مجلس السلام تحول إلى مجلس لديمومة احتلال قطاع غزة..بدلا من العمل نحو تعافي قطاع غزة المبكر

إشكاليات خطاب ما بعد غزة

بالرغم من الصمود الاستثنائي لعموم المواطنين الفلسطينيين في محنة العدوان «الإسرائيلي» الأخير على قطاع غزة. وبالرغم من الوحدة الميدانية التي تَجلّت على الأرض بين جميع القوى والفصائل ومكونات الحالة الفدائية العسكرية، وكذلك التفاوض الفلسطيني غير المباشر مع الطرف الإسرائيلي عبر وفدٍ فلسطيني موحد، إلا أن العديد من التباينات أطلت مُجدداً على الساحة الفلسطينية في تقييم مرحلة ما بعد غزة.

إلى هنا، والأمر عادي جداً في الحالة الفلسطينية، فالتباينات في التقييم، وحتى المُشادات، وأجواء التسخين وحديّة النقاشات، ووصولها لدرجة التشابك حتى بالأيدي في مرات، وإن كانت نادرة، أمرٌ معهود في الساحة الفلسطينية، بل بات الأمر تاريخياً جزءاً أساسياً من فولكلور العمل السياسي الفلسطيني.

إلا أن المؤشرات التالية لما بعد غزة لا تُبشّر بالخير كثيراً، لجهة طي ملف الانقسام الداخلي. فقد كَثُرت في الأيام الأخيرة مفردات الخطاب التوتيري العالي، بين الأطراف الفلسطينية المختلفة، وكَثُرت مع تلك المفردات لغة التصعيد الإعلامي غير المُبرر، وهي لغة كان يفترض بها أن تتراجع أمام الاستحقاقات الفلسطينية المُترتبة على المرحلة التالية من محنة العدوان الأخير على قطاع غزة.

المُشكلة هنا، لا تكمن فقط في اعتقاد البعض بأنه بات سيد الموقف في تقرير مسارات المرحلة التالية بحكم علاقاته وشبكة اتصالاته الدولية وسطوته، بل تَكمُن أيضاً في تراجع الخطاب الوحدوي المُتفائل الذي ساد بعد توقيع اتفاق المصالحة في مخيم الشاطئ في قطاع غزة في يونيو الماضي 2014، حيث اعتبر البعض من المتشائمين في حينها بأن الاتفاق إياه لم يكن سوى تنفيس داخلي لأزمات واحتقانات فتحاوية وحمساوية.

لقد اكتوى الفلسطينيون تاريخياً بمصائب الانقسامات الداخلية في صفوفهم، وذلك عبر المحطات المختلفة التي عاشتها الحركة الوطنية الفلسطينية الحديثة (قبل النكبة) والمعاصرة (بعد النكبة). وكان انقسام منتصف العام 1983 المحطة القاسية في تلك الانقسامات، حين جرجر وراءه عمليات الاقتتال الدموي فوق الأرض اللبنانية في سهل البقاع وبعلبك وطرابلس وبيروت، والتي دفع ثمنها الفلسطينيون الأثمان الباهظة من كيسهم الخاص. والآن يُعاد تكرار هذا الفصل المرير مرة ثانية عبر الانقسام الذي مازال سائداً في البيت الفلسطيني منذ سنوات طويلة، بالرغم من الإعلان عن تشكيل حكومة توافق وطني، لكنها مازالت حكومة مشلولة عملياً، وتعاني من غياب الإرادة الجامعة لإعادة توحيد الجزء المتبقي من أرض فلسطين (الضفة الغربية والقدس الشرقية وقطاع غزة) وتوحيد المؤسسات بين الضفة الغربية والقطاع بما فيها المؤسسات العسكرية والأمنية (مؤسسات الأمن الوطني).

إن المُشكلة الكبرى في مسارات العمل السياسي والوطني الفلسطيني، وفي مسارات الحركة الوطنية الفلسطينية المعاصرة، أنَّ خبرات التجارب العملية على الأرض، والتي مَرَ بها الفلسطينيون، كانت ومازالت للأسف، تذهب سدى غالب الأحيان، وقلما تَعَلَمَ الفلسطينيون من تجاربهم التي اكتووا بها وبتداعياتها. فكانوا في كل مرة يعاودون دفع الأثمان وكأنها قَدَر مكتوب عليهم. وهنا لا ننسى أن المُعادلات والمحاور الإقليمية المُتبدلة والمتجددة وتأرجحاتها من حين لآخر، كانت ومازالت ظالمة وقاسية بحق الفلسطينيين، وطالما جعلت منهم ألعوبة في صراعاتها المُستديمة في المنطقة، ولنا أكثر من مثال على ذلك في هذا الميدان.

