مجلس السلام تحول إلى مجلس لديمومة احتلال قطاع غزة..بدلا من العمل نحو تعافي قطاع غزة المبكر

إسرائيل تستدعي القوة الناعمة وسلاح المصالح

في ظل تراجع الأخطار الإستراتيجية التي عانى منها الكيان الصهيوني طويلاً، بعد انهيار الأنظمة العربية التي كانت تصنف تقليدياً بأنها معادية له، وتفكك منظوماتها العسكرية، وضعف جيوشها النظامية، وانشغالها في همومها الداخلية ومشاكلها الخاصة، نتيجة الحراك الشعبي الذي تشهده بعضها، وتخشى أخرى من أن يحل في بلادها، فيهدد أمنها ويستهدف استقرارها، وينهي وجودها، الأمر الذي دفعها لأن تجعل من شعوبها وأبناء وطنها العدو الأول لها، فتفرغت لمواجهتهم، وتصدت لهم كأشد ما تكون المواجهة والتصدي، في الوقت الذي يتراجع فيه العدو الصهيوني عن موقع الصدارة في العداء، والأول في الخطورة، لينتقل إلى مرحلة الصداقة والتحالف أحياناً، فهو بالنسبة إليهم أقرب، وخطره أقل، وبات التفاهم معه أسهل، ولجم أطماعه ممكناً، والتعاون معه أيسر وأفضل.

وفي ظل هذه التطورات الجديدة، التي ما كان يحلم بها العدو أو يتوقعها، بدأ الخبراء والاستراتيجيون الإسرائيليون يفكرون في وضع الأسلحة التدميرية جانباً، والتخلي عنها قليلاً في المعركة القادمة، ذلك أن التحدي الجديد لا يلزمه دباباتٌ ولا طائرات، ولا صواريخ ولا مدافع، ولا تفوق عسكري ولا كثرة عددٍ وعتاد، كما أن ميادين المواجهة ليست هي الجبهات العسكرية، وساحات القتال الليلية، وإنما هي البيوت والأسر، والعائلات والأشخاص، والمصالح والمنافع، والعقول والشهوات، والرغبات والحاجات، وغيرها مما لا يلزم للانتصار فيها الأسلحة الخشنة المدمرة، بل يلزمها أسلحة ناعمة ورقيقة، لطيفة ومرغوبة، لا تجرح ولا تخدش، ولا تقتل ولا تميت، ولا تلق مقاومة ولا يصدها هجوم، ولا تستفز الخصوم ولا تستدر العطف وتبعث على الحزن والأسى، ولا تدفع العواصم الدولية للشجب والاستنكار، والغضب والتنديد.

ينطلق الإسرائيليون في استراتيجيتهم الجديدة من أن الشعوب العربية قد ملت وتعبت، وأنه قد أصابها اليأس والإحباط، ولم يعد لديها ذلك الحماس القديم والحمية المعروفة عنهم، ولا الرغبة في التضحية والاستعداد للفداء، وأنها أصبحت من هول ما أصابها، وفداحة ما حل بها، لا تفكر إلا في مصالحها، ولا تسعى إلا من أجل منافعها، وهي برأيهم لم تعد قادرة على الصمود والمواجهة، فقد انهارت جدران الصمود عندها، وتهاوت أسوار المقاطعة والممانعة، ووهن العزم بينهم، واشتعل الرأس فيهم شيباً وضعفاً، وبات لا يشغلهم شئ أكثر من استعادة أمنهم، والعودة إلى بيوتهم، وجمع شملهم الذي تمزق، ولم شتاتهم الذي تبعثر، واحتضان من بقي من أولادهم وبناتهم، والعيش بأمانٍ واستقرار، بعيداً عن الحروب والقتل، وويلات الاعتقال والسحل في الشوارع والطرقات، والتيه بين الدول وعلى الحدود، والذل في المطارات وعلى البواباتِ، بحثاً عن لجوءٍ أو جنسية، وأحياناً عن مساعدةٍ أو هوية.

إنهم يرون أن هذا هو الوقت الأنسب لبدء المعركة الجديدة مع أبناء الأمة العربية جميعاً، بعد أن فترت همتها وغارت عزيمتها، فهي أقرب إلى القعود منها إلى القيام، إذ السلاسل في أرجلها، والقيود في أيديها، وأفواهها مكممة، وحرياتها مسلوبة، وقدرتها على الفعل الحر والمباشر محدودة، وهي تلقى من أنظمة بلادها وحكام أوطانها ما يجعلها تكفر بالشعارات، وتتراجع عن الكثير من المبادئ والأفكار، بعد أن كثرت السجون وغصت بمن فيها، وكثر القتل فيها وخارجها، واستحر الدم بين أبنائها وفي أهلها، فما عادت هموم الآخرين تعنيهم، ولا قضايا غيرهم تهمهم.

