بين ثقافة الحياة وثقافة الموت: أزمة الخطاب السياسي في المنطقة

تابعنا على:   14:38 2026-06-04

د. حكمت نبيل المصري

أمد/ منذ عقود طويلة، تشكلت في المنطقة العربية والإسلامية خطابات سياسية وأيديولوجية متعددة، بعضها جعل من التضحية والفداء جزءاً أساسياً من هويته الفكرية والسياسية. وفي سياقات الاحتلال والحروب والصراعات المسلحة، اكتسبت هذه الخطابات حضوراً شعبياً واسعاً باعتبارها تعبيراً عن الرفض والمقاومة والاستعداد لدفع الأثمان دفاعاً عن الأرض والحقوق.

لكن الإشكالية تبدأ عندما تتحول التضحية من وسيلة اضطرارية إلى غاية بحد ذاتها، وعندما يصبح الموت قيمة أعلى من الحياة، في الخطاب السياسي والثقافي والاجتماعي. فالأمم لا تُقاس بعدد من يموتون من أجلها فقط، بل بقدرتها على إنتاج الحياة وبناء المؤسسات وحماية الإنسان وصناعة المستقبل.

لقد خلق الله الإنسان ليكون مستخلفاً في الأرض، يسعى إلى إعمارها وإصلاحها وتطويرها. وجميع الحضارات التي تركت أثراً في التاريخ قامت على العمل والعلم والإنتاج والتنمية، لا على تمجيد الموت بوصفه هدفاً مستقلاً. فالحياة هي المجال الذي تتحقق فيه القيم والإنجازات والعدالة والحرية، بينما الموت نهاية حتمية لكل إنسان، وليس مشروعاً سياسياً أو حضارياً قائماً بذاته.

وفي واقع الشرق الأوسط اليوم، تبدو الحاجة ملحة إلى مراجعة كثير من المفاهيم التي سادت خلال العقود الماضية. فالمجتمعات التي أنهكتها الحروب والنزاعات والنزوح والفقر لم تعد تبحث عن شعارات البطولة فقط، بل عن الأمن والاستقرار والتعليم وفرص العمل وإعادة الإعمار وحياة كريمة لأبنائها.

إن التحدي الحقيقي أمام القوى السياسية ليس في قدرتها على حشد الناس للموت، بل في قدرتها على بناء نموذج ناجح للحياة. فالقائد الناجح هو من يحافظ على شعبه ويصون مقدراته ويمنحه الأمل بالمستقبل، لا من يدير الأزمات بلا أفق أو يكرر الخطابات ذاتها مهما كانت النتائج الإنسانية والاقتصادية والسياسية.

ولعل أحد أهم الدروس التي كشفتها صراعات المنطقة هو أن المجتمعات لا تستطيع العيش إلى الأبد في حالة تعبئة دائمة أو حرب مفتوحة. فلكل شعب الحق في أن يحلم بجامعة ومدرسة ومستشفى ومنزل آمن وفرصة عمل، تماماً كما يملك الحق في الدفاع عن نفسه وحقوقه.

إن إعادة الاعتبار لقيمة الحياة لا تعني التخلي عن الحقوق الوطنية أو القضايا العادلة، بل تعني أن تصبح حماية الإنسان الهدف الأول لأي مشروع سياسي. فالأوطان تُبنى بالأحياء الذين يعملون ويبدعون وينتجون، وتُحمى بالإرادة والعقل والحكمة بقدر ما تُحمى بالشجاعة والتضحية.

ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: هل آن الأوان للانتقال من ثقافة تمجيد الموت إلى ثقافة صناعة الحياة؟ لأن مستقبل الشعوب لا يُقاس بعدد القبور التي تملأ الأرض، بل بعدد المدارس والمصانع والجامعات والمؤسسات التي تبني المستقبل للأجيال القادمة.

اخر الأخبار