إن طي ملف الانقسام الفلسطيني الداخلي، ينتظر إرادة فلسطينية، حازمة وحاسمة على المستوى السياسي بالنسبة للقضايا المطروحة بما فيها مسألة المفاوضات مع الطرف «الإسرائيلي» والتي وصلت الى طريقها المسدود منذ فترة طويلة. كما ينتظر مناخاً عربياً رسمياً مُحترماً يقف الى جانب مساعدة كل الأطراف الفلسطينية من أجل تجاوز الخلافات والتباينات الفلسطينية، ودعم وإسناد حكومة التوافق الفلسطينية التي تم تشكيلها ولم تقلع حتى الآن في عملها، دعمها على كل المستويات بما في ذلك على مستوى حث المجتمع الدولي من أجل التعامل معها باعتبارها حكومة وحدة وطنية فلسطينية تُعبّر عن كل الشعب الفلسطيني في أراضي العام 1967، وليست حكومة خاصة لطرف فلسطيني دون غيره.

إن على القيادة الرسمية الفلسطينية، وعلى جميع الأطراف الفاعلة في الساحة الفلسطينية، أن تدرك جيدا أن الموقف الفلسطيني سيبقى ضعيفاً في ظل الانقسام الحاصل، فيما كانت ومازالت سلطات الاحتلال «الإسرائيلي» تتطلع دائماً الى بقاء الانقسام حاصلاً في صفوف الشعب الفلسطيني حتى يبقى الموقف الفلسطيني ضعيفا، بما يُمكّن «إسرائيل» من تنفيذ سياساتها بكل أريحية تامة.

إن أجواء المصالحة الفلسطينية، ودعوات إعادة بناء العقد التاريخي في إطار منظمة التحرير الفلسطينية، ودخول حركتي حماس والجهاد الإسلامي لعضويتها وفق ما توصلت اليه الحوارات الفلسطينية التي دامت لفترات طويلة، تتطلب الكف عن إثارة بعض الإشكاليات التي لا ضرورة لها، كما تتطلب نزول الأطراف الفلسطينية عند مبدأ التشاركية الوطنية في صناعة القرار وصياغته وقيادة دفة العمل السياسي الفلسطيني، والكف عن النظر للوحدة الوطنية باعتبارها لعبة «السمك الكبير يأكل السمك الصغير»، أو لعبة «قولوا ماتشاؤون.. وأنا أفعل ما أشاء».

إن المُشكلة الكبرى في الساحة الفلسطينية، أن الخلاف والتباين السياسي حول القبول بمبدأ مسألة «التسوية السياسية» مع الطرف «الإسرائيلي» من عدمها، بات خلافاً مُتأصلاً ومستفحلاً بين مكونات الحركة الوطنية الفلسطينية بمختلف اتجاهاتها ومنابتها الأيديولوجية الفكرية حت داخل مكونات منظمة التحرير الفلسطينية وفصائلها. وهذا الخلاف والتباين باتَ يَقُضُ مضاجع العمل الوطني الفلسطيني وعموم الحركة الوطنية الفلسطينية المعاصرة. وقد ثَبُتَ بالواقع الملموس أن حل تعقيدات الملف السياسي وخلافاته في الساحة الفلسطينية، يتطلب تقديم واشتقاق أفكار جديدة، أفكار حاذقة ولمّاعة، واجتراح حلول براغماتية، تقود نحو توفير المُقاربات المُمكنة بين البرنامجين السياسيين المطروحين في ساحة العمل الفلسطيني: برنامج خط التسوية والمفاوضات، وبرنامج الخط الآخر المناهض لعملية التسوية المطروحة بصيغها المعلومة منذ مؤتمر مدريد نهاية العام 1991.

