الحرية لمعابر الكاز لا لمعابر الخبز والصلاة
عدنان الصباح
أمد/ لم يعد العالم الحديث يقيس الكوارث بعدد الضحايا، بل بحجمالتهديد الذي قد يصيب الأسواق.
فحينتهتز إمدادات النفط، ترتفع حالة التأهب الدولية، وتتحرك الأساطيل، وتنعقدالاجتماعات الطارئة، وتُفتح شاشات العالم على مدار الساعة خوفًا على " الاقتصادالعالمي ".
أماحين يُحاصر شعب كامل، ويُمنع عنه الخبز والماء والدواء، ويُترك الأطفال تحت الركاموالجوع، فإن العالم نفسه يكتفي بإصدار بيانات باردة عن " القلق " و"ضبط النفس ".هنا لا نتحدث عن ازدواجية معايير فقط، بل عن انهيار المعنىالأخلاقي للحضارة المعاصرة.معبر رفح… من بوابة حدود إلى شريانحياة:لقد كشف العدوان على قطاع غزة حقيقة النظام العالمي بصورة ربمالم تحدث بهذا الوضوح من قبل.فالعالم الذي اعتبر حرية الملاحة في مضيق هرمز مسألة تستحقالحشد العسكري الدولي، فتاتي الولايات المتحدة بكل ترسانتها العسكرية وتجرب فرنساحظها بإرسال حاملة طائرات وتشكل بريطانيا حلفا دوليا وتعتبر إسرائيل نفسها حاميةلحريات الشعب الإيراني وهي تمارس فعل القتل بدم بارد في فلسطين ولبنان وتعتدي علىاليمن الذي يحاول حماية حق غزة بالغذاء والماء والدواء، هذا العالم المنتفض من اجلخطوط الكاز لم يعتبر إغلاق معبر رفح، أو تعطيله، كارثة إنسانية تستوجب الغضبالكوني نفسه، رغم أن هذا المعبر لم يكن مجرد حدود جغرافية، بل الشريان الأخيرللخبز والماء والدواء والحياة لمليوني انسان. وبذا فقد تحوّل معبر رفح إلى الاختبار الأخلاقي الأكثر قسوةللعالم المعاصر، فهناك، لم يكن الناس ينتظرون رفاهية الحياة، بل مجرد فرصة للبقاء علىقيد الحياة.شاحنات الغذاء كانت تُعامل كما لو أنها تهديد أمني، فيما كانالجوع يُستخدم أداة ضغط جماعي ضد أكثر من مليوني إنسان في حين لم تكن كل الحشودالعسكرية والعمليات الحربية في منطقة الشرق الأوسط والعدوان الأمريكي الإسرائيليعلى ايران عملا عدوانيا او خطرا على حياة البشر واستقلال الدول وحظ الشعوببثرواتها في زمن الماء لم يعد فيه الماء حقًا طبيعيًا للغزيين، بل امتيازًا نادرًا،والدواء أصبح حلمًا، لا خدمة إنسانية أساسية. وفي المقابل، كان العالم يُجنّد كل قوته السياسية والعسكريةوالإعلامية لضمان ألا تتعطل ناقلات الغاز والنفط ولا يكترث ابدا لكل عذاباتالغزيين أطفالا ونساء وشيوخ بحيث بات بلا خبز ولا ماء ولا دواء ولا إيواء.إنها لحظة تاريخية تكشف بوضوح مخيف ترتيب القيم في الحضارةالحديثة بحيث باتت معابر الطاقة أهم من معابر الحياة واحتياجات السوق اهم مناحتياجات الناس لمواصلة العيش على ارضهم بعد ان باتت الأرض نفسها ملك لمن يملكالقوة وصار الحق في الحياة حقا في الكتب الورقية القديمة لا اكثر ولا اقل خصوصاوان أحدا لم يعد يقرأ الكتاب الورقي حتى بل يعتمد على ما يقدم له عبر الشبكةالعنكبوتية المسيطر عليها من أصحاب المال والقوة وهم ما يؤكد تدخلهم وسعيهم لإعادةصياغة الوعي البشري يما يضمن وصول الناس الى قناعات جديدة قد تقلب نظرية مالثوس راساعلى عقب.