بل إنهم يرصدون اليوم انقلاب بعض البلاد العربية، الأنظمة والشعب، والأحزاب والقوى، والإعلام والقضاء، فضلاً عن الجيش والأمن، على قطاعٍ كبيرٍ من الشعب الفلسطيني، يتهمونه ويعاقبونه، ويشكون فيه ويحاسبونه، وبالضد منه وبالنكاية فيه يحاصرون قطاعاً كبيراً من الشعب الفلسطيني، ويدفعون أهله إلى اليأس والقنوط، والهروب والفرار، أو القبول بالأسوأ والرضا بما يقسمه له العدو ويعطيه.

يدعو الإسرائيليون مؤسساتهم الأمنية والقومية إلى استغلال هذه الظروف، وانتهاز الفرصة السانحة، لتجنيد شبانهم وشاباتهم، ونسائهم ورجالهم، والطلاب والطالبات، والتجار ورجال الاقتصاد، وأصحاب الفنون والخبرات، وأهل الفن والإعلام، وغيرهم من كل فئات الشعب، من سكان البلاد ومن خارجها، لأن يقتحموا الخلوة العربية، وأن يتسللوا إلى نفوس أبنائهم وبناتهم، وأن يدخلوا عليهم بيوتهم ومجتمعاتهم، وأن يخاطبوهم بلغةٍ أخرى ومفرداتٍ مختلفة، ليس فيها عداء ولا خصومة، ولا حرب ولا قتال، وإنما تقوم حواراتهم على المعاني الإنسانية، والقيم النبيلة، التي تقوم على احترام الإنسان والتعايش المشترك، وحق الشعوب في العيش والأمم في البقاء، وغير ذلك مما يخلق بين العرب والإسرائيليين جسوراً من الحضارة، ومفاهيم من الحداثة، تكون قادرة على تذويب قوالب ثلج العداء، وهدم جدران المقاطعة، وكسر صخور الممانعة والتحدي.

يعتقد الإسرائيليون أن هذه هي فرصتهم الموعودة، وضالتهم المنشودة التي كانوا يبحثون عنها، فلا ينبغي أن تفلت من بين أيديهم، ولكنهم ينصحون بضرورة اعتماد الوسائل الحكيمة والعقلانية، في محاولة التأثير على العرب وثنيهم عن مقاصدهم القديمة، وذلك عبر حواراتٍ ولقاءاتٍ مباشرة، واتصالاتٍ هاتفية، وندواتٍ مشتركة، وعولمةٍ معلوماتية، ورحلاتٍ مختلطةٍ، وصفقاتٍ تجاريةٍ، ومبادلاتٍ ثقافية، ومشاريع تشاركية، وحفلاتٍ غنائية، ومقطوعاتٍ موسيقية، وحملاتٍ مدروسة، تظهر الوجه الإنساني للإسرائيليين، وتنفي عنهم العدوانية والكراهية، والعصبية والعنصرية، وتركز على حق اليهود كغيرهم في البقاء والوجود في أرض الآباء والجدود.

كما يدعو المفكرون الإسرائيليون إلى مشاركة العرب ومحاورتهم في الهموم الكونية التي تعاني منها المنطقة العربية والعالم كله، كمشاكل الطاقة وأزمات الوقود، وأزمة المياه وشح الأمطار، وندرة المياه الجوفية وتملحها، وظواهر الانحباس الحراري واختراق طبقة الأوزون، وذوبان الجليد، والارتفاع المخيف في درجات الحرارة، وغير ذلك مما يهم الإنسان، ويؤمن مستقبله، ويحمي أجياله ومشاريعه.

أو التفكير في الأسواق المشتركة، وتبادل السلع والمنتجات، والاشتراك في الصناعة والزراعة، والتنسيق لاختيار الأفضل وانتقاء الأنسب، وتبسيط الأنظمة الجمركية، وفتح الموانئ والمعابر التجارية، وتشجيع العمالة المحلية، والقضاء على البطالة والفقر والأمية.

ربما أن الإسرائيليين قد أصابهم البله، ووقعوا في نوبة الجنون والصرع، أو أنهم لا يعرفون العرب، ولا يفهمون إسلامهم، عندما يظنون أن الأمة العربية الحرة تأكل بثدييها، وتبيع شرفها لتعيش أياماً كالعبيد، وأنها من أجل كسرة خبزٍ، أو خرقة قماشٍ، أو حرصاً عن نفعٍ زائلٍ وكسبٍ محدود، ستنسى فلسطين والقدس، وستتخلى عن المسجد الأقصى والأرض المباركة من حوله، وستفرط في كتاب ربها ومسرى نبيها، وما علموا أن الأمة العربية تحيا من أجل فلسطين، وفي سبيلها تضحي، ومن أجلها تقدم.

