الأدب والوعي القومي: صناعة النهضة أم انعكاس الهزيمة..؟
محمد المحسن
أمد/ -إن الأدب في تجلياته المشرقة،عليه أن يكون أدب الرؤيا المضادة لجيل الهزيمة،الرؤيا التي تصوغ معادلة لا إنفصام فيها،تتلاءم مع الديمقراطية والتحرّر الوطني من ناحية والتحرير الإجتماعي من الناحية الأخرى (الكاتب)
إنّ الوحدة القومية للأمّة العربية يدعمها تراث زاخر من القيم الروحية والأخلاقية،صيغت إبان إشراقات النهضة العربية،تلك القيم تشكّل رافدا روحيا تتوحّد في ظلّه الأمة العربية،فتراثنا الحضاري وأخلاقنا العربية وقيمنا العليا التي ورثناها عبر العصور،هي من أقوى الروافد للأمة العربية،وتشكّل في جوهرها مادة خصبة تصلح لأن تكون موضوع مادة دراسة يتناولها الأدب بأسلوب مستساغ ينبّّه فيه الميول لتلك القيم والمثل العليا،فصياغة مشاهد من حياة المجتمع العربي قديمه وحديثه،والتقاط حوادث مهمة من التاريخ وتقديمها بصيغة أدبية هادفة،تنقل بصورة لا شعورية الإحساس المشترك بوحدة التاريخ وتغذي الشعور الوحدوي،ذلك أنّ تاريخنا العربي حافل بالإبداع ومفعم بالإرهاصات الأولى لقوميتنا العربية وهو بالتالي معين لم يغرف منه الأدب مثلما نريد أو كما يجب أن يكون،ولعل ما استطاع أبو تمامأن ينقله للعرب جيلا بعد جيل من صور أدبية رائعة لقيم الشهامة والشجاعة والدفاع عن الوجود القومي في قصيدته عما فعله المعتصم في يوم عمورية يشكّل مثالا جيدا لما نروم الإشارة إليه في هذا المجال..
إنّ النّفس البشرية عند الأديب تتماهى مع الواقع لتصوغه في شكل تجليات تعكس ما يمور داخل الوجدان العام من أحاسيس ومشاعر،ولهذا كان الأدب سبّاقا في سبر أغوار الأمة وفهم تداعياتها في حالتي الإنتصار والإنكسار بما من شأنه أن يشخّص الهموم ويحدّد ملامح المستقبل المنظور ويرتقي بمشاعر الإنسان إلى مرتبة الوعي والتحدي،ولذا كانت الثورات مسبوقة بنهضة أدبية وفكرية تستبصر آفاق الطريق وتؤسس للإنعتاق والتحرّر وتسمو بطموحات الأمة إلى الغد المنشود،مثلما حدث في الثورة الفرنسية والثورة الروسية،فلقد كانت مثلا روسيا القيصرية بلدا متخلّفا لكنّه أنجب في القرن عمالقة الرواية والمسرح والقصة القصيرة في
العالم:دوستويفسكي،تولستوي،تشيكوف،غوغول..اخترقوا حصار التخلّف ونجحوا في صياغة الواقع:جدلا حيا مع الماضي والحاضر والمستقبل إقرارا منهم بأنّ أحدا لا يملك الحقيقة المطلقة،وأنّ آراءنا جميعها ليست أكثر من اجتهادات نسبية مهما استحوذنا على أدق أدوات التحليل،وبهذا استطاعوا كوكبة واحدة:نقادا وأدباء..-رغم أسوار التخلّف العالية-أن يكونوا طليعة الثورة الثقافية الروسية قبل فلاديمير لينيين،وكان ذلك عطاؤهم الحضاري للعالم الجديد،بالرغم-أكرّر من مطبات الركود والتخلّف..فلمَ لا يكون لأدبنا في ظل أوضاعنا العربية الراهنة،الدور الفعّال في تثوير الواقع طالما أننا في أمس الحاجة إلى سبر أغوار النفس البشرية،ووصف ما يمور في خباياها من عواطف وأفكار تجسّد علاقة الإنسان بالأرض والوطن ولنا في تاريخنا المثخن بالمواجع أمثلة غنية:فحياة اللاجئين الفلسطينيين وعواطفهم ومشاعرهم أثناء مغادرتهم قسرا لأرضهم أو أثناء عيشهم في الشتات،ثرية بالمادة التي تصلح للإبداع بما من شأنه أن يبلور تلك المشاعر وينقل تفاصيلها للمواطن العربي،وهذا يعني أن قضية الأرض والوطن يجب أن تكون من ضمن التيمات الأساسية في أدبنا الحديث كي يكون-هذا الأخير-صادقا ومؤديا للرسالة التي نرومها،ومن هنا يجوز القول أنّ للأدب دورا فعالا في تغيير معالم الحياة التي نعيشها من خلال إعتماد رؤية شاملة تستشرف آفاق المدى المنظور وتعتمد في مقاربتها للواقع:الكشف الجارح،التحريض العميق..وبالتالي فإنه يهيئ امكانية لعملية التغيير تفوق امكانيات وسائل التغيير الأخرى..فمن أبرز سمات عصرنا،وبخاصة في المنطقة العربية،هي المحاولات التي لا تتوقّف من أجل تدمير الإنسان،وإهانته،وإلغاء دوره،ونفيه ماديا إذا اقتضى الأمر،تضاف إلى ذلك حالات الإستيلاب الإجتماعي والفكري،في الوقت الذي تفيض فيه ثروات النفط لتطغى على المؤسسات المالية في الغرب،ولتشكّل بطريقة إنفاقها مثلا صارخا على الإنحطاط والتردي وكل ما يرد من أفكار سوداء يروّج لها خصومنا.فماذا يمكن أن نفعل إزاء هذا الكم الهائل من التحديات،وإزاء هذه الموجة الصارخة من اللاعقلانية التي تسود الواقع العربي في المرحلة الحالية؟
أليس من ضمن مهام الأدب المؤثر المساهمة في وضع حد لهذه التجاوزات التي تجري بشكل صارخ في طول الوطن العربي وعرضه؟!
ألم يكن الإرتباط العاطفي والقومي الحميم بين الثورة والجماهير هو الذي شدّ في البداية قطاعات عريضة من النّاس لشعر محمود درويش وسميح القاسم ومعين بسيسو ومظفر النواب..وهو نفسه الأمر الذي تكرّر في الحرب اللبنانية،حيث انعكس هذا الإرتباط في شعرشوقي بازيغ وغيره..
ألم يتمكّن الراحل نزار قباني بشعره من تحرير مساحات لا بأس بها من أرض الوجدان العربي المحتل بالأمية والخوف والقهر،وهناك كثيرون غير نزار،ولكنه الأكثر شعبية..
أليس بإمكان أدبنا المعاصر واعتمادا على المناخ الذي أفرزته الإنتفاضة صياغة معادلة جديدة،من شأنها منع الإنغلاق أو التسيب،وتحديد الصيغ والعلاقات بين ما هو خاص وقطري،وما هو عام وقومي،وكيف يجب التصرّف في هذه الحالة أو تلك !.
وفي الأخير،هل قُدِّر لنا نحن أبناء الخيبات المتراكمة أن نعيش مرحلة أخرى تتسم بالإنكفاء على الذات والإستبطان العميق دون أن-نراجع-الأسس المشكّلة لمنظومة القيم والمبادئ العربية ودون أن ندرك:أي العناصر في الثقافة العربية تتسم بالأصالة ؟ وما الذي يحتويه التراث العربي الإسلامي من دروس وعبر قد تصلح للحاضر ويمكن توظيفها في شكل إشراقات إبداعية تنفض عنا غبار الإنكسارات وتؤسس لغد مشرق في المدى المنظور !؟
إننا من خلال هذه الأسئلة نروم استجلاء أفق جديد لأدب جديد يدرك الحاضر ويتشكّل به،لكنّه يرى المستقبل ويعمل على تشكيله،ذلك أن دور الفرد في الأدب يضاهي دوره في التاريخ: فبمقدار ما يعي الفرد الظرف التاريخي ويتجاوب مع منحاه يكون ممثلا ومحصلة لمجمل الظروف الإجتماعية.ولذلك،فبمقدار ما يعي الكاتب واقعه،أي ظرفه الإجتماعي،يكون محصلة لهذه الظروف،في الوقت نفسه معبّرا عنها،وممثّلا لها في الحقل الثقافي،يساهم في حركتها مثلما ساهمت هي-الظروف-في إيجاده.”فالأدب الواقعي العظيم منذ هوميروسو مرورا بشكسبير وبلزاك وغوته ومكسيم غوركي.وعبر مساره،كان يضع في أولويات توجهه الدفاع عن مشاعر الإنسان،وعن القيم الفاضلة للإنسانية،وذلك عن طريق تعرية الواقع وفضح الجوانب الظالمة،وإدانة قواه الغاشمة في هجمتها الشرسة والرعناء لتحطيم البناء الداخلي السامي للإنسان..“
ما أريد أن أقول:
أردت القول أنّ الأدب الجيّد هو الذي يكون في جوهره رافدا لدعم صمود القومية وحساسية الإنتماء وضمانا اتوجه المجتمع العربي نحو التحرّر والإنعتاق،فالذائقة الفنية للمتلقي العربي نزّاعة إلى التطوّر وتجاوز النموذج التراثي وهي بالتالي تستعجل الوصول إلى المحمول الدلالي والتأثر الجمالي لأسباب لها علاقة وطيدة بطبيعة المرحلة السياسية إن على المستوى القطري أو على المستوى العربي،لذا فإنّ الأدب في منحاه-الواقعي-عليه أن يتحدى الأمر الواقع ويصارع تيار الهزيمة ويتجاوز واقعها المستمر والمستجد،دون أن يكون“أدب“ النصر الشعاري،بل أدب الجدل المثمر بين الهزيمة والمقاومة،لا يكتفي بالإدانة والهتاف لثورة حتى النصر،بل يتوغّل في أدغال الهزيمة وشعيراتها الدقيقة وجذورها الدفينة،يعري انعكاساتها على الفرد والجماعة والوطن والعقيدة تعرية قاسية،ويكشف لنور الشمس كل الخطايا والحقائق الخافية تحت أدران من الأراجيف والإفتراءات،وبذلك يقابل التحدي التاريخي بإستجابة تاريخية ويصبح في حلبة صراع الأقدار في المنطقة،البطل الإيجابي للمرحلة بمدها وجزرها معا:لنقرأ لأحمد فؤاد نججم”اصحي يا مصر “و“ايران“وغيرهما..نجد هذا الشاعر الذي يكتب بالعامية المصرية-خارج قاعات الفنادق الفاخرة-ينجح في تحويل كلماته إلى فعل وانفعال بحركة النّاس العاديين البسطاء ورؤاهم،طموحاتهم واحباطاتهم،أحلامهم وأشواقهم،ويصبح شعره خروجا من أسوار الذات الفردية ودخولا ما في دائرة-الوجدان العام-دون أن يكون انفصالا بين الذات والمجموع،بل نوعا من التقارب وأحيانا الإلتحام وفي أغلب الأحيان الحوار مع النفس والجماهير والثورة أو القلق الإجتماعي الدافق،وبذلك أمسى جزءا لا ينفصل عن تيار الثورة القومية وطابعها الإجتماعي المتقدّم..
لمظفر النواب نجد هذا الشاعر المهموم بقضايا أمته في نخاع العظم يجسّد في أشعاره هموم الشارع العربي ويلتحم بكلماته بالوجدان العام للشعب ويتمكّن من توظيف المعجم السياسي للشعر في ارتباط وثيق بقضية الثورة العربية،وفي المقدمة منها المقاومة الفلسطينية منطلقا من أغوار الذات ودهاليزها السرية إلى معروضات الحياة وشواهدها الظاهرة الحية.وبذلك استطاع أن يحرّر أجزاء واسعة من الوجدان العربي،خلقا وتذوقا،من الرواسب الثقيلة الوطأة في تراث المديح والهجاء والفخر والرثاء..
وإذن؟
هل يكون الأمر إذا مبالغة منّي إذا قلت أنّ الأدب في تجلياته المشرقة،عليه أن يكون أدب الرؤيا المضادة لجيل الهزيمة،الرؤيا التي تصوغ معادلة لا إنفصام فيها،تتلاءم مع الديمقراطية والتحرّر الوطني من ناحية والتحرير الإجتماعي من الناحية الأخرى،وتغدو بالتالي الإستيعاب التاريخي لتداعيات هذه الأمة،ذلك بعد أن أصبح الإنسان العربي يعيش لحظة كونية موسومة بكل ما يناقض الكلمة وينقضها في ظل عالم يشي بفساد الضمائر وسقوط القيم الجمالية بفعل سطوة-القاهر-ولهذا فهو يحمل في وجدانه هموم القومية وانكساراتها،واهتزاز الهوية واهترائها،وفقد تبعا لذلك،ومنذ مسيرة الثورة المضادة عام 79(معاهدة كامب ديفييد) المكونات الأساسية لشخصيته القومية الجمعية وهو الثأر واباء الضيم،إلا أنّه لم ينفصل قط عن تصعيد الدعوة الراديكالية لتغيير اجتماعي جذري،ولم ينفصل لحظة عن البحث الدامي الدؤوب عن الديمقراطية والإنفتاح والتطور..
فهل يُحقّ لنا في الأخير أن نتساءل: هل للأدب دور حاسم في تفعيل الوعي القومي ؟
وفي الختام: هل نصنع الأدب أم يصنعنا؟!
لعلنا بعد هذا الغوص في عوالم الأدب وتجلياته، نعود إلى السؤال الأبدي الذي يظل معلقا في فضاء الثقافة العربية: هل نحن من نصنع الأدب،أم أنه من يصنعنا؟!
الحقيقة أن العلاقة بينهما أشبه بدائرة كونية لا تنفصم،حيث يولد الأدب من رحم الواقع الموجع، ليعود فيشكل وعي ذلك الواقع ويقوده نحو آفاق أرحب.
إن ما يميز الأمة العربية في محنتها الراهنة أنها تمتلك كنزا لا ينضب من المعاناة والألم والانكسار، وهذا الكنز المؤلم،إذا ما أحسن الأدباء صياغته، يتحول إلى قوة دافعة للتغيير،وإلى عصيان روحي على واقع التخلف والتبعية.فحين يكتب الأديب بصدق،فإنه لا يقدم مجرد نصوصا للترفيه أو للتسلية،بل يقدم رؤية للخلاص،وخريطة طريق تعيد للإنسان العربي كرامته المسلوبة،ووجوده المغيب.
لقد رأينا كيف استطاع عمالقة الأدب في روسيا القيصرية أن يخترقوا جدار التخلف،وأن يكونوا طليعة التغيير قبل الثورة ذاتها.وهذا يثبت لنا أن الكلمة،حين تكون صادقة ونابضة بالحياة،تصير أقوى من البارود،وأبقى من المدافع،وأعمق أثرا في النفوس من أي سلاح مادي.
ويبقى الأمل معقودا على جيل جديد من الأدباء لا يكتفي بتسجيل الهزائم،ولا يركن إلى البكاء على الأطلال،بل يتوغل في دهاليز النفس العربية المعذبة،ليكشف لها عن كنوزها المدفونة،ويعيدها إلى صفاء النبع الأول.ذلك أن أمتنا،التي أنجبت عبر التاريخ أعلاما في الشعر والفكر والرواية، قادرة بلا شك على أن تنجب من جديد من يضيئون دروب العتمة،ويحولون لوعة الفقد إلى أمل،ومرارة الهزيمة إلى إصرار على النهوض.
فإلى كل كاتب عربي يشعر بثقل المسؤولية: أنت لست مجرد ناقل للواقع،أنت صانع له،وأنت المسؤول عن وعي هذه الأمة أو تخلفها،عن نهضتها أو سقوطها.فاكتب كمن يكتب وصيته الأخيرة،واكتب كمن يعلم أن كلمته قد تكون الشرارة التي تشعل ثورة كامنة في قلب قارئ ما، في زاوية منسية من هذا الوطن الجريح...فإن لم نصنع نحن أدب النهضة،فسوف يصنع غيرنا أدب الهزيمة لنا.
ومضة أخيرة: الأدب ليس رفاهية كما يظن البعض،ولا ترفا ثقافيا للنخبة،بل هو شريان الأمة النابض،وهو بوصلتها حين تضيع الاتجاهات،وهو ضميرها الحي حين تخونها ذاكرة التاريخ.
فهل نحمي هذا الضمير؟ أم نتركه يذوي تحت أنقاض الواقع المرير؟!
وفي النهاية،يبقى السؤال الأبدي ماثلا أمامنا: هل نحن من نصنع الأدب أم أنه من يصنعنا؟!
لعلهما وجهان لعملة واحدة،يتغذى أحدهما من الآخر،وينبثق منه في حركة أبدية لا تتوقف. فالأدب الحقيقي ليس ترفا ثقافيا،ولا مجرد موهبة تتزين بها النخبة،بل هو شريان الأمة النابض، ومرآة وجدانها الجمعي،وسلاحها الأكثر فاعلية في مواجهة ثقافة الهزيمة والإحباط.
إن الأمم التي تصنع أدبها العظيم هي وحدها القادرة على صناعة مستقبلها،لأن الأدب يسبق الثورات كما يسبق الضوء الصاعقة.فإذا كنا نريد لأمتنا العربية أن تنهض من كبوتها،وتتجاوز خيباتها المتراكمة،فعلينا أولا أن نصنع أدبا يعيد للإنسان العربي كرامته ووجوده..أدبا لا يكتفي بتسجيل الألم،بل يحوله إلى طاقة للخلاص،وأداة للتحرر.
فإلى كل مبدع عربي: أنت لست خارج المعركة،بل أنت في قلبها.فكلمتك قد تكون الشرارة، وقصيدتك قد تكون البوصلة،وروايتك قد تكون الخريطة.فاكتب كأنك تمنح الأمة روحا جديدة، فبالأدب وحده نصنع النهضة،وبدونه نصنع القبور.
