمد الحرب والاضطرابات المتجددة كأكبر تهديد للشرق الأوسط آيزنكوت يتعهّد بهزيمة "حماس" خلال 18 شهراً بعد قضية المسبحة.."استقالة" وزير الأوقاف الفلسطيني نتنياهو وسموتريتش يعتزمان نشر نحو ألفَي مراقب في صناديق الاقتراع بالبلدات العربية هجوم حوثي على مقر أرامكو بالظهران يدمر مكاتب الرئيس التنفيذي وكبار المسؤولين مجلس سلام ترامب لديمومة الموت في غزة! قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس: اقتحامات واعتقالات ومواجهات تحقيق جديد في الكونغرس حول تضارب مصالح كوشنر واستثماراته الإسرائيلية والخليجية سي إن إن: أمريكا تضع خططاً لاستخدام "أم القنابل" ضد إيران وثائق كتبها مساعدو نتنياهو تكشف مسؤوليته عن إخفاق 7 أكتوبر وتناقض روايته حول حماس الغارديان: إسرائيل تعرقل إنشاء قاعدة لمجلس السلام في غزة ترامب: كان ينبغي الإبقاء على قادة إيران السابقين لأنني لا أعرف مع من نتفاوض صفقة الديزل الروسي تثير الجدل.. ترامب يحمل زيلينسكي مسؤولية حرب الطاقة ويدعم موسكو تقرير: سياسات إيران ومحورها أضرت بالفلسطينيين وخدمت اليمين الإسرائيلي آيزنكوت يؤكد القدرة على هزيمة نتنياهو.. وينفي ادعاءاته بشأن عملية «البيجر» الأمم المتحدة ترصد غارات وقصفاً مكثفاً بجميع محافظات غزة وتطالب إسرائيل بوقف التضييق بالضفة باحث إسرائيلي: نتنياهو يصوغ «حقيقة بديلة» لهروب قيادته من مسؤولية إخفاق 7 أكتوبر السيسي يرد على سموتريتش برسالة إلى تل أبيب..ويؤكد موقف مصر مع فلسطين زيلنسكي: أشعر بالخيانة من قبل ترامب وهو لا يقف في الجانب الصحيح من التاريخ النقابة: جيش الاحتلال يشن حربا واسعة ضد الصحفيين الفلسطينيين لحجب جرائمها استطلاع عبري: قفزة في القوائم العربية وتقارب كبير بين المعارضة الصهيونية والتحالف الحاكم عشرات آلاف يتظاهرون في كولومبيا ضدّ الرئيس الجديد احتجاجا على سياستة الاجتماعية بيلاي: عقوبات ترامب على الجنائية الدولية غير قانونية..ربما رد فعل على خسارته نوبل أوباما: حكومة نتنياهو فقدت المبادئ الأخلاقية بتجاهلها حقوق الشعب الفلسطيني مصر تذكر ترامب بالتزامات خطة غزة بعد مرور عام على توقيع شرم الشيخ «أفريقيا كجبهة جديدة لحروب الشرق الأوسط»: ممر البحر الأحمر وأنماط الفوضى الجيوسياسية العالمية تقرير: كيف أعادت سلسلة الحسابات الخاطئة إشعال حرب السعودية في اليمن؟

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط