النظام الإيراني وتصدّع البنية الاجتماعية في إيران.. قراءة في مؤشرات القلق وانعدام الثقة في إيران
د. سامي خاطر
أمد/ تجاوزت الأزمات التي تعصف بالمجتمع الإيراني في الآونة الأخيرة حدود التوصيفات الاقتصادية التقليدية لتتحول إلى ظاهرة بنيوية عميقة ترسم ملامح مرحلة دقيقة من تاريخ البلاد.
إن القراءة المتأنية للمشهد الداخلي وفقاً للتقارير الميدانية وما تعكسه النقاشات في الأوساط النخبوية والصحافة المحلية تكشف عن حالة من الهشاشة الاجتماعية التي لم تعد تقتصر على مطالب معيشية بل امتدت لتطال الركائز النفسية والأمنية للمواطن الإيراني.
التوجس.. وتآكل الأمان النفسي
تشير المعطيات الراهنة إلى أن القلق الاجتماعي في إيران قد تحول إلى سمة غالبة على الحياة اليومية.. ولم يعد هذا القلق مجرد استجابة لتقلبات أسعار العملة أو التضخم بل أصبح حالة متأصلة من "عدم اليقين" تجاه المستقبل، وإن تزايد معدلات الاكتئاب والتوتر النفسي بين شرائح واسعة من السكان ليعكس انعدام الأفق حيث تعجز السياسات العامة عن تقديم مسارات واضحة للاستقرار.. هذا التفكك في الحالة النفسية الجمعية يعد مؤشراً خطيراً إذ يشير إلى أن المواطن الإيراني بات يعيش حالة من الانكفاء الذاتي، وهو ما يضعف الروابط البينية التي تشد نسيج المجتمع ببعضه البعض، ويجعل الفرد في صراع مستمر لتأمين بقائه بعيداً عن مؤسسات الدولة.
نهج العنف الممنهج وانهيار الثقة
تُعد الإشارات المتكررة في بعض المنابر الإعلامية لدى نظام الملالي الحاكم في إيران إلى قضايا العنف الأسري، واستحضار نماذج مؤلمة مثل واقعة الطفلة رومينا أشرفي.. تُعد دليلاً على وجود خلل بنيوي في التعامل مع الأزمات.
إن إعادة طرح هذه الملفات لا يعبر فقط عن استمرار وتأصل هذه الظاهرة بل يشير إلى عجز المؤسسات عن تقديم حلول جذرية تنهي مسببات هذه الجرائم.. وإن هذا العجز يتلازم طردياً مع تراجع الثقة الاجتماعية في المؤسسات الرسمية حيث يترجم المواطن العجز عن حل مشكلات العنف والفقر كدليل على انفصال السلطة عن الواقع مما يؤدي إلى توسيع الفجوة بين طموحات الجيل الشاب ومسارات الدولة، ويدفع باتجاه نزيف مستمر في رأس المال البشري من خلال الهجرة والبحث عن بدائل خارج الحدود.
سياسة نظام الملالي والاستقرار الداخلي
إن الربط بين الأزمات الاقتصادية من تضخم وارتفاع حاد في تكاليف السكن والبطالة وبين القيود السياسية المفروضة على الفضاءين العام والرقمي لينتج بيئة اجتماعية بالغة الحساسية، ويدرك المراقبون أن هذه الضغوط المتراكمة عندما تتفاعل في بيئة تفتقر إلى قنوات التعبير الآمنة، فإنها تتحول بالضرورة إلى أشكال من الرفض الصامت أو الانفجار المفاجئ.
إن الخطورة تكمن في أن هذا الاحتقان لم يعد مقصوراً على فئات محددة بل أصبح يشمل الطبقات التي كانت توصف تقليدياً بالاستقرار مما يعني أن التحدي الاجتماعي بات يضاهي في خطورته التحديات الجيوسياسية والسياسية التي تواجه نظام الملالي نتيجة لنهجه الاستبدادي وسياساته الفاشلة.
آفاق مرحلة حرجة
إن ما نلحظه اليوم في المشهد الإيراني في ظل حكم نظام الملالي الآيل للسقوط هو تحولٌ في لغة الخطاب النخبوي؛ حيث بات من الصعب التغطية على حجم الأزمات أو التقليل من شأنها.. وإن هذا الاعتراف الضمني من خلال الصحف والتقارير يشير إلى إدراك داخلي بأن الاستقرار النفسي والاجتماعي هو خط الدفاع الأول عن الدولة وهو خط يتآكل بسرعة بفعل تراكم الأزمات، وفي غياب رؤية إصلاحية جذرية قادرة على معالجة "انعدام اليقين" سيظل المجتمع الإيراني في حالة تأهب دائم للتحول، وهو ما يجعل الملف الاجتماعي يتصدر قائمة التهديدات الوجودية للنظام على المدى المتوسط؛ ليس بفعل عوامل خارجية بل بفعل التصدع الداخلي الذي ينمو بعيداً عن الرشد السياسي والاجتماعي.
