غزة والمصير المجهول: عندما يتحول الانقسام إلى خطر على الكيانية الوطنية الفلسطينية

تابعنا على:   13:16 2026-06-06

د. عبد الرحيم جاموس

أمد/ لم تعد غزة مجرد ساحة حرب، بل أصبحت عنواناً لأكبر اختبار يواجه المشروع الوطني الفلسطيني منذ انطلاق الثورة الفلسطينية المعاصرة.
فبعد عقود من النضال والتضحيات التي قدمها الشعب الفلسطيني من أجل تثبيت هويته الوطنية وانتزاع الاعتراف الدولي بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلاً شرعياً ووحيداً للشعب الفلسطيني، تجد القضية الفلسطينية نفسها اليوم أمام واقع خطير يتمثل في تفكك المرجعية الوطنية وتعدد مراكز القرار السياسي والعسكري.
لقد نجحت الحركة الوطنية الفلسطينية عبر عقود طويلة من الكفاح في انتزاع اعتراف عربي ودولي بمنظمة التحرير الفلسطينية باعتبارها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، وهو إنجاز تاريخي شكل أحد أهم أسس حماية الهوية الوطنية الفلسطينية من مشاريع التذويب والاحتواء والإلغاء. وقد كرست قمة الرباط عام 1974 والأمم المتحدة هذا الاعتراف بوصفه أساساً لتمثيل الشعب الفلسطيني في المحافل الدولية.
لكن ما جرى منذ الانقسام الفلسطيني عام 2007 أدى عملياً إلى إضعاف هذا الإنجاز التاريخي، وإلى خلق واقع سياسي منح الاحتلال الإسرائيلي فرصة ذهبية لإعادة طرح السؤال الذي اعتقد الفلسطينيون أنهم حسموه منذ عقود: من يمثل الشعب الفلسطيني؟
الخطيئة السياسية الكبرى
لم تكن المشكلة الأساسية في تجربة حماس أنها تختلف مع حركة فتح أو مع السلطة الفلسطينية، فالاختلاف السياسي مشروع وطبيعي.
المشكلة الحقيقية أنها تصرفت، طوال سنوات الانقسام، وكأنها بديل عن المرجعية الوطنية الفلسطينية، وليس جزءاً منها.
وهنا تكمن الخطيئة السياسية الكبرى.
فالقضية الفلسطينية لا تحتمل مرجعيتين، ولا مشروعين وطنيين، ولا قرارين متوازيين للحرب والسلم.
لقد قامت فكرة منظمة التحرير الفلسطينية أصلاً على توحيد التمثيل الفلسطيني ومنع تشتيته، لأن الحركة الصهيونية أدركت منذ البداية أن أخطر ما يمكن أن يواجه مشروعها الاستعماري هو وجود قيادة فلسطينية موحدة تتحدث باسم الشعب الفلسطيني كله.
حيث تلتقي النتائج مع أهداف اليمين الصهيوني
قد يعترض البعض على استخدام تعبير "التلاقي مع أهداف اليمين الصهيوني"، لكن الوقائع السياسية تفرض نفسها.
فاليمين الإسرائيلي لم يخفِ يوماً رغبته في:
فصل غزة عن الضفة الغربية.
منع قيام دولة فلسطينية مستقلة.
إضعاف منظمة التحرير الفلسطينية.
تفكيك وحدة التمثيل الفلسطيني.
تحويل القضية الفلسطينية إلى ملفات إنسانية وأمنية منفصلة.
إسقاط فكرة الشعب الفلسطيني الواحد ذي القيادة الواحدة.
وعندما ننظر إلى حصيلة الانقسام بعد ما يقارب عقدين من الزمن، نجد أن معظم هذه الأهداف قد اقتربت من التحقق أكثر من أي وقت مضى.
لقد أصبحت غزة معزولة عن الضفة.
وأصبحت القضية الفلسطينية منقسمة بين سلطتين.
وأصبح العالم يتساءل باستمرار: من يمثل الفلسطينيين؟
وأصبح الاحتلال يستخدم هذا الواقع ذريعة للهروب من أي استحقاق سياسي.
وهنا لا يعود السؤال متعلقاً بالنوايا، بل بالنتائج.
فالسياسات تُحاكم بنتائجها، لا بالشعارات التي رفعتها.
من المقاومة إلى خدمة المشروع المعاكس
إن أكثر ما يثير المرارة أن حركة رفعت راية مقاومة الاحتلال انتهت، موضوعياً، إلى توفير الظروف التي احتاجها اليمين الإسرائيلي لتحقيق كثير من أهدافه الاستراتيجية.
فحين تنقسم القيادة الفلسطينية، يربح الاحتلال.
وحين تتعدد المرجعيات، يربح الاحتلال.
وحين تضعف منظمة التحرير الفلسطينية، يربح الاحتلال.
وحين تتحول غزة إلى كيان منفصل سياسياً وإدارياً، يربح الاحتلال.
وحين تصبح القضية الفلسطينية مجرد ملف إغاثي وإنساني، يربح الاحتلال.
وهذه ليست اتهامات سياسية، بل حقائق تؤكدها نتائج السنوات الماضية.
غزة بعد الحرب: إلى أين؟
اليوم تقف غزة أمام مفترق طرق تاريخي.
إما أن تكون هذه الكارثة بداية مراجعة وطنية شاملة تعيد الاعتبار لوحدة الشعب الفلسطيني ووحدة تمثيله السياسي ووحدة مؤسساته الوطنية.
وإما أن تتحول إلى محطة جديدة في مسار التفكك والانقسام، بما يفتح الباب أمام مشاريع إعادة هندسة القضية الفلسطينية وفق الرؤية الإسرائيلية.
إن الخطر لم يعد يقتصر على تدمير غزة أو احتلال أجزاء منها أو التحكم بإعادة إعمارها.
الخطر الحقيقي أصبح يهدد الكيانية الوطنية الفلسطينية نفسها، ويهدد الإنجاز التاريخي المتمثل في وجود ممثل شرعي ووطني جامع للشعب الفلسطيني.
الخاتمة
لقد أثبتت التجربة أن القضية الفلسطينية لا يمكن أن تنتصر إلا بوحدة شعبها وقرارها ومرجعيتها الوطنية.
كما أثبتت أن أي فصيل، مهما بلغت قوته أو شعبيته أو حجم تضحياته، لا يستطيع أن يحل محل الإرادة الوطنية الجامعة التي تجسدت تاريخياً في منظمة التحرير الفلسطينية.
إن إنقاذ غزة يبدأ بإنقاذ المشروع الوطني الفلسطيني.
وإن إنقاذ المشروع الوطني الفلسطيني يبدأ بإنهاء الانقسام، واستعادة وحدة التمثيل، وإعادة الاعتبار لمنظمة التحرير الفلسطينية بوصفها البيت الوطني الجامع والممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني.
أما الاستمرار في إنتاج الانقسام، أو البحث عن أدوار فئوية على أنقاض غزة المدمرة، فلن يؤدي إلا إلى خدمة المشروع الذي عمل الاحتلال طوال عقود على تحقيقه: تفكيك فلسطين سياسياً وجغرافياً ووطنياً.
وعندها لن تكون الخسارة خسارة غزة وحدها، بل خسارة فلسطين كلها.

اخر الأخبار