ليس كل من حمل شعار الوطن كان من رجاله، وليس كل من تحدث عن الثورة عاش معناها. وحدهم أولئك الذين دفعوا من أعمارهم وأجسادهم ثمناً لفلسطين، يستحقون أن تُكتب أسماؤهم بمداد الوفاء. من بين هؤلاء، يبرز اسم القائد والمناضل صلاح أبو الجديان (أبو زاهر)، أحد مؤسسي الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وأحد رجالاتها الذين صنعوا تاريخها بصمت، وثبّتوا حضورها بالفعل لا بالضجيج.
من زمن التأسيس والالتزام
انتمى أبو زاهر إلى الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين في مراحلها الأولى، حين كان الانتماء قرار حياة، والعمل الوطني درباً مفتوحاً على السجن والملاحقة والتضحية. لم يكن من الباحثين عن الأضواء، بل من الكوادر الصلبة التي آمنت بأن التنظيم فعل، وبأن الثورة أخلاق قبل أن تكون شعارات.
في تلك السنوات القاسية، كان أبو زاهر جزءاً من الجيل الذي حمى الفكرة، وصان البوصلة، وأبقى القضية حية في وجه محاولات الكسر والتدجين.
أسرٌ دفع ثمنه بصبر الرجال
بسبب نشاطه الوطني، اعتقله الاحتلال الإسرائيلي، وقضى سنوات طويلة في سجونه، حيث صاغت الزنازين ملامح شخصيته النضالية. خرج أسيراً محرراً، أكثر إيماناً بعدالة قضيته، وأكثر تمسكاً بخيار المقاومة، دون ضجيج أو ادعاء.
لم يكن الأسر محطة انكسار، بل امتحاناً نجح فيه، كما نجح كثيرون من أبناء الجبهة الشعبية الذين آمنوا أن الحرية لا تُمنح، بل تُنتزع.
جسدٌ يشهد على التضحيات
لم تتوقف رحلة المعاناة عند حدود السجن، إذ واجه أبو زاهر لاحقاً ظروفاً صحية قاسية، خضع على إثرها لعملية جراحية أدت إلى بتر إحدى قدميه. ومع ذلك، لم ينكسر، وبقي حضوره رمزاً للصمود، شاهداً على أن هذا الرجل لم يقدم لفلسطين خطاباً، بل قدّم جسده شاهداً حياً على صدق الانتماء.
مكانة لا تهزّها السنوات
يحظى القائد صلاح أبو الجديان بمكانة راسخة داخل صفوف الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، حيث يُنظر إليه بوصفه مناضلاً تاريخياً ورفيقاً قديماً ورمزاً أخلاقياً. وقد حرصت قيادات الجبهة على زيارته وتكريمه، وفاءً لتاريخه، وتأكيداً على أن من أسسوا الدرب لا يُنسَون.
اليوم، ورغم عدم شغله موقعاً تنظيمياً علنياً، يبقى أبو زاهر حاضراً في الوعي الوطني، كقيمة وذاكرة ونموذج يُحتذى، لأن بعض القادة لا يحتاجون إلى منصب، فالتاريخ هو منصبهم، والتضحية هي شرعيتهم.
في ختام سطورمقالي :
وفاء لا ينقطع
لم يكن صلاح أبو الجديان (أبو زاهر) رقماً في سجل النضال، بل كان ضميراً حياً من ضمائر الثورة الفلسطينية. عاش زمن التأسيس، وواجه القمع، وصبر على الألم، ولم يغادر موقعه، ولم يساوم، ولم يبدّل بوصلته.
واليوم، وهو يرقد على سرير الشفاء في مستشفى الشفاء، فإن الدعاء له واجب، والحديث عنه رسالة حق ووفاء، تقول إن فلسطين لا تنسى أبناءها، وإن الجبهة الشعبية لا تنسى مؤسسيها، وإن المناضلين الكبار يظلون كباراً… حتى وهم يتألمون بصمت.
سلامٌ عليك يا أبا زاهر،
سلامٌ على جسدٍ أتعبه العطاء،
وعلى روحٍ لم تنحنِ،
وعلى تاريخٍ سيبقى شاهداً
أن فلسطين أنجبت رجالاً يشبهونك.
ألف سلامة عليك، شفاك الله وعافاك،
ودمت ذخراً للثورة وذاكرةً للوطن.
سيرة نضال من زمن التأسيس… وذاكرة لا تنكسر
تاريخ النشر : 2026-01-19 13:30
