بوتين: العالم يشهد تحولاً هيكلياً كبيراً والنظام التجاري والمالي الدولي لم يعد متمحوراً حول الغرب
أمد/ بطرسبورغ: أكد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن العالم يشهد حالياً تحولاً هيكلياً كبيراً، مشدداً على أن النظام التجاري والمالي الدولي لم يعد متمحوراً حول الغرب. وجاء ذلك في كلمته التي ألقاها، يوم الجمعة، أمام الجلسة العامة لمنتدى بطرسبورغ الاقتصادي الدولي، بمشاركة ممثلي أكثر من 130 دولة هذا العام.
وأوضح الرئيس الروسي في كلمته أن المسار المتناغم للتنمية في العالم الحديث يكمن في قدرة الدول على الاستماع بعضها إلى بعض، واصفاً السياسة العدوانية للبيروقراطية الأوروبية بأنها "لا تنم عن بعد نظر"، واتهم النخبة الأوروبية بإثارة الفوضى ومحاولة جر المزيد من الدول إليها.
تآكل منظمة التجارة وميلاد بنية مالية جديدة وأشار بوتين إلى أن البنية المالية التي كانت قائمة سابقاً في العالم كانت تُستخدم للمنافسة غير النزيهة، لافتاً إلى أن محور التجارة العالمية والنظام المالي الدولي سيستمران في التحول بعد أن كانت التدفقات الرئيسية للسلع ورؤوس الأموال تمر عبر عدد صغير من المراكز الغربية، مما كان يشكل تبعية سياسية. وأضاف أن التجارة العالمية تصبح اليوم أكثر كفاءة، وتزداد التسويات بالعملات الوطنية، وتُفتح طرق لوجستية جديدة.
وذكر الرئيس الروسي أن البنية التجارية العالمية الحالية تبتعد عن المبادئ الأصلية لمنظمة التجارة العالمية، معتبراً أن تآكل المنظمة دفع إليه مؤسسوها من الدول الغربية التي فقدت اهتمامها بقواعد التجارة، وأن العقوبات الغربية عطلت عملياً مؤسسة منظمة التجارة وقوضت الثقة بها. وتابع أن العقوبات وسرقة الاحتياطيات الدولية الروسية أثرت بشكل لا رجعة فيه على مكانة الدولار واليورو، في وقت ارتفع فيه الدين العام لمنطقة اليورو إلى أكثر من 81% من الناتج المحلي الإجمالي، مبيناً أن أسوأ المؤشرات سُجلت في اليونان وإيطاليا وفرنسا.
وشدد بوتين على أن العالم بحاجة إلى بنية مالية حديثة ومرنة ومسؤولة وخالية من مخاطر الحظر والعقبات، مؤكداً أن روسيا تستخدم العملات الوطنية بشكل أساسي في علاقاتها التجارية مع الشركاء الرئيسيين، حيث بلغت حصة الروبل في العمليات التصديرية حتى الآن 65%.
صعود "بريكس" وتغير الريادة التكنولوجية وفيما يتعلق بالمؤشرات الاقتصادية الدولية، أعلن بوتين أن مجموعة "بريكس" كانت مسؤولة عن نحو نصف النمو في الناتج المحلي الإجمالي العالمي خلال السنوات الخمس الماضية، بينما بلغت حصة دول مجموعة السبع 18% فقط. وبيّن أن حصة دول "بريكس" من الناتج المحلي الإجمالي العالمي حسب تعادل القوة الشرائية تبلغ نحو 40%، في حين تبلغ حصة دول مجموعة السبع أقل من 29%، مؤكداً أن قيادة دول "بريكس" في الاقتصاد العالمي نمت وستستمر في النمو، حيث يتجاوز حجم التبادل التجاري الداخلي لدول المجموعة تريليون دولار سنوياً، لافتاً إلى أن المراكز الجديدة للنمو في العالم تريد أن تحدد بنفسها مسار تطورها، وأن العالم يصبح أكثر عدلاً عندما يشمل النمو الاقتصادي عدداً أكبر من الدول.
وفي الجانب التكنولوجي، ذكر الرئيس الروسي أن الغرب كان يُنظر إليه تاريخياً كمصدر للتطور التكنولوجي، لكن الوضع بالنسبة للريادة التكنولوجية يتغير الآن، معتبراً التقدم التكنولوجي العامل الأكثر أهمية في التحول العالمي. وحذر من أن الخدمات الرقمية الأجنبية قد تكون مريحة، لكنها ستؤدي لاحقاً إلى تبعية الدول، موضحاً أن الريادة العالمية تعتمد على قدرة الدولة على ضمان سيادتها، وأن السباق نحو ذلك يزداد زخماً.
وأردف بوتين أن الغرب يبحث عن ذرائع لفرض قيود تجعل المنافسة غير عادلة وترتد ضد الدول، مشيراً إلى أن الأوضاع في أوكرانيا أصبحت بمثابة هذه الذريعة بالنسبة لروسيا. واستدرك بالقول إن روسيا هي القائد العالمي في مجال الطاقة النووية بحصة تتجاوز 80%، كما تحتل مراكز متقدمة ولدها نتائج ملموسة في تطوير المنصات الرقمية في مختلف مجالات الحياة، مؤكداً أن الحلول الرقمية الروسية تعتبر محركاً لاقتصاد الشركاء ولا تقتصر على التجارة، ومشيراً إلى الدور المهم للشباب في المجال الرقمي وصدور حلول قانونية لتوفير الضمانات اللازمة لهم.
مؤشرات الاقتصاد الروسي والخطط المستقبلية وعلى الصعيد الداخلي، شدد بوتين على أن الضغوط على روسيا لا تزال قائمة، لكنها اكتسبت علاقات شراكة جديدة، مؤكداً أن موسكو لا تنظر إلى المشكلات العالمية الراهنة على أنها مجرد تهديد، بل أيضاً على أنها فرص هائلة تتاح، وأن بلاده تعزز سيادتها وتوسع دائرة شركائها في ظل ظروف متوترة وصعبة.
ورد الرئيس الروسي على الادعاءات التي تشير إلى تدهور الاقتصاد الروسي قائلاً: "نسمع ادعاءات بأن اقتصادنا في تدهور لكن الواقع أننا حافظنا على أسسنا الاقتصادية ونوفر نمواً مستداماً"، موضحاً أن الاقتصاد السيادي يعتمد على التكنولوجيا والحلول المبتكرة التي تسهل أعمال الاستثمار.
وأقر بوتين بأن عجز الميزانية في روسيا قد يرتفع بنهاية العام، لكنه أكد أنه سيظل أقل مما هو عليه في الدول الصناعية المتقدمة الأخرى. وكشف عن صدور توجيهات للحكومة الروسية بالعودة إلى معدلات نمو اقتصادي مستقرة ابتداءً من العام القادم. كما أعلن أن الميزانية الروسية ستقدم دعماً للأقاليم عبر قروض الميزانية المخصصة للبنية التحتية بقيمة إضافية تبلغ 700 مليار روبل حتى عام 2030.
