من التحذير إلى الواقع
تاريخ النشر : 2025-12-31 18:37

لماذا أصبح تحالف القوى الإقليمية الأربع ضرورة وجودية في الشرق الأوسط؟

في 15 أيلول/سبتمبر 2024 نشرتُ في مؤسسة ستراتيجكس للدراسات وفي موقع امد للإعلام مقالًا بعنوان "أهمية أن تتحمّل القوى الإقليمية مسؤوليتها التاريخية في تحقيق الاستقرار في الشرق الأوسط"، حددتُ فيه القوى الإقليمية الأربع: مصر، تركيا، إيران، والسعودية، باعتبارها الركائز القادرة – نظريًا وعمليًا – على إنتاج توازن إقليمي مستقل.

وفي 27 أيلول/سبتمبر 2025 عدتُ إلى الفكرة نفسها في مقال آخر على منصة أمد للإعلام بعنوان " أهمية تحالف القوى الإقليمية الأربع: من رؤية استراتيجية إلى ضرورة وجودية".

آنذاك، قُدِّمت الفكرة بوصفها تحذيرًا استباقيًا.
اليوم، وبعد ان خاضت إسرائيل وبدعم كامل من الغرب بشكل عام، والامريكي بشكل خاص حربا بربرية في غزة ولبنان وسوريا واليمن، الامر الذي عزلها دوليا، فنراها اليوم تتخذ خطوات استراتيجية تتعلق بموقعها المستقبلي في المنطقة، إضافة الى ان هذه الخطوات تهدف الى فك عزلتها من خلال فرض وجودها كقوة إقليمية في منطقة الشرق الأوسط والقرن الافريقي، حيث يوجد أحد اهم الممرات البحرية في العالم والمرتبط بشكل وثيق بأمن قناة السويس. خطوتان أساسيتين اتخذتهما إسرائيل، توقيعها لاتفاقية عسكرية مشتركة مع اليونان وقبرص، والثانية اعترافها بـ «أرض الصومال» ككيان مستقل، هذا الاعتراف الإسرائيلي والذي يبدو انه يحظى بقبول امريكي قد يتحول لاحقا الى اعترافا رسميا كذلك، وهذه الاحتمالات والمرتبطة بتحركات أمريكية في هذا الاتجاه لا تنفصل عن اهداف أخرى مشتركة بين تل ابيب وواشنطن، من بينها حسابات مرتبطة بقطاع غزة، الى جانب الابعاد العسكرية والاستراتيجية ومساعي توسيع دائرة التطبيع. وفي نفس الفترة وكما يبدو انه استكمال لنفس السياق قام المجلس الانتقالي اليمني الانفصالي باحتلال محافظتي حضرموت والمهرة اللتين تربطهما مع السعودية بطول يتجاوز الالف كلم بهدف الانفصال عن الجمهورية اليمنية، وهذا يعني زرع كيان معادي للسعودية على حدوده الجنوبية.

مع هاتين الخطوتين التي قامت بهما إسرائيل، والخطوة التي حدثت في الجنوب اليمني، لم يعد الأمر تحذيرًا، بل واقعًا جيوسياسيًا يتشكل أمام أعيننا. الاعتراف الإسرائيلي في صوماليا لاند يعزز النفوذ الإسرائيلي في القرن الافريقي، يحاصر تركيا والسعودية ومصر، ويصبح أكثر قربا من إيران، ويهدف الى تقويض نفوذ ايران في المنطقة وهو ما تراه طهران تهديدا مباشرا لاستقرارها من خلال استغلاله لموقع إقليم "صوماليا لاند" المطل على باب المندب وخليج عدن، والبحر الأحمر، وهو ما يجعلها نقطة تماس مباشرة تؤثر سلبا على أمن قناة السويس وشرق البحر الأبيض المتوسط. ومما لا شك فيه ان تزايد الوجود الدولي في هذه المنطقة ينذر بترتيبات لإحداث تغيرات عميقة في موازين القوى الإقليمية. ستنعكس حتما على الاستقرار الإقليمي ككل.

ارض الصومال: خطوة دبلوماسية أم تموضع عسكري؟

لا يمكن فهم الخطوة الإسرائيلية خارج سياقها الحقيقي. لان الاعتراف بـ«أرض الصومال» لا يحمل قيمة سياسية بحد ذاته، لكنه يحمل دلالة عسكرية–استراتيجية عالية الخطورة. فنحن أمام كيان: لا يملك طائرة واحدة، ولا يمتلك قدرات دفاعية ذاتية، لكنه، وفق صور أقمار صناعية متداولة، يشهد إنشاء ما لا يقل عن 12 موقعًا يُرجَّح استخدامها كمهاجع للطائرات

هذا وحده كافٍ للإجابة عن السؤال الحقيقي: لمن تُبنى هذه البنية التحتية؟

 تطويق إقليمي لا يمكن تجاهله

ردود الفعل الإقليمية لم تأتِ من فراغ.
التصريحات والمواقف الرسمية التي صدرت عن الجامعة العربية ومنظمة الاتحاد الافريقي وكثير من وزراء خارجية دول المنطقة، التي وصفوا فيها الخطوة بأنها حصار لمصر وتركيا والسعودية، وأقرب جغرافيا الى يران وتماس مباشر مع نفوذها وأذرعها في المنطقة، هذه التصريحات والمواقف لم تكن خطابًا سياسيًا، بل توصيفًا جغرافيًا دقيقًا.