من حصار الجسد إلى حصار الروح:لكن المأساة لم تتوقف عند " معبر الخبز " بل امتدتإلى ممر السماء نفسه ففي القدس، حيث المدينة التي تمثل في الوعي الإنساني أرضالرسالات السماوية، لم تُستهدف الجغرافيا فقط، بل المعنى الروحي ذاته.لقد أُغلقت ابواب المسجد الأقصى أمام المصلين مرارًا، ومُنعآلاف الفلسطينيين من الوصول إليه، وقُمعت الصلوات، وتعرض المصلون للاعتداء داخلأقدس مكان إسلامي في المدينة.وفي الوقت ذاته، تعرضت كنيسة القيامة ومحيطها لإجراءات منعتكثيرين من الوصول الحر لإحياء الشعائر الدينية، فيما جرى التضييق على الاحتفالاتالدينية المسيحية، بما في ذلك احتفالات الأعياد، تحت ذرائع أمنية وسياسية.هنا لم يعد الاستهداف موجّهًا ضد الإنسان فقط، بل ضد علاقتهبالسماء.لقد أصبح الفلسطيني محرومًا حتى من حقه في الصلاة، وكأنالسيطرة لم تعد تكتفي بالأرض والجسد، بل تريد إخضاع الروح نفسها.إمبريالية المعرفة " احتلالالوعي لا احتلال الأرض ":هنا تتجلى أخطر مراحل الإمبريالية الحديثة؛ إذ لم تعد الهيمنةمقتصرة على السياسة والاقتصاد، بل امتدت إلى إعادة تشكيل المجال الروحي والأخلاقيللإنسان ووعيه.لقد فهمت الإمبريالية القادمة " امبريالية المعرفة "أن السيطرة الحقيقية لا تتحقق فقط عبر احتلال الجغرافيا، بل عبر احتلال الوعي،وتجريد الإنسان من المعنى الذي يمنحه القدرة على المقاومة.ولذلك لم يكن ما قاله ميشيل فوكو مجرد توصيف فلسفي حين أكد أن" المعرفة ليست من أجل المعرفة، بل من أجل ممارسة السلطة" فالسلطة الحديثة لا تريد إخضاعالإنسان بالقوة وحدها، بل بإعادة تعريف ما يجب أن يشعر به، وما يجب أن يغضب له،وما ينبغي أن يعتبره طبيعيًا.ولهذا أصبح العالم قادرًا على مشاهدة المجازر مباشرة دون أنيتحرك، لا لأن الحقيقة غائبة، بل لأن الوعي نفسه يجري تشكيله بطريقة تجعل الإنسانأكثر حساسية تجاه اضطراب الأسواق من اضطرابه تجاه انهيار القيم الإنسانية.غزة… لحظة انكشاف الضمير العالمي:لقد دخل العالم مرحلة جديدة من " تشيئ الإنسان "الذي لم يعد قيمة عليا، بل رقمًا داخل معادلات الاقتصاد والطاقة والجغرافياالسياسية، ولذلك فإن أخطر ما كشفته غزة ليس وحشية الحرب فقط، بل انهيار الضميرالعالمي.فالحضارة التي تهتز من أجل ناقلة نفط، ولا تهتز بالقدر نفسه منأجل طفل يموت جوعًا خلف حدود مغلقة، ليست حضارة مأزومة أخلاقيًا فقط، بل حضارةأعادت تعريف الإنسان نفسه بوصفه قيمة ثانوية أمام السوق، بل يمكن القول انها حضارةرق متجددة من تلك التي استعبدت الانسان جسدا الى هذه التي تسعى لاستعباد وعيهتمهيدا لجعله راضخا بوعي يقبل حالة الرضوخ هذه ويبررها ويقدم لها التنظيراتوالثقافة الضرورية.وحين يصبح فتح ممرات الغاز أولوية دولية عاجلة، بينما يبقى فتحممرات الخبز والماء والدواء خاضعًا للتفاوض والابتزاز السياسي، فإننا لا نكون أمامأزمة سياسية عابرة، بل أمام تحول عميق في بنية العالم الأخلاقية.