رام الله: حذر الدكتور لؤي السقا خبير الاقتصاد والعلاقات الدولية من التداعيات الاستراتيجية الخطيرة الكامنة في حال أي اشتراطات إسرائيلية تقضي بتحويل أموال ومساعدات إعادة إعمار قطاع غزة إلى عملة الشيكل بدلا من الدولار أو اليورو.
و أشار السقا إلى أن هذا الطرح المتداول خلف كواليس لا يمكن التعامل معه كإجراء تنظيمي أو تقني عابر بل هو (هندسة مالية وسيادية خبيثة) والتي يسعى الاحتلال من خلالها إلى تجريد ملف الإعمار من بعده الإنساني وتحويل ركام غزة إلى فرصة استثمارية لإنعاش اقتصاده و بالتوازي مع فرض نظام رقابة أمنية مطلقة على أدق تفاصيل الحياة اليومية في القطاع.
وقال السقا أن إلزام الدول المانحة (الخليجية والأوروبية والدولية) بتحويل ميزانيات الإعمار الضخمة إلى الشيكل سيخلق آثارا نقدية وتجارية مباشرة تصب في مصلحة تل أبيب من خلال تعزيز القيمة النقدية للعملة وهذا سوف يتبن من ضخ مليارات الدولارات واليوروهات في سوق الصرف لشراء الشيكل سيولد طلبا هائلا ومفاجئا عليه مما يساهم بشكل مباشر في رفع قيمته أمام العملات الأجنبية ودعم الاستقرار النقدي الإسرائيلي وسوف تحقق أرباح طائلة من عمولات التحويل و ستجني البنوك والمنظومة المصرفية الإسرائيلية تحت مظلة البنك المركزي (بنك إسرائيل) مئات الملايين من الدولارات كأرباح صافية ناتجة عن عمولات وفروق أسعار الصرف المرافقة لهذه التدفقات الهائلة من خلال إعادة تدوير الأموال دوليا ومحليا.
و يوضح السقا أن فرض الشيكل كلغة تعامل حصرية سيوجه بوصلة المشتريات تلقائيا نحو العمق الإسرائيلي حيث سيضطر المقاولون والجهات الدولية لابتياع مواد البناء الأساسية (كالأسمنتو الحديد و والمعدات الثقيلة وغيرها ....) من الشركات والأسواق الإسرائيلية لتعود أموال الإعمار الدولية في النهاية وتتدفق إلى جيوب قطاع الصناعة والتجارة الإسرائيلي.
واكد السقا أن الشيكل يمثل حبل الوريد الذي يربط غزة بالمنظومة المصرفية للاحتلال مما يمنحه أدوات تحكم استخباراتية غير مسبوقة من خلال التتبع الجنائي وحظر الحسابات وذلك نظرا لمرور كافة مقاصات الشيكل عبر البنك المركزي الإسرائيلي و ستكون تل أبيب قادرة على تتبع الحركة الرقمية للأموال بدقة وفحص قوائم الشركات والمقاولين والمهندسين والعمال وفرض (فيتو أمني) لتجميد أي حساب يشتبه في قربه من الحاضنة الفلسطينية أو فصائل.
و ينبه السقا إلى خطورة هذا الشرط الذي يمنح الاحتلال القدرة على التحكم بمدى توفر السيولة النقدية الورقية داخل غزة حيث يمكنه في أي لحظة منع إدخال فئات الشيكل النقدية إلى بنوك القطاع مسببا شللا تجاريا كاملاً كوسيلة للابتزاز والضغط السياسي.
واشار السقا أن هذا الإجراء يهدف بصورة أساسية إلى ضرب أي فرصة مستقبلية للانفكاك الاقتصادي و تثبيت بروتوكول باريس التي تهدف إلى إبقاء قطاع غزة والضفة الغربية محشورين قسرا داخل الغلاف الجمركي والنقدي الإسرائيلي وإجهاض أي محاولة لإصدار عملة وطنية أو نظام مالي فلسطيني مستقل وارتهان القدرة الشرائية و تظل الدورة الاقتصادية وحياة المواطن المرهق في غزة رهينة لقرارات الفائدة ومعدلات التضخم التي يحددها بنك إسرائيل وهي قرارات تصاغ لتلبية احتياجات السوق الإسرائيلية وبمعزل تماما عن واقع الأزمات المعيشية والبطالة في القطاع.
وأشار السقا إلى المعضلة القانونية والأخلاقية الكبرى التي ستواجه المجتمع الدولي إذ ستجد الدول المانحة نفسها في موقف حرج للغاية فحين تدفع مبالغ طائلة بالعملة الإسرائيلية لإعمار ما دمرته الآلة العسكرية للاحتلال فإنها تساهم دون رغبة منها في تشغيل ودعم المصانع والشركات الإسرائيلية مما يحول المساعدات الإنسانية الدولية إلى مكافأة مالية وتجارية غير مباشرة لقوة الاحتلال.
ونبه السقا إلى ضرورة إيجاد آليات تمويل بديلة ومستقلة تضمن وصول المساعدات بالدولار أو اليورو بشكل مباشر للاقتصاد الفلسطيني بعيدا عن شروط الابتزاز النقدي لضمان بناء بيئة تنموية حقيقية تدعم صمود المواطن الفلسطيني على أرضه.
السقا يحذر من مخطط إسرائيلي لـ "شيطنة" إعمار غزة ماليا
تاريخ النشر : 2026-06-07 11:32
