الموقع التنظيمي بين صراع الأسماء وهيبة المؤسسة

تابعنا على:   12:53 2026-06-28

سامي إبراهيم فودة

أمد/ منذ انتهاء أعمال المؤتمر الثامن لحركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح"، انشغل كثيرون بالسؤال: من سيقود الساحة التنظيمية في المحافظات الجنوبية؟ وبدأت الاصطفافات تتشكل حول هذا الاسم أو ذاك، وكأن أزمة الحركة تكمن في الأشخاص لا في بنية العمل التنظيمي.
وهنا تكمن المشكلة الحقيقية.
فالخلل ليس في هذا القائد أو ذاك، وليس لأن فلانًا يمتلك كاريزما أو لأن غيره أكثر حضورًا بين الكوادر. كما أنه ليس لأن قائداً نجح أو فشل في لمّ شمل أبناء الحركة. فهذه قراءة تبسيطية لأزمة أكثر تعقيدًا.
الحقيقة أن أي قائد، مهما كانت خبرته وتاريخه النضالي، لن يستطيع إحداث تغيير حقيقي إذا كان لا يمتلك أدوات القيادة. فالقرار الإداري والقرار المالي هما أساس أي إدارة ناجحة، ومن لا يملكهما لا يملك القدرة على الإنجاز، مهما كانت نواياه أو إمكاناته.
وفي غزة تحديدًا، تعاني الأطر التنظيمية لحركة فتح من ضعف الإمكانات المالية، حتى أصبحت كثير من الأقاليم والهيئات التنظيمية عاجزة عن تلبية أبسط متطلبات العمل التنظيمي. ومن لا يملك الإمكانات لا يستطيع أن يدير العمل كما ينبغي، لأن من يملك المال يملك، في كثير من الأحيان، القدرة على صناعة القرار وتوجيهه.
لذلك فإن المطالبة بتغيير قائد بآخر، وكأن القادم يحمل عصا سحرية ستغيّر الواقع، ليست سوى هروب من مواجهة أصل الأزمة. فالأشخاص وحدهم لا يصنعون المعجزات، ولا يستطيع أي قائد، مهما بلغت قدراته، أن ينجح في ظل غياب الصلاحيات، وتشتت القرار، وضعف الإمكانات، وتهميش الواقع التنظيمي.
لقد أوصلت سياسة إدارة الظهر، وتراجع الاهتمام بالبنية التنظيمية، واستمرار المركزية في القرار، الحركة في غزة إلى حالة من العجز التنظيمي غير المسبوق. وهذه الأزمة لن تُحل بتغيير الأسماء، وإنما بإعادة الاعتبار للمؤسسة، ومنح القيادة الميدانية صلاحياتها الكاملة، وربط المسؤولية بالقرار، والقرار بالإمكانات.
إن حركة فتح لا تحتاج اليوم إلى بطل خارق، ولا إلى صناعة أوهام حول أشخاص قادرين على تغيير كل شيء بين ليلة وضحاها. بل تحتاج إلى مؤسسة قوية، ونظام إداري واضح، وقرار موحد، وإمكانات حقيقية، حتى يصبح أي قائد قادر على العمل والإنجاز.
فالمعركة ليست معركة أشخاص، وإنما معركة بناء مؤسسة. أما الاستمرار في تسويق فكرة أن تغيير الأسماء وحده سيغيّر الواقع، فهو رهان على العواطف لا على حقائق الإدارة والتنظيم.
وفي النهاية، يبقى السؤال الحقيقي: ليس من سيقود غزة، بل هل سيُمنح من يقودها القرار والصلاحيات والإمكانات؟ فإن توفرت هذه العناصر نجح أي قائد كفؤ، وإن غابت فلن تنجح أي قيادة، مهما كان اسمها أو تاريخها.
فالمؤسسات هي التي تصنع القيادات، أما القيادات فلا تستطيع أن تصنع مؤسسة إذا كانت مكبلة بالصلاحيات، ومحرومة من أدوات العمل.

اخر الأخبار