نيُقال إن اللغة الدبلوماسية هي فن قول "لا" بطريقة لطيفة، ولكن في سياق وجعنا الإنساني الراهن، أصبحت فن تجنُّب قول "الحقيقة" بالكامل. عندما نطالع التحليلات والبيانات الصادرة التي تتناول مأزقنا الوطني، نجد أنفسنا أمام وصف بليغ ومؤثر في تصوير الوجع الإنساني، كلام جميل يلامس الروح ويُصوّر عمق المعاناة. لكن، للأسف، يبقى هذا كله مجرد قراءة دبلوماسية ناعمة تتجنب أصل المشكلة وجذورها الحقيقية.
مأزق المساواة الزائفة
إن أكثر ما يثير القلق في هذا الخطاب هو السعي الحثيث لـ "المساواة بين طرفي الانقسام" دون تسمية المسؤول أو تحديد من أوصلنا إلى هذا المخاض المؤلم. هذا الحياد الزائف، الذي يتجنب تحميل أي جهة مسؤولية مباشرة عن القرارات والسلوكيات الكارثية، هو في جوهره تملص من واجب النقد والمحاسبة.
نحن ندرك تماماً أن الواقع معقد، وأن الأيادي ليست جميعها نظيفة، ولكن عندما يأتي قرار دولي مهم، مثل قرار مجلس الأمن الأخير، نتيجة مباشرة لسلوكيات وتقديرات قيادات محددة، يصبح لزاماً علينا أن نكسر جدار الدبلوماسية المفرطة ونُشير بإصبع الاتهام نحو المسبب. إن التغاضي عن هذه الحقيقة بحجة "الوحدة" أو "تجنب الفرقة" هو ثمن باهظ ندفعه من لحمنا وهويتنا.
اللثام على الوجه... خوفاً من إبليس
إن الردود الدبلوماسية الناعمة واللعب على الحبلين لا تُنشئ وطناً ولا تصنع هوية. الوطن يُبنى بالوضوح، بالمساءلة، وبالاعتراف الصادق بالخطأ والمسؤولية. طالما بقينا نلجأ إلى لغة التوازن الحذر والمجاملات السياسية، فإننا نؤكد أننا لسنا مستعدين بعد للمواجهة الحقيقية.
هذا الموقف يشبه تماماً من يذهب إلى رجم إبليس وهو ملثّم. لماذا يتلثم؟ خوفاً من أنه لو كشف وجهه، سيعود إبليس ليمسك بمفاصل البلد من جديد!
هذه المخاوف تظهر حالة مزمنة من الجبن السياسي. بدلاً من الوقوف وقفة رجل واحد أمام العواقب وتحمل مسؤولية الإخفاقات، نُقدّم تحليلاً مُنمَّقاً يُوزّع اللوم على "الجميع" ليصبح بذلك مُوزَّعاً على "لا أحد".
الطريق إلى الهوية والوطن
لن نجد وطناً ولن نصنع هوية جامعة إلا عندما نتحلى بالشجاعة لنبذ هذا النفاق. يجب أن نُدرك أن بناء الأوطان يتطلب:
الشجاعة في التسمية: تحديد من يتحمل المسؤولية عن الأزمات بوضوح غير قابل للتأويل.
المساءلة الحقيقية: تحويل الخطاب النقدي إلى آليات محاسبة فعّالة.
نبذ الحياد الزائف: الوقوف إلى جانب الحق والوطن، وليس إلى جانب توازن المصالح السياسية للقيادات.
إن استمرارنا في هذا النهج هو استثمار في حالة الشلل والانقسام. آن الأوان لننزع اللثام، ونواجه أصل المشكلة بعين بصيرة ولسان فصيح، بدلاً من الاختباء خلف بلاغة تُجَمِّل المأساة وتُهمِّش الحقيقة.
اللعب على الحبلين: ثمن الدبلوماسية الناعمة على حساب الوجع الإنساني
تاريخ النشر : 2025-11-19 13:40
