المكالمة الخشنة بين السيد والتابع

تابعنا على:   14:21 2026-06-04

عمر حلمي الغول

أمد/ بين الثابت الاستراتيجي والمتحول التكتيكي في العلاقات البينية بين الولايات المتحدة الأميركية ودولة إسرائيل، تبرز بين الفينة والأخرى تباينات بين القيادات في العديد من المواقف ذات الصلة بالمصالح المشتركة، التي تحدد أولوياتها واليات التعامل معها الإدارات الأميركية المختلفة، وشهدت العلاقات البينية بين البلدين العديد منها في محطات سياسية مختلفة، مما أحدث أحيانا برودا نسبيا في العلاقات المشتركة، بين هذه الإدارة وتلك الحكومة، وهناك شواهد كثيرة على ذلك، على الأقل في العقود الأربعة الماضية، حدثت توترات بين إدارة جورج بوش الاب واسحاق شامير عشية انعقاد مؤتمر مدريد في تشرين اول / أكتوبر 1991، وبين إدارة بيل كلينتون وبنيامين نتنياهو، وبين إدارة باراك أوباما ونتنياهو، وبين إدارة جو بايدن ونتنياهو، والان بين إدارة دونالد ترمب ونتنياهو، حيث كان لحكومات نتنياهو الستة النصيب الأكبر من تلك التوترات.
رغم أن الإدارات المختلفة لم تحد قيد أنملة عن دعم واسناد وحماية إسرائيل، بغض النظر عن مستوى التباين والخلاف مع هذه الإدارة أو تلك الحكومة، وأي كان الحزب الحاكم جمهوري أو ديمقراطي، وأي كان الحزب أو الائتلاف الحاكم في اسرائيل، الا أن التوتر الأصعب حدث بين الحليفين الاستراتيجيين ترمب ونتنياهو، وتجلى في المكالمة الأكثر خشونة وصعوبة بينهما يوم الاثنين مطلع حزيران / يونيو الحالي، حسب ما كشفته مصادر أميركية لموقع "اكسيوس"، حيث شن الرئيس الأميركي هجوما حادا على رئيس الوزراء الإسرائيلي على خلفية التصعيد الإسرائيلي في لبنان بشكل أساسي، وأيضا في الملف الفلسطيني الإسرائيلي، حيث أكد وزير الخارجية الأميركية ماركو روبيو خلال جلسة استماع في مجلس النواب لمناقشة ميزانية وزارته، أول أمس الثلاثاء 2 يونيو، أن الرئيس ترمب يعارض أي خطوات لتغيير الوضع القائم في الضفة الغربية، معتبرا أن هذه الإجراءات قد تعقد الجهود الرامية الى التوصل الى ترتيبات بشأن غزة." وأضاف "أن تنفيذ الخطة الأميركية لمرحلة ما بعد الحرب في قطاع غزة، بما يشمل إعادة الإعمار ونشر قوة دولية لتحقيق الاستقرار ونزع سلاح حماس". الذي جاء ردا غير مباشر على تصريحات رئيس الائتلاف الإسرائيلي بشأن التمدد في قطاع غزة وملف نزع سلاح حركة حماس، وضم الضفة الغربية، وأكد رفض الضم للضفة أو تجاوز مجلس السلام. وفي انصياع للموقف الأميركي، قال نتنياهو في مقابلة مع قناة CNBC أمس الأربعاء 3 يونيو الحالي، ردا على مكالمته الصعبة والأكثر قسوة وحدة من ترمب عليه، "إن عليه أن يقرر متى سيتخذ إجراء بشأن غزة وسيحدده مع مجلس السلام." وليس منفردا، كما صرح يوم الخميس الماضي 28 أيار / مايو الماضي.
وبحسب المصادر، وبخ ترمب نتنياهو خلال مكالمته المليئة بالألفاظ النابية، وفق ما أفاد مسؤولان أميركيان ومصدر ثالث مطلع على المكالمة لموقع "اكسيوس"، ووصفه الرئيس الأميركي، بانه مجنون، واتهمه ب "نكران الجميل"، وذكره بدعمه له خلال محاكمته في قضايا الفساد، قائلا: "أنت مجنون. كنت ستدخل السجن لولا دعمي لك، أنا أنقذك والجميع يكرهك الآن. والجميع يكره إسرائيل بسبب ذلك." وصرخ في وجه نتنياهو قائلا "ماذا تفعل بحق الجحيم؟" ورغم ان رئيس وزراء إسرائيل المتغطرس ادعا في اعقاب الاتصال الأصعب في تاريخ حياته السياسية، أن إسرائيل ستواصل عملياتها في جنوب لبنان، وقال "موقفنا لم يتغير." لكن مسؤولا أميركيا آخر، أكد أن ترمب فرض موقفه بالكامل خلال المكالمة، مضيفا أن نتنياهو أنهى المكالمة بالقول "حسنا، حسنا. فقط تأكدوا من معالجة كل شيء."
وجاءت المكالمة في اعقاب التصعيد الإسرائيلي العنف على الجنوب وسقوط أعداد كبيرة من الضحايا وعمليات التدمير الواسعة في المدن والقرى اللبنانية، التي على أثرها اعلنت إيران أنها أوقفت تبادل الرسائل والمحادثات غير المباشرة مع المفاوضين الاميركيين ما لم توقف إسرائيل هجماتها على لبنان، وأيضا بالتلازم مع المفاوضات الجارية في البنتاغون ووزارة الخارجية الأميركية بين الوفدين اللبناني والإسرائيلي، حيث يطالب الوفد والقيادة اللبنانية بوقف الحرب الهمجية والانسحاب الاسرائيلي من الأراضي اللبنانية، وبنتيجة المكالمة الأعنف والاقوى، أوقف رئيس الوزراء الإسرائيلي خطته لتوسيع الهجوم على الأراضي اللبنانية.
وكان الرئيس ترمب أكد أمس الأربعاء صحة المكالمة، ضمن بودكاست، وقال "حدث ذلك بالفعل"، لكنه حاول التخفيف مما تناقلته وسائل الاعلام الأميركية والإسرائيلية والعالمية بالقول" لم أكن غاضبا، لكني كنت منزعجا الى حد ما من استمرار المواجهة بين إسرائيل ولبنان،" كما أن نتنياهو أقر بسخونة المكالمة في مقابلته مع القناة الأميركية أمس "بوجود خلافات تكتيكية" بينهما لا تتعلق بالنقاط الرئيسية، ويتم التوصل الى حلول بشأنها، رافضا التعليق على صحة اتهامه بالجنون.
أهمية هذه المكالمة الأعنف بين ترمب ونتنياهو، أنها وسعت الفجوة نسبيا بينهما، وعززت شكوك ترمب بمصداقية حليفه، الذي شكل غطاءً له، وسعى لإنقاذه من السجن، وطالب له العفو من الرئيس الإسرائيلي إسحاق هيرتسوغ، لا بل تهجم عليه لصالح حليفه ناكر الجميل، الذي ينافسه في الغطرسة والجنون، وأعتقد أن الثقة بينهما تزعزعت، ومن المؤكد سيكون لها تداعيات شخصية، ولن تطال أو تؤثر في طبيعة العلاقات الاستراتيجية بين سادة واشنطن واتباعها في تل ابيب.

 

اخر الأخبار