قصارى القول، إن خطاب التوتير الداخلي في الساحة الفلسطينية ما بعد غزة، خطاب مرفوض، فمرحلة ما بعد غزة، ومآسي الشعب الفلسطيني ونكباته التي خَلَّفها العدوان الأخير، تفترض بالجميع الكف عن (النبش) في (الخلافات والتباينات)، والارتقاء بمستوى الخطاب السياسي الفلسطيني الوحدوي والتوحيدي، والوصول الى مستوى احترام تلك التضحيات التي قدمها عموم أبناء فلسطين في القطاع، فلا شفاعة ولا رحمة ولا احترام من الشعب الفلسطيني لكل من لا يحترم تضحياته وإرادته الوطنية بعد هذا الصمود الكبير في قطاع غزة، وهو الصمود الذي سطره عامة المواطنين، وأذهلوا به العالم بأسره.

×
أخبار
"خسائر بمئات المليارات": تحولات ديموغرافية تهدد الاقتصاد الإسرائيلي ليبرمان يرفض دعم حكومة أقلية ويتعهد بائتلاف "صهيوني حصراً" استهداف قصر معاشيق الرئاسي في عدن بـ 4 صواريخ باليستية وتصاعد كثيف للدخان نتنياهو: أمليت موقفي على الشرع في مكالمة قصيرة وواضحة لوقف استهداف الدروز في خطوة تاريخية.. رابطة أمريكية للعلوم السياسية تصويت بالأغلبية لصالح المقاطعة الأكاديمية لإسرائيل مجلس السلام يعلن استكمال آليات الرقابة والمعايير المالية لتنفيذ خطة غزة السيسي: أمن السعودية ودول الخليج خط أحمر واستقرار غزة والسودان وليبيا من مقتضيات الأمن القومي العربي شبكة إعلانات إسرائيلية تتجسس على ملايين المستخدمين والمؤسسات الدولية لصالح شركات اختراق وتجسس تقرير حقوقي يكشف شهادات حول إطلاق حراس سجون الاحتلال النار على الأسرى الفلسطينيين داخل الزنازين نتنياهو يعلن إنشاء جدار أمني ضخم على الحدود الشرقية من اليرموك إلى إيلات ملادينوف يعلن تعليق تنسيق البضائع للقطاع الخاص بغزة ويدعو للإسراع بانتشار القوة الدولية الاتحاد الأوروبي ودول الخليج اتفقوا على تأجيل القمة المقرة بينهما في الرياض باكو: وفود عربية بيها فلسطين وتركيا وباكستان تغادر قاعة المؤتمر خلال كلمة هرتسوغ صندوق النقد الدولي يحذر من طول أمد الحرب والاضطرابات المتجددة كأكبر تهديد للشرق الأوسط الصحة: ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,396 شهيدا آيزنكوت يتعهّد بهزيمة "حماس" خلال 18 شهراً بعد قضية المسبحة.."استقالة" وزير الأوقاف الفلسطيني نتنياهو وسموتريتش يعتزمان نشر نحو ألفَي مراقب في صناديق الاقتراع بالبلدات العربية هجوم حوثي على مقر أرامكو بالظهران يدمر مكاتب الرئيس التنفيذي وكبار المسؤولين مجلس سلام ترامب لديمومة الموت في غزة! قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس: اقتحامات واعتقالات ومواجهات تحقيق جديد في الكونغرس حول تضارب مصالح كوشنر واستثماراته الإسرائيلية والخليجية سي إن إن: أمريكا تضع خططاً لاستخدام "أم القنابل" ضد إيران وثائق كتبها مساعدو نتنياهو تكشف مسؤوليته عن إخفاق 7 أكتوبر وتناقض روايته حول حماس الغارديان: إسرائيل تعرقل إنشاء قاعدة لمجلس السلام في غزة ترامب: كان ينبغي الإبقاء على قادة إيران السابقين لأنني لا أعرف مع من نتفاوض صفقة الديزل الروسي تثير الجدل.. ترامب يحمل زيلينسكي مسؤولية حرب الطاقة ويدعم موسكو تقرير: سياسات إيران ومحورها أضرت بالفلسطينيين وخدمت اليمين الإسرائيلي آيزنكوت يؤكد القدرة على هزيمة نتنياهو.. وينفي ادعاءاته بشأن عملية «البيجر» الأمم المتحدة ترصد غارات وقصفاً مكثفاً بجميع محافظات غزة وتطالب إسرائيل بوقف التضييق بالضفة

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط