لا لتهجير غزة: الموقف السعودي دفاع عن فلسطين وعن القانون الدولي ..
د. عبد الرحيم جاموس
أمد/ في لحظة تاريخية تتعرض فيها القضية الفلسطينية لواحدة من أخطر محاولات إعادة تشكيلها وتغيير طبيعتها، جاء موقف المملكة العربية السعودية، الذي عبّر عنه سمو الأمير فيصل بن فرحان، واضحاً وحاسماً ومحملاً برسائل سياسية وقانونية تتجاوز حدود الحدث الآني لتلامس جوهر الصراع ومستقبله.
فعندما يؤكد وزير الخارجية السعودي أن «لا يوجد شيء اسمه خروج طوعي لسكان غزة، وأن كل صور خروج أهل غزة من القطاع هي تهجير قهري وبالإكراه، وأن التهجير من غزة مرفوض رفضاً قاطعاً»، فإنه لا يدافع فقط عن سكان قطاع غزة في مواجهة كارثة إنسانية غير مسبوقة، بل يدافع عن أحد أهم المبادئ التي قامت عليها منظومة القانون الدولي المعاصر: حق الشعوب في البقاء على أرضها وعدم جواز اقتلاعها بالقوة أو تحت وطأة الحرب.
لقد حاولت بعض الأطراف، منذ اندلاع الحرب على غزة، إعادة طرح أفكار قديمة بثوب جديد، تقوم على اعتبار تهجير الفلسطينيين حلاً للأزمة، أو مخرجاً من المأساة، أو خياراً "طوعياً" للسكان. غير أن هذه الطروحات تتجاهل حقيقة أساسية مفادها أن الإنسان الذي يواجه القصف والتجويع والحصار وفقدان المأوى والعلاج لا يمارس خياراً حراً عندما يغادر مكان إقامته، بل يخضع لظروف قسرية تجعل الحديث عن "الطوعية" محاولة لتبرير ما يرفضه القانون الدولي وترفضه المبادئ الإنسانية.
ومن هنا تبرز أهمية الموقف السعودي، لأنه أعاد تعريف القضية في إطارها الصحيح. فالمشكلة ليست وجود الفلسطيني على أرضه، بل استمرار الاحتلال وحرمان الشعب الفلسطيني من حقوقه الوطنية. والحل ليس في ترحيل الضحية، بل في معالجة السبب الذي أنتج المأساة أصلاً.
إن أخطر ما في مشاريع التهجير ليس بعدها الإنساني فقط، وإنما بعدها السياسي والاستراتيجي. فالتهجير، إذا ما وقع، لا يعني مجرد انتقال سكان من مكان إلى آخر، بل يعني عملياً إفراغ الأرض من أصحابها، وإضعاف المطالبة بحقوقهم الوطنية، وتحويل القضية الفلسطينية من قضية شعب ووطن وحق تقرير مصير إلى قضية لاجئين ومساعدات إنسانية وإدارة أزمات. ولهذا السبب ظل التمسك بالأرض أحد أهم عناصر الصمود الفلسطيني وأحد أهم مرتكزات الدفاع العربي عن فلسطين.
وفي هذا السياق، فإن الموقف السعودي لا يمثل موقف دولة فحسب، بل يعبر عن وعي عربي وإسلامي متزايد بخطورة المرحلة. فالدول العربية والإسلامية تدرك أن نجاح أي مشروع للتهجير القسري لن تكون تداعياته محصورة في فلسطين، بل سيمس الأمن القومي العربي، ويخلق أزمات إقليمية جديدة، ويؤسس لسابقة خطيرة مفادها أن القوة العسكرية تستطيع فرض حلول ديموغرافية وسياسية على الشعوب.
كما أن هذا الموقف ينسجم مع الإجماع العربي والإسلامي الرافض لتصفية القضية الفلسطينية أو تجاوز الحقوق الوطنية المشروعة للشعب الفلسطيني. فالقضية الفلسطينية لم تكن يوماً قضية مساعدات أو إغاثة أو ترتيبات أمنية، وإنما قضية شعب له حق أصيل في أرضه ووطنه واستقلاله. وكل مقاربة تتجاهل هذه الحقيقة محكوم عليها بالفشل مهما حظيت من دعم أو ضغوط.
لقد برزت المملكة العربية السعودية خلال هذه المرحلة باعتبارها أحد أهم الأصوات العربية المدافعة عن حل سياسي عادل وشامل يستند إلى الشرعية الدولية وإلى مبدأ قيام الدولة الفلسطينية المستقلة. ولم يكن رفض التهجير موقفاً منفصلاً عن هذا التوجه، بل جزءاً من رؤية متكاملة ترى أن السلام الحقيقي لا يمكن أن يقوم على أنقاض الحقوق الفلسطينية، ولا على حساب وجود الشعب الفلسطيني على أرضه.
ومن هنا يمكن فهم الأهمية الخاصة للدبلوماسية السعودية في هذه المرحلة. فهي دبلوماسية تجمع بين الواقعية السياسية والتمسك بالمبادئ، وبين الانفتاح على المجتمع الدولي والتمسك بالثوابت العربية والإسلامية. ولذلك اكتسبت مواقفها وزناً وتأثيراً متزايدين في النقاش الدولي حول مستقبل فلسطين والمنطقة.
إن الرسالة التي حملها الأمير فيصل بن فرحان إلى العالم هي رسالة تتجاوز حدود السياسة اليومية: لا شرعية لأي مشروع يقوم على اقتلاع الفلسطيني من أرضه، ولا يمكن تحويل الجريمة إلى حل، ولا يجوز أن يصبح التهجير بديلاً عن العدالة، أو أن يحل الترحيل محل إنهاء الاحتلال.
واليوم، وبينما يواصل الفلسطينيون تمسكهم بأرضهم رغم كل ما يتعرضون له من معاناة، يكتسب الموقف السعودي والعربي والإسلامي أهمية مضاعفة، لأنه يؤكد أن الأمة ما زالت تعتبر فلسطين قضية مركزية، وأن الدفاع عن حق الفلسطيني في أرضه هو دفاع عن العدالة وعن القانون الدولي وعن مستقبل الاستقرار في المنطقة.
إن غزة ليست عبئاً يجب التخلص منه، وليست مشكلة تبحث عن مكان آخر. غزة جزء من فلسطين، وأهلها أصحاب حق فيها. ولذلك فإن رفض التهجير ليس موقفاً سياسياً عابراً، بل إعلاناً مبدئياً بأن فلسطين لا تُحل بإفراغها من شعبها، وأن السلام لا يُبنى على اقتلاع البشر من أوطانهم، بل على الحرية والعدالة وإنهاء الاحتلال وتمكين الشعب الفلسطيني من ممارسة حقوقه الوطنية كاملة غير منقوصة.
د. عبد الرحيم جاموس
