رسالة الي ناصر القدوة الخروج من جِلباب الشرعية.... والمقعد المفقود"
احمد ابو غزوان
أمد/ في أوقات الأزمات الكبرى التي تعصف بالقضية الفلسطينية تتكشف الأقنعة وتظهر المعادن الحقيقية للشخصيات السياسية.
ولم يكن مستغرباً في هذا الفضاء المضطرب أن تبدل المواقف لكن المستغرب والمستهجن معاً هو أن تتحول الدبلوماسية إلى أداة للهدم بدلاً من البناء وأن يُصوب السهم إلى قلب الشرعية التي صنعت حضورك طوال عقود.
الحديث هنا يتجاوز العتاب السياسي ليلامس جوهر الوفاء والتنظيم وتحديداً تجاه ناصر القدوة الذي حظي بفرص وتمثيل ومناصب لم ينلها إلا القليلون في تاريخ الثورة والعمل الدبلوماسي الفلسطيني لينتهي به المطاف ناكراً للجميل ومنقلباً على المنظومة التي أطعمتك من رصيدها السياسي والمعنوي.
لقد أمضيت يا ناصر أكثر من عشرين عاماً مندوباً لفلسطين في الأمم المتحدة وهو موقع سيادي رفيع أتيح لك لتمثيل أعدل قضية على وجه الأرض.
ماذا كانت النتيجة الدبلوماسية الملموسة على الأرض؟ لقد تحركت الأمور في أروقة المنظمة الدولية ببطء روتيني واقتصر الأمر على الحراك التقليدي دون تحقيق خروقات استراتيجية تتناسب مع حجم الثقة وطول الفترة الزمنية. ثم جئت وزيراً للخارجية فماذا قدمت وظيفياً لتطوير السلك الدبلوماسي أو حماية المكتسبات؟ بقيت الإنجازات أسيرة الشعارات والتقارير الدورية.
ولم يتوقف الأمر عند العمل الخارجي بل امتدت الحظوة إلى العمق التنظيمي لرحاب حركة "فتح" عبر عضويتك في اللجنة المركزية.
هذا الموقع القيادي الأول الذي يفترض أن يكون ماكينة للعمل والبناء وتماسك الحركة لم يشهد خلال فترة وجودك أي بصمة تنظيمية فارقة أو إصلاح حقيقي تتركه للأجيال الشابة، بل انتهى المطاف بمحاولات شق الصف والتمرد على الأطر الرسمية.
واليوم تتباكى على الإصلاح والتغيير متناسياً أنك كنت طوال تلك العقود جزءاً لا يتجزأ من منظومة الفساد الإداري والترهل الذي عانت منه المؤسسات.
فمن كان غارقاً في امتيازات السلطة والتعيينات والتمثيل الخارجي لأكثر من ربع قرن لا يمكنه اليوم أن يرتدي ثوب "المصلح والمنقذ" أو أن يتحدث عن محاربة الفساد والشرعية البديلة لأنك ببساطة كنت أحد صناع هذا الواقع الذي تنتقده الآن لمجرد أنك أصبحت خارج مركز القرار.
وحتى تلك شبكة العلاقات الدولية التي تفاخرت بها لسنوات طويلة ماذا جلب رصيدها لأهل غزة وفلسطين؟ الواقع يثبت أن هذه العلاقات بقيت حبراً على ورق واستُثمرت كوجاهة شخصية في الصالونات السياسية الدولية دون أن تترجم إلى ضغط حقيقي يرفع حصاراً أو يوقف عدواناً أو يضخ تنمية حقيقية تدعم صمود المواطن الفلسطيني على أرضه.
واليوم، وأهلنا في قطاع غزة يمرون بأبشع فصول الحرب والإبادة والدمار يتساءل الشارع الفلسطيني بمرارة ماذا قدم ناصر القدوة لغزة في محنتها الراهنة؟ الإجابة الصادمة هي لا شيء.
غابت المبادرات الإغاثية الفاعلة واختفت التحركات الإنسانية المؤثرة وبدلاً من التركيز على بلسمة جراح النازحين والمكلومين بدا حراكك متمحوراً حول البحث عن كراسي ومناصب في ترتيبات ما بعد الحرب.
إن توظيف جراح غزة وسيلةً للعودة إلى المشهد السياسي هو طعنة جديدة للشرعية ولتضحيات الشعب وتأكيد على أن المصالح الشخصية ضخمت على حساب الثوابت الوطنية.
صندوق الاقتراع هو الفيصل
إن الادعاء بالحرص على فلسطين وحياة أهلها لا يثبت بالشعارات من العواصم الخارجية بل يثبت بالنزول إلى الأرض والامتثال لرغبة الشعب.
إذا كنت واثقاً من حضورك السياسي ومشروعك البديل فما عليك إلا أن تضع حدًا لهذه المناورات وتنتظر صناديق الاقتراع.
الانتخابات هي الحَكم الحقيقي والفيصل الذي سيكشف حجمك الفعلي في الشارع الفلسطيني، وهناك سنرى بأم العين هل سينتخبك الشعب الذي خبر مسيرتك الطويلة الخالية من الإنجازات أم أن الصندوق سيعيد حجم كل تيار وشخصية إلى واقعه الحقيقي؟ حينها فقط سيعلم الجميع من يملك الشرعية الشعبية ومن يعيش على أوهام المناصب السياسية.
