الكنيست يبحث "تجريم الآبار الفلسطينية": المياه في الضفة الغربية بين النهب المنظم والضم الفعلي

تابعنا على:   14:25 2026-06-25

علي ابوحبله

أمد/ في خطوة تكشف الطبيعة الحقيقية للسياسات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، يناقش الكنيست الإسرائيلي إجراءات وتشريعات تستهدف ما يصفه بعض النواب الإسرائيليين بـ"سرقة مياه دولة إسرائيل" من خلال حفر الآبار الفلسطينية في الضفة الغربية. هذه الخطوة لا يمكن قراءتها باعتبارها مجرد نقاش يتعلق بإدارة الموارد المائية، بل تمثل حلقة جديدة في مشروع السيطرة الشاملة على الأرض والموارد والثروات الطبيعية الفلسطينية، وتؤكد أن معركة المياه أصبحت إحدى أهم أدوات فرض السيادة الإسرائيلية الفعلية على الأراضي المحتلة.
إن جوهر القضية يتجاوز مسألة حفر الآبار أو تنظيم استخدام المياه، ليصل إلى سؤال قانوني وسياسي أساسي: لمن تعود ملكية المياه الجوفية في الضفة الغربية؟ وهل يجوز لدولة الاحتلال أن تدعي ملكية موارد طبيعية تقع داخل إقليم محتل بموجب القانون الدولي؟
المياه في القانون الدولي: ملك للشعب الواقع تحت الاحتلال
تنص قواعد القانون الدولي الإنساني بشكل واضح على أن سلطة الاحتلال لا تكتسب السيادة على الأراضي التي تحتلها، بل تمارس إدارة مؤقتة محدودة تفرضها ضرورات الاحتلال العسكري. وقد أكدت لوائح لاهاي لعام 1907، وخاصة المادة (55)، أن الدولة المحتلة تعتبر "مديراً ومنتفعاً" فقط من الأملاك العامة في الأراضي المحتلة، ولا تمتلك حق التصرف الدائم فيها أو استغلالها لمصلحتها الخاصة.
كما تؤكد اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 أن الاحتلال لا ينقل الملكية أو السيادة إلى القوة المحتلة، وأن أي إجراءات تهدف إلى تغيير الوضع القانوني أو الديمغرافي أو الاقتصادي للأراضي المحتلة تعد باطلة قانوناً.
وتكرس قرارات الأمم المتحدة، وخاصة قرارات الجمعية العامة المتعلقة بالسيادة الدائمة للشعوب الواقعة تحت الاحتلال على مواردها الطبيعية، حق الشعب الفلسطيني الكامل في السيطرة على موارده المائية والطبيعية واستغلالها لمصلحته الوطنية والتنموية.
وبالتالي فإن الادعاء الإسرائيلي بأن المياه الجوفية في الضفة الغربية هي "مياه دولة إسرائيل" يتناقض بصورة مباشرة مع قواعد القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة ومحكمة العدل الدولية.
السيطرة على المياه: الوجه الآخر للاستيطان
منذ احتلال الضفة الغربية عام 1967 فرضت إسرائيل سيطرة شبه مطلقة على الأحواض المائية الرئيسية، وأخضعت أي مشروع فلسطيني لحفر الآبار أو تطوير شبكات المياه إلى منظومة معقدة من التصاريح العسكرية غالباً ما تنتهي بالرفض.
في المقابل، حصلت المستوطنات الإسرائيلية المنتشرة في الضفة الغربية على حصص مائية كبيرة مكنتها من تطوير الزراعة والصناعة والتوسع العمراني، بينما تعاني العديد من التجمعات الفلسطينية من نقص حاد في المياه، خاصة في الأغوار وجنوب الخليل ومناطق واسعة من شمال الضفة الغربية.
وتشير تقارير دولية عديدة إلى وجود فجوة كبيرة بين متوسط استهلاك الفرد الفلسطيني للمياه ومتوسط استهلاك المستوطن الإسرائيلي، بما يعكس واقعاً من التمييز البنيوي في توزيع الموارد المائية.
ولا يمكن فصل هذه السياسة عن المشروع الاستيطاني الأشمل، إذ إن السيطرة على المياه كانت دائماً شرطاً أساسياً لتوسيع المستوطنات وترسيخ وجودها، فيما استخدمت القيود المفروضة على الفلسطينيين كأداة لدفعهم إلى الهجرة أو الحد من نموهم الاقتصادي والعمراني.