 فالتموضع الإسرائيلي في إضافة نقطة ضغط استراتيجية على السعودية من خاصرتها الجنوبية،

والاقتراب العسكري من إيران واليمن.

أما تطويق تركيا، فيجري ضمن مسارٍ موازٍ في شرق البحر الأبيض المتوسط، عبر التحالف الإسرائيلي–اليوناني–القبرصي، الذي يهدف إلى تقييد الحركة الاستراتيجية التركية، وتحجيم دورها الإقليمي في المتوسط.

القرن الإفريقي يعني عمليًا:

الاقتراب المباشر من باب المندب، تعزيز القدرة على الضغط في البحر الأحمر،

وكذلك يعني تهديدًا مباشرًا لأمن قناة السويس والمجال الحيوي المصري.

 نحن إذًا أمام استراتيجية طوق إقليمي، لا أمام تحرك تكتيكي محدود.

 من إدارة الصراع إلى هندسة الإقليم

ما يحدث ينسجم تمامًا مع منطق الدولة الوظيفية والإقليم الوظيفي.
إسرائيل لم تعد تؤدي وظيفة “الضبط” داخل المشرق فقط، بل تنتقل إلى إعادة هندسة المجال الحيوي المحيط بالقوى الإقليمية نفسها.

السؤال لم يعد: كيف تُدار الصراعات داخل المنطقة؟ بل: من يمتلك القدرة على تشكيل حدود الحركة الاستراتيجية للقوى الإقليمية الكبرى؟

وهنا يظهر الخطر الحقيقي: لذلك إذا لم تُبادر القوى الإقليمية الأربع إلى إنتاج إطار تنسيقي أو تحالفي مستقل، فإن إسرائيل – مدعومة بالنفوذ الغربي – ستواصل فرض هذا الإطار من الخارج.

المنطقة كلها أمام مفترق طرق واضح:

إما أن تنجح القوى الإقليمية الأربع في: تحجيم التمدد الإسرائيلي، وكبح عسكرة القرن الإفريقي، وحماية الممرات الاستراتيجية، وفرض معادلة توازن جديدة

أو أن تستمر إسرائيل في تطويق المنطقة خطوة بعد خطوة، وقد أعلنت بالفعل بداية هذا المسار

 الحياد هنا ليس خيارًا، بل انحياز غير معلن لمعادلة تُفرض بالقوة.

ما العمل؟ (البدائل الواقعية)

الخطوة الأولى العاجلة يجب أن تكون منع تثبيت الوجود الإسرائيلي في القرن الإفريقي عبر:

تحرك سياسي جماعي، داخل الاتحاد الإفريقي، وعبر الجامعة العربية لرفض أي شرعنة لوجود عسكري غير إفريقي في المنطقة.

تنسيق أمني–بحري في البحر الأحمر وباب المندب باعتبارهما ممرين إقليميين لا منصات نفوذ خارجي.

بديل اقتصادي وتنموي، يتمثل في استثمار إقليمي مباشر، وشراكات تنموية تمنع تحويل دول القرن الإفريقي إلى أدوات وظيفية جديدة

وفي هذا السياق، لا تقع المسؤولية على عاتق القيادات السياسية وحدها، بل تمتدّ إلى مراكز الأبحاث والدراسات الاستراتيجية في المنطقة، التي يُفترض أن تبادر إلى تنظيم ندوات عصف فكري وحوارات معمّقة، تضع أمام صانعي القرار تصوّرات عملية، ومسارات قابلة للتنفيذ، تُسهّل الانتقال من إدارة الخلافات إلى إدارتها ضمن إطار تنسيقي.

فتهيئة البيئة الفكرية والسياسية للتقارب بين مصر وتركيا وإيران والسعودية، ليست ترفًا أكاديميًا، بل استثمار في البقاء وشرطًا لازمًا لاتخاذ قرارات سياسية شجاعة، يمكن أن تتطوّر تدريجيًا من التنسيق إلى تحالف إقليمي واعٍ بمخاطر المرحلة. التنازل عن الخلافات الصغيرة اليوم ليس ضعفًا فالشرق الأوسط لا يُعاد تشكيله بالحروب وحدها، بل بالقواعد الجوية، والممرات البحرية، والتحالفات الصامتة…
ومن يتأخر عن المبادرة، يجد نفسه موضوعًا لا فاعلًا في معادلات تُرسم من الخارج. وما لم تتحمّل القوى الإقليمية الأربع مسؤوليتها التاريخية، فإن الآخرين سيفعلون ذلك نيابةً عنها… وعلى حسابها.