التجويع وسيلة للتركيع:لم تعد العقوبات الاقتصادية والحصار أدوات ضغط مؤقتة تُستخدملتحقيق أهداف سياسية محدودة، بل تحولت في العقيدة السياسية الأمريكية والإسرائيليةإلى وسيلة ممنهجة لإعادة تشكيل مواقف الدول والشعوب، عبر استهداف قدرتها علىالصمود الاقتصادي والاجتماعي والمعيشي. فالتجويع هنا لا يُستخدم بوصفه نتيجةجانبية للصراع، وإنما كأداة ضغط مباشرة تهدف إلى إنهاك المجتمعات ودفعها نحوالقبول بالإملاءات الخارجية.تقوم هذه السياسة على فرض معادلة قاسية مفادها: إما الخضوعالكامل للشروط السياسية والاستراتيجية التي تفرضها الولايات المتحدة وحلفاؤها، أوالبقاء تحت وطأة الحصار والعقوبات والعزل المالي والتجاري. وبهذا تصبح الاحتياجاتالأساسية للشعوب — من الغذاء والدواء والطاقة والعمل — جزءًا من أدوات الصراعوالابتزاز السياسي.وقد ظهرت ملامح هذه الاستراتيجية بوضوح في أكثر من ساحة عربيةوإقليمية. ففي العراق خلال سنوات الحصار الطويلة، أدى التضييق الاقتصادي إلى تدميرواسع للبنية الاجتماعية والصحية والاقتصادية، ودفع ملايين العراقيين إلى الفقروالمعاناة. وفي إيران، استُخدمت العقوبات الاقتصادية لعزل الدولة وإضعاف قدرتهاالاقتصادية والتكنولوجية بهدف التأثير على قرارها السياسي والسيادي.أما في فلسطين، فقد تحول الحصار، خصوصًا على قطاع غزة، إلىنموذج صارخ لاستخدام التجويع والعزل ومنع الموارد الأساسية كوسائل لإخضاع شعبكامل، عبر التحكم في الغذاء والدواء والطاقة وحرية الحركة، بما يجعل الحياة اليوميةنفسها أداة ضغط مستمرة.وفي لبنان واليمن، برزت العقوبات والحصار المالي والاقتصاديكجزء من صراع أوسع يهدف إلى إعادة تشكيل التوازنات السياسية الداخلية والإقليمية،حتى لو كان الثمن انهيار الاقتصاد، وتفكك المؤسسات، واتساع رقعة الفقر والجوعوالمعاناة الإنسانية.إن خطورة هذه السياسات لا تكمن فقط في آثارها الاقتصاديةالمباشرة، بل في كونها تسعى إلى تحويل الإنسان وحاجاته الأساسية إلى ورقة ضغطسياسية، بما يهدد مفهوم السيادة والاستقلال الوطني، ويجعل معيشة الشعوب وأمنهاالغذائي رهينة للقرار الدولي وموازين القوة العالمية.إغلاق السماء قبل إغلاق الأرض:أما حين تُغلق أبواب الصلاة، وتُمنع الأعياد، ويُحاصر الناس فيعلاقتهم مع مقدساتهم، فإن القضية تتجاوز الصراع على الأرض، لتصبح صراعًا على روحالإنسان نفسها.لقد كان الإنسان، عبر التاريخ، يقاتل دفاعًا عن خبزه وعنإيمانه معًا، لكن عالم اليوم يبدو مستعدًا لحماية خطوط الطاقة أكثر من استعدادهلحماية حق البشر في الخبز والصلاة والحياة.وهذه ليست مجرد مفارقة سياسية فقط، بل لحظة سقوط حضاري وانحطاطأخلاقي كامل، بعد ان أصبحنا امام نظام عالمي يقدس المال وجبروته، ولا يقيم وزنا لحياةالبسطاء من بني البشر، ذلك ان العنصرية الأخطر، هي العنصرية القادمة بصناعة طبقيةجديدة، تقوم على قاعدة الاذكى هو الأعلى، وهي العنصرية التي تمثلها امبرياليةالمعرفة.