إنها أضغاثُ أحلامٍ إسرائيليةٍ، وهرطقات فلاسفة صهاينةٍ، وجنون باحثين وسفه ضالين، ومخططات أمنيين وقرارات سياسيين، يبحثون لأنفسهم عن مكانٍ، ولشعبهم عن دولة، ولكيانهم عن تشريعٍ وقبول، ولكن هيهات أن يكون لهم ما أرادوا، فإن هذه الأمة لا تقعد حتى تقوم، ولا تكبو حتى تنهض، وإن نار جمرها تحت الرماد دوماً يتقد، وأنه حتماً سيلتهب في أي وقتٍ وحين، وسيكون ناراً لاهبةً، وثورةً غاضبةً، تحرق قلوبهم والجلود، وتعيدهم من جديدٍ إلى تيهٍ يعرفونه، وذلٍ يدركونه، ومعازل لم ينسوها، وشتاتٍ منه جاؤوا.

https://www.facebook.com/moustafa.elleddawi

[email protected]

×
أخبار
السيسي: أمن السعودية ودول الخليج خط أحمر واستقرار غزة والسودان وليبيا من مقتضيات الأمن القومي العربي شبكة إعلانات إسرائيلية تتجسس على ملايين المستخدمين والمؤسسات الدولية لصالح شركات اختراق وتجسس تقرير حقوقي يكشف شهادات حول إطلاق حراس سجون الاحتلال النار على الأسرى الفلسطينيين داخل الزنازين نتنياهو يعلن إنشاء جدار أمني ضخم على الحدود الشرقية من اليرموك إلى إيلات ملادينوف يعلن تعليق تنسيق البضائع للقطاع الخاص بغزة ويدعو للإسراع بانتشار القوة الدولية الاتحاد الأوروبي ودول الخليج اتفقوا على تأجيل القمة المقرة بينهما في الرياض باكو: وفود عربية بيها فلسطين وتركيا وباكستان تغادر قاعة المؤتمر خلال كلمة هرتسوغ صندوق النقد الدولي يحذر من طول أمد الحرب والاضطرابات المتجددة كأكبر تهديد للشرق الأوسط الصحة: ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,396 شهيدا آيزنكوت يتعهّد بهزيمة "حماس" خلال 18 شهراً بعد قضية المسبحة.."استقالة" وزير الأوقاف الفلسطيني نتنياهو وسموتريتش يعتزمان نشر نحو ألفَي مراقب في صناديق الاقتراع بالبلدات العربية هجوم حوثي على مقر أرامكو بالظهران يدمر مكاتب الرئيس التنفيذي وكبار المسؤولين مجلس سلام ترامب لديمومة الموت في غزة! قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس: اقتحامات واعتقالات ومواجهات تحقيق جديد في الكونغرس حول تضارب مصالح كوشنر واستثماراته الإسرائيلية والخليجية سي إن إن: أمريكا تضع خططاً لاستخدام "أم القنابل" ضد إيران وثائق كتبها مساعدو نتنياهو تكشف مسؤوليته عن إخفاق 7 أكتوبر وتناقض روايته حول حماس الغارديان: إسرائيل تعرقل إنشاء قاعدة لمجلس السلام في غزة ترامب: كان ينبغي الإبقاء على قادة إيران السابقين لأنني لا أعرف مع من نتفاوض صفقة الديزل الروسي تثير الجدل.. ترامب يحمل زيلينسكي مسؤولية حرب الطاقة ويدعم موسكو تقرير: سياسات إيران ومحورها أضرت بالفلسطينيين وخدمت اليمين الإسرائيلي آيزنكوت يؤكد القدرة على هزيمة نتنياهو.. وينفي ادعاءاته بشأن عملية «البيجر» الأمم المتحدة ترصد غارات وقصفاً مكثفاً بجميع محافظات غزة وتطالب إسرائيل بوقف التضييق بالضفة باحث إسرائيلي: نتنياهو يصوغ «حقيقة بديلة» لهروب قيادته من مسؤولية إخفاق 7 أكتوبر السيسي يرد على سموتريتش برسالة إلى تل أبيب..ويؤكد موقف مصر مع فلسطين زيلنسكي: أشعر بالخيانة من قبل ترامب وهو لا يقف في الجانب الصحيح من التاريخ النقابة: جيش الاحتلال يشن حربا واسعة ضد الصحفيين الفلسطينيين لحجب جرائمها استطلاع عبري: قفزة في القوائم العربية وتقارب كبير بين المعارضة الصهيونية والتحالف الحاكم عشرات آلاف يتظاهرون في كولومبيا ضدّ الرئيس الجديد احتجاجا على سياستة الاجتماعية

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط