من فلسطين إلى إيران... كيف نجح نتنياهو في نقل مركز الصراع وتغييب جوهر القضية؟

تابعنا على:   22:46 2026-06-12

د. عبد الرحيم جاموس

أمد/ منذ أكثر من ثلاثة عقود، جعل بنيامين نتنياهو من الملف الإيراني محوراً مركزياً في خطابه السياسي والأمني والدبلوماسي. فمنذ صعوده إلى واجهة الحياة السياسية الإسرائيلية، لم يتوقف عن التحذير من "الخطر الإيراني" ومن البرنامج النووي الإيراني، مقدماً نفسه باعتباره القائد الذي يقف في الخطوط الأمامية للدفاع عن إسرائيل والعالم في مواجهة ما يصفه بالتهديد الوجودي القادم من طهران.

وفي أحدث تصريحاته، عاد نتنياهو ليؤكد أن إيران لن تمتلك سلاحاً نووياً طالما بقي رئيساً للحكومة، وأن هناك توافقاً كاملاً بينه وبين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حول هذه المسألة، مضيفاً أنه أمضى أكثر من ثلاثين عاماً في قيادة النضال الدولي ضد المشروع النووي الإيراني.

ورغم أن المخاوف المرتبطة بانتشار الأسلحة النووية تمثل قضية مشروعة في السياسة الدولية، فإن قراءة أعمق لهذا الخطاب تكشف أن المسألة تتجاوز مجرد القلق الأمني، لتلامس جوهر الاستراتيجية السياسية الإسرائيلية الهادفة إلى إعادة تعريف الصراع في المنطقة، ونقل مركز اهتمام العالم من القضية الفلسطينية باعتبارها أصل المشكلة، إلى ملفات أخرى تجعل إسرائيل تبدو وكأنها ضحية مهددة وليست قوة احتلال تمارس سيطرتها على شعب آخر منذ عقود.

لقد أدرك نتنياهو مبكراً أن استمرار التركيز الدولي على الاحتلال والاستيطان والقدس واللاجئين وحقوق الشعب الفلسطيني يضع إسرائيل في موقع المساءلة السياسية والقانونية والأخلاقية. ولذلك عمل بصورة منهجية على بناء رواية بديلة تجعل إيران، وليس الاحتلال، هي القضية المركزية في الشرق الأوسط، وتجعل الأمن الإسرائيلي، وليس الحقوق الفلسطينية، هو العنوان الرئيسي للنقاش الدولي.

وهكذا انتقل الاهتمام العالمي تدريجياً من السؤال الجوهري: كيف يمكن إنهاء الاحتلال وتمكين الشعب الفلسطيني من حقوقه الوطنية المشروعة؟ إلى سؤال آخر مختلف تماماً: كيف يمكن مواجهة إيران ومنعها من امتلاك قدرات نووية؟

لقد كانت هذه واحدة من أكثر الاستراتيجيات السياسية نجاحاً في تاريخ الدبلوماسية الإسرائيلية. فبدلاً من أن تبقى إسرائيل تحت ضغط متواصل بسبب سياساتها الاستيطانية وممارساتها في الأراضي الفلسطينية المحتلة، نجحت في تحويل نفسها إلى شريك ضروري في مواجهة "الخطر الإيراني"، وتحولت من موقع المتهم بانتهاك القانون الدولي إلى موقع المدافع عن الاستقرار الإقليمي والأمن العالمي.

ولعل أخطر ما في هذه الاستراتيجية أنها لم تكتفِ بتحويل الأنظار عن القضية الفلسطينية، بل سعت إلى إعادة تعريف طبيعة الصراع نفسه. فبعد أن كان يُنظر إلى الصراع باعتباره قضية شعب واقع تحت الاحتلال يناضل من أجل الحرية والاستقلال، جرى تقديمه تدريجياً باعتباره جزءاً من منظومة صراعات أمنية وإقليمية أوسع تتصدرها مواجهة إيران.

وبذلك انتقل مركز الاهتمام الدولي من البحث في الحقوق الوطنية الفلسطينية إلى البحث في كيفية حماية إسرائيل وتعزيز أمنها. وهنا تكمن براعة الخطاب الإسرائيلي وخطورته في آن واحد؛ إذ نجح في تحويل الاحتلال من أصل المشكلة إلى تفصيل ثانوي، بينما جرى تصوير ردود الفعل الناجمة عنه باعتبارها أصل الأزمة ومصدر التهديد.

ولم يكن هذا التحول مجرد نجاح إعلامي أو دعائي، بل ترتبت عليه نتائج سياسية واستراتيجية بعيدة المدى. فقد تراجعت الضغوط الدولية الرامية إلى إنهاء الاحتلال، واتسع هامش الحركة أمام الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة لمواصلة الاستيطان وفرض الوقائع على الأرض، مستفيدة من انشغال العالم بملفات أخرى أكثر إلحاحاً في نظره.

كما ساهمت هذه المقاربة في إعادة تشكيل التحالفات الإقليمية. فبدلاً من أن تكون القضية الفلسطينية هي العامل الجامع للعالم العربي والإسلامي، أصبحت مواجهة إيران في بعض الأحيان عنواناً رئيسياً للسياسات الإقليمية، الأمر الذي سمح لإسرائيل بتوسيع دائرة علاقاتها الإقليمية دون أن تقدم أي ثمن سياسي حقيقي يتعلق بإنهاء الاحتلال أو الاعتراف بالحقوق الوطنية الفلسطينية.

لكن المشكلة الجوهرية في هذه الرؤية أنها تتعامل مع أعراض الأزمة وتتجاهل أسبابها الحقيقية. فحتى لو افترضنا نجاح إسرائيل والولايات المتحدة في منع إيران من امتلاك السلاح النووي، وحتى لو تم التوصل إلى تفاهمات إقليمية واسعة حول الأمن والاستقرار، فإن ذلك لن يجيب عن الأسئلة الأساسية المتعلقة بالقدس واللاجئين والاستيطان والحدود وحق تقرير المصير للشعب الفلسطيني.

فالقضية الفلسطينية ليست تفصيلاً يمكن تجاوزه أو ملفاً يمكن شطبه من جدول الأعمال الدولي. إنها القضية التي شكلت وما زالت تشكل أحد أهم مصادر التوتر وعدم الاستقرار في الشرق الأوسط. وكل محاولات تجاوزها أو الالتفاف عليها أو استبدالها بملفات أخرى لم تنجح في إنتاج سلام حقيقي أو استقرار دائم.

ومن المفارقات أن إسرائيل التي ترفع شعار الأمن بصورة دائمة، تتجاهل حقيقة أن الأمن المستدام لا يتحقق بالتفوق العسكري وحده، ولا بالتحالفات الإقليمية والدولية، ولا بتضخيم المخاوف من هذا الطرف أو ذاك، بل يتحقق أولاً وأساساً من خلال العدالة السياسية وإنهاء الاحتلال والاعتراف بحقوق الشعوب.

إن الخطر الحقيقي الذي يهدد مستقبل المنطقة لا يكمن فقط في احتمال امتلاك إيران للسلاح النووي أو عدم امتلاكه، بل في استمرار الاعتقاد بإمكانية بناء شرق أوسط مستقر فوق أنقاض الحقوق الفلسطينية. فهذه الفرضية أثبتت فشلها مراراً وتكراراً، لأن السلام لا يقوم على موازين القوة وحدها، وإنما يقوم على معالجة جذور الصراعات وأسبابها العميقة.

لقد نجح نتنياهو في نقل مركز الاهتمام العالمي من فلسطين إلى إيران، ومن الاحتلال إلى الأمن، ومن الحقوق إلى التهديدات، ومن جوهر الأزمة إلى تداعياتها. لكنه، رغم كل ذلك، لم ينجح في تغيير الحقيقة الأساسية التي أثبتها التاريخ مراراً: أن القضية الفلسطينية ستبقى معيار العدالة والاستقرار في الشرق الأوسط، وأن أي مشروع إقليمي أو دولي يتجاهلها أو يسعى إلى تجاوزها لن يكون سوى محاولة جديدة لإدارة الأزمة وتأجيل انفجارها، لا لحلها.

ففلسطين لم تكن يوماً قضية هامشية في المنطقة، ولن تصبح كذلك مهما تبدلت الأولويات أو تغيرت التحالفات أو تعاظمت المخاوف. وستبقى، رغم كل محاولات التهميش والإزاحة، جوهر الصراع ومفتاح السلام الحقيقي في الشرق الأوسط.

اخر الأخبار