من السيطرة إلى الضم الفعلي
الخطير في النقاش الدائر داخل الكنيست أنه يعكس تحولاً في الخطاب الإسرائيلي من إدارة الاحتلال إلى ادعاء الملكية والسيادة.
فعندما تعتبر المؤسسة التشريعية الإسرائيلية أن الفلسطيني الذي يحفر بئراً في أرضه الواقعة داخل أرض محتلة يرتكب "سرقة لمياه إسرائيل"، فإن ذلك يعني عملياً أن إسرائيل لم تعد تتعامل مع الضفة الغربية كأرض محتلة وفق القانون الدولي، بل كجزء من المجال السيادي الإسرائيلي.
وهنا تكمن خطورة الأمر، لأن السيطرة على الموارد الطبيعية تعد أحد أبرز مؤشرات ممارسة السيادة. ولذلك فإن إخضاع المياه الفلسطينية للقوانين الإسرائيلية، وتجريم استغلال الفلسطينيين لمواردهم المائية، يمثل شكلاً من أشكال الضم الفعلي حتى لو لم يعلن رسمياً.
وقد أكدت محكمة العدل الدولية في رأيها الاستشاري بشأن الجدار عام 2004 أن الإجراءات الإسرائيلية الرامية إلى تغيير الطابع الجغرافي والديمغرافي للأراضي الفلسطينية المحتلة تتعارض مع القانون الدولي، بينما أعادت المحكمة في رأيها الاستشاري الصادر عام 2024 التأكيد على عدم شرعية استمرار الاحتلال والسياسات المرتبطة بالاستيطان والاستغلال الاقتصادي للموارد الفلسطينية.
البعد الاقتصادي والإنساني
لا تتعلق قضية المياه فقط بالحقوق القانونية والسيادية، بل تمس بشكل مباشر حق الفلسطينيين في التنمية والحياة الكريمة.
فالمياه تشكل أساس الزراعة والصناعة والأمن الغذائي والصحة العامة. وكلما ضاقت قدرة الفلسطينيين على الوصول إلى مواردهم المائية، ازداد اعتمادهم على شراء المياه من الشركات الإسرائيلية، وتراجعت قدرتهم على تحقيق التنمية المستدامة.
إن حرمان الفلسطينيين من تطوير مصادرهم المائية لا يهدف فقط إلى إدارة الموارد، بل يندرج ضمن سياسة اقتصادية أوسع تهدف إلى إبقاء الاقتصاد الفلسطيني تابعاً ومعتمداً على الاقتصاد الإسرائيلي.
مسؤولية المجتمع الدولي
إن صمت المجتمع الدولي على هذه السياسات شجع إسرائيل على الانتقال من مرحلة السيطرة العسكرية إلى مرحلة فرض الوقائع السيادية على الأرض. ومن هنا تبرز الحاجة إلى تحرك فلسطيني وعربي ودولي جاد لتوثيق الانتهاكات المتعلقة بالمياه والموارد الطبيعية وطرحها أمام المؤسسات الدولية المختصة، وفي مقدمتها الأمم المتحدة ومحكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية.
كما يتطلب الأمر تعزيز الجهد القانوني والدبلوماسي لإبراز أن المياه ليست قضية فنية أو إدارية، بل جزء لا يتجزأ من حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وممارسة سيادته الدائمة على موارده الطبيعية.
خاتمة
إن اجتماع الكنيست لبحث "محاربة الآبار الفلسطينية" تحت ذريعة حماية "مياه دولة إسرائيل" ليس مجرد إجراء تنظيمي، بل إعلان سياسي وقانوني خطير يكشف جوهر المشروع الإسرائيلي القائم على تحويل الاحتلال إلى سيادة دائمة. فالمياه، كما الأرض، ليست ملكاً للقوة المحتلة، وإنما حق أصيل للشعب الفلسطيني تكفله قواعد القانون الدولي ومواثيق الأمم المتحدة.
وإذا كان الاستيطان يمثل ضماً للأرض، فإن السيطرة على المياه والثروات الطبيعية تمثل ضماً للسيادة ذاتها. ومن هنا فإن معركة الدفاع عن المياه الفلسطينية لم تعد مجرد قضية تنموية أو بيئية، بل أصبحت معركة وطنية وقانونية تتعلق بحماية الوجود الفلسطيني وحقه في أرضه وموارده ومستقبله

اخر